الأحد, 20 سبتمبر 2026|7 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

إذا كان العمل المشترك هو المستقبل، فإن الشركات الكبيرة تريد قطعة منه. موظفو الشركات يبدلون البدلات بالجينز ويشغلون المكاتب في مساحات العمل المشتركة، الذي يعتبر تقليديا ملاذا للموظفين المستقلين، والشركات الناشئة، والعاملين في القطاعات الإبداعية التي تسعى إلى الرفقة واستخدام آلة تصوير مستندات.

جنبا إلى جنب، ظهرت سلاسل العمل المشترك، وتقدم عمليات ناعمة. أبرز أنموذج هو "وي ويرك" WeWork، التي لديها أكثر من 50 ألفا من الأعضاء ولديها مواقع في 29 مدينة في 8 بلدان. هي مملوكة للقطاع الخاص، وقد قدرت قيمتها بأكثر من 15 مليار دولار ومن بين عملائها شركات ذات أسماء كبيرة بما في ذلك "كرانت" Current، الشركة الناشئة المختصة بالطاقة النظيفة والتابعة لجنرال إلكتريك، وبنك وادي السيليكون، وكوكنايزنت، وميرك.

"ريجس"، شركة العقارات، تقدم العمل المشترك في أكثر من نصف مواقعها البالغة 2800 موقع في جميع أنحاء العالم، وتعتزم فتح فروع لها في لوس أنجلوس، وبوسطن، ودلهي، وسنغافورة. "أوفيس جروب"، شركة تزويد المكاتب المرنة في المملكة المتحدة، تقول إن عملاء الحي المالي في لندن يشترون عضوية العمل المشترك.

جاذبية ذلك لموظفي الشركات الكبرى واضحة: الجو العام مريح، حيث يجري العمل جنبا إلى جنب مع الشركات الناشئة وموظفي التكنولوجيا النشيطين.

كثير من هذه المساحات للعمل المشترك تأتي مع امتيازات يتوقعها عمال التكنولوجيا الشباب مع شيكات أجورهم - طاولات البلياردو، أطباق من الحلويات، والأثاث الغريب. "وي ويرك" لديها أطباق أسماك عملاقة مختارة ومزيجا الحلويات. ومعظم شركات العمل المشترك تسوق نفسها على أساس تعزيز المجتمع، وبعضها تسمح للكلاب الأليفة أن تأتي إلى العمل، فضلا عن استضافة أحداث حول التوازن بين العمل والحياة، جنبا إلى جنب مع المحاضرات، وإطلاق المنتجات وعقد دورات مع مستثمرين أساسيين.

في مكتب صغير مضاء جيدا، محاط بجدران زجاجية، تجد موقعا لـ "كيه بي إم جي"، شركة الخدمات المهنية. وضعت وحدها بعيدا عن طابق مخطط مفتوح للمكاتب التي يستخدمها موظفون يزيد عددهم على عدد المكاتب، وموظفون مستقلون. جوناثان رومر، وهو مصرفي سابق تحول إلى خبير اكتواري، مستقر هنا عند التقاطع، ويطل على خطوط السكة الحديدية التي توجد رسومات على جدرانها، وسوق كامدن، مقصد السياح شمالي لندن. إنه عالم بعيدا عن المقر الجامد لشركة كيه بي إم جي في مركز المصارف في الحي المالي.

القديم والجديد

فريقه الصغير من الموظفين الشباب يعمل مع شركات التكنولوجيا الناشئة. بقميص مفتوح الرقبة وسروال، يقول بالنسبة له جميل أن تكون في هذا الموقع وأن تكون قادرا على بناء علاقات مع الشركات الناشئة. ويضيف: "عليك أن تشارك منذ البداية. لأنه عندما تبدأ تلك الشركات في التوسع بسرعة كبيرة، سيكون تقريبا قد فات الأوان". ويتابع:" إذا كانوا موجودين منذ ثلاث سنوات، لا يمكنك بشكل مفاجئ أن تضع يدك بيدهم عندما يكونون كبارا ومشهورين وتقول: حسنا، نحن نريد أن نعمل معكم. فات الأوان".

كثير من عمله هو التوجيه غير الرسمي. "نحن نلتقي بكثير من الناس الذين بدأوا العمل لتوهم، ويبحثون عن [نصيحة] بسيطة". قد يكون هذا عن الضريبة أو كيفية تسجيل الشركة. لكن أسئلة معظم الشركات الناشئة تدور حول جمع الأموال، كما يقول. إنه يبذل قصارى جهده ليشير إلى أنه ليس لديه مال يمنحه لهم.

المديرون الكبار يعترفون بأن بعض أصحاب المشاريع اعترضوا على ظهور "كيه بي إم جي" في المكان. ومع ذلك، يغيرون موقفهم عندما يرون فوائد النصيحة المجانية، كما يقول. الشركات الناشئة سعيدة للغاية بالحصول على أكبر قدر ممكن مجانا. ويقول رومر إن هذا ليس إيثارا.

إشغال "كيه بي إم جي" للمكان هو في جزء منه ممارسة للعلامات التجارية. يقول رومر: "اسمنا نقطة قوة ونقطة ضعف في آن معا". صورتها المؤسسية الشديدة يمكن أن تجعلها بعيدة لا يمكن الاقتراب منها بالنسبة للعاملين لحسابهم الخاص وأصحاب المشاريع في مرحلة مبكرة.

وبالعمل بشكل متلاصق مع الشركات الناشئة، تأمل الشركات الكبيرة أن تكون مجهزة بشكل أفضل لرصد الاتجاهات الناشئة وتحديد الفرص المتاحة لبيع الخدمات.

مارك جالاجر، مدير سوق أول في بنك وادي السيليكون، الذي لديه مكاتب في مرافق "وي ويرك" في الولايات المتحدة، يقول إن الذهاب إلى مساحات مشتركة "يعطيني إمكانية الوصول إلى محادثات مختلفة، ويجعلني أشعر كصاحب مشاريع بدلا من مصرفي". ويصر على أن هذه ليست مجرد حالة تهبط فيها إلى مستوى الأطفال، بل تجعلك أكثر تعاطفا مع التحديات التي تواجههم.

بعض الشركات مفتونة كثيرا بالعمل المشترك إلى درجة أنها أقامت له مساحات في مكاتبها الخاصة. مينلو للابتكارات، مجموعة البرمجيات في ميشيجان، أقدمت على هذا الأمر بالضبط من خلال توفيرها مساحة مكتبية لأصحاب المشاريع الشباب. وبحسب ريتشارد شيريدان، الرئيس التنفيذي، هذا لا يتعلق بالمال. ذلك الجزء من الأعمال يعمل ضمن خسارة صغيرة، على الرغم من أن القصد من ذلك هو الوصول إلى نقطة التعادل. الأهم من ذلك، كما يقول شيريدان، هو "المصلحة غير الملموسة أن تكون بجوار أصحاب المشاريع ذوي العقلية نفسها والنشيطين، الذين يجلبون معهم وجهات النظر والأفكار التي لن تحدث بشكل طبيعي لو كنا وحدنا في المكان".

بالمثل، جيمي تشيو، مؤسس مسرِّع الشركات الناشئة لدى EY، دعا الموظفين إلى فرع "سنترال ويركينج" في لندن لإخراجهم من "منطقة راحتهم (...) إنه ما يحفز الأفكار حول التعاون". في الواقع، أصحاب المشاريع الذين لديهم علاقات واسعة وشبكات فضفاضة واسعة، إلى جانب ما يبدو أنه محادثات خارج الموضوع، هم أكثر ابتكارا من الذين، مع مجموعة من الناس، يتشابهون في أفكارهم، وفقا لمارتن رويف، أستاذ علم الاجتماع في جامعة برنستون.

التوظيف والحفاظ عليه، خصوصا بين جيل الألفية، هو سبب آخر يجعل الشركات الراسخة تنتهج مكاتب العمل المشترك. يقول رومر إن العمل في إنترشينج، حيث يمكن أن يرى نصيحته تصنع فرقا ملموسا للعميل، قد تم تنشيطه. ويضيف أن العمل في شركات كبيرة يجعل الأشخاص يشعرون بلعب دور مهم في عجلة القيادة. تشارلي جرين، الرئيس التنفيذي المشارك لمجموعة أوفيس، يقول: "تهدف عديد من الشركات الكبيرة إلى جذب واستبقاء الموظفين الذين لديهم عقلية ريادة الأعمال من خلال تقديم الفرصة لهم ليكونوا جزءا من المجتمع الأوسع".

#2#

ووجدت دراسة حديثة نشرتها "هارفارد بزينس ريفيو" أن العمل بين الناس الذين يؤدون وظائف مختلفة يمكن أن يؤدي إلى تعزيز هوية العاملين. وقدمت أماكن مثل هذه للموظفين "الفرصة للحديث عن عملهم في كثير من الأحيان، الأمر الذي يمكن أن يجعل ما يقومون به يبدو أكثر إثارة للاهتمام وأكثر تميزا". وبطبيعة الحال، المسألة الأكثر واقعية وإلهاما هي أن مساحات العمل المشترك مرنة وبأسعار معقولة. مايكل جروس، رئيس مجلس إدارة "وي ويرك"، يقول إن الشركات تأتي إليه إذا دخلت في عملية استحواذ وتحتاج إلى مكان بسرعة، أو تريد أن تنشئ مكاتب تابعة أو بعيدة. وهذا أمر مهم بصورة خاصة إذا كان المقر الرئيسي في مدينة تتسم بارتفاع الإيجارات فيها.

كيرت جروتسماخر، الرئيس التنفيذي لشركة نيكست سبيس كوويركينج NextSpace Coworking، ومقرها كاليفورنيا، يقول إن بعض الشركات تستخدم أماكنه لتكون قاعدة للمكاتب التابعة بهدف مساندة التواصل عن بعد. ويقول: "إذا كنتَ تعيش في سانتا كروز ومكتبك في وادي السيليكون، فهذه مسافة ساعة ونصف بالسيارة في كل اتجاه".

هذا يعني أن بإمكان الموظفين أن يعيشوا في سانتا كروز، وبتكاليف سكنية أقل بكثير، وفي الوقت نفسه يعملون لدى شركة مقرها في ماونتن فيو. كريس لويس، وهو شريك في قسم العقارات في ديلويت، يقول إنه في "الوقت الذي تترسخ فيه فكرة العمل "الرشيق" في كثير من الشركات، فإن استخدام أماكن من هذا القبيل سوف يصبح شائعا خارج مراكز المدن".

مع ذلك هناك مشكلات تصاحب هذا النوع من العمل. نيك كريسوس، رئيس تكنولوجيا الابتكار في سيسكو لمنطقة بريطانيا وأيرلندا، عمل في عدد من أماكن العمل المشتركة مع فريقه. ويلاحظ أن الأماكن المفتوحة يمكن أن تسبب مشكلات فيما يتعلق بالخصوصية.

ويقول: "حين تعمل على تطوير التكنولوجيا الخاصة بك، فإن حتى شاشة الكمبيوتر لديك يمكن أن تصبح قضية حساسة". وقد اختار العمل في مكتب ثابت في شركة إنترتشينج، التي تمزج بين الخطة الخاصة والمفتوحة.

بالنسبة لشركات العقارات، المزايا المالية التي تعود عليها من إيجاد مستأجر من الشركات الراسخة تعتبر جذابة. الشركة الكبيرة متعددة الجنسيات أكثر موثوقية من شركة ناشئة يمكن أن تنهار بين عشية وضحاها. ويقول جروس إن وجود شركات كبيرة في "وي ويرك" يعد أمرا جذابا، لكن فقط إذا كانت أقلية. فهو لا يريد أن يُضعِف ثقافة الشركة الناشئة.

لكن جورج جونستون، الشريك المؤسس لشركة IncuBus London، وهي شركة حاضنة للشركات الناشئة، يقول إن الأعداد المتزايدة من الأماكن التي تجمع بين عاملين من جهات مختلفة تغلب عليها "الشركات التي تحاول أن تفهم الشركات الناشئة، والابتكار، وذلك العالم". من الناحية العملية، يتم إخراج أصحاب المشاريع من خلال ارتفاع الأسعار وتصبح الثقافة أقرب إلى ثقافة الشركات.

ويعترف رومر، من "كيه إم بي جي" أن بعض الشركات تريد فقط حصة من العامل الرائع وليست لديها قيمة كبيرة يمكن أن تعطيها لمجتمع العاملين من جهات مختلفة. إذا أرادت شركة كبيرة أن تشغل أماكن العمل مع جهات أخرى، فهي بحاجة إلى أن يكون لديها هدف واضح من حيث الأعمال.

ويقول: "إذا كان الأمر مجرد الحصول على مكان رائع من أجل العمل فيه، فهذا ليس هنا ولا هناك. لكن إذا كانت الشركة تحاول الانخراط في المجتمع المحلي ومع الناس الموجودين هنا، عندها يصبح الأمر رائعا بشكل مذهل".

مكتب المستقبل

المشاركة في العمل كلمة طنانة تغير شكلها باستمرار. في الحقيقة يمكن أن تعني فقط وجود مكان عمل للأشخاص الذين يعملون لدى أرباب عمل مختلفين - يمكن أن يكون الشخص مصمما يستأجر مكتبا لدى محام موجود في شارع رئيسي لديه غرفة إضافية. ويرى الأصوليون ذلك مكانا يتشارك فيه الأشخاص الذين يعملون لحسابهم الخاص، الذين يتمنون وسيلة يتمسكون بها للخروج من العزلة، ويتشاركون في مكان العمل بأسعار معقولة مع وجود هيكل إداري أقرب ما يكون لسلسلة تعاونية منه لسلسة متاجر متعطشة للربح.

مع ذلك، تعلو مكانة المشغلين المصقولين، معلنين أنهم هم من يعطل ويحول مكان العمل، مؤكدين على نمط الحياة والمجتمع، بتعزيز من التكنولوجيا. في المملكة المتحدة، مثلا، تخصص "ريجوس" ربع المكان الكلي المتوافر للعمل المشترك. في الوقت نفسه، عمل تقييم لـ"وي ويرك" على اعتبارها وحدة تكنولوجيا بدلا من أن تكون شركة عقارات.

ودخلت بعض المنظمات الكبرى قطاع العمل المشترك عن طريق تقديم مكان غير مستخدم لمن يعمل لحسابه الخاص. في الولايات المتحدة، أعلنت متاجر التجزئة "ستيبلز" أخيرا أن أعضاء شركة ويركبار Workbar التي تقدم أماكن مشتركة للعمل، يمكنهم العمل في مباني ستيبلز الموجودة في الضواحي، ما يعمل على جلب حركة العمل المشترك المتحضرة إلى حد كبير إلى الضواحي.

وتسوق معظم شركات العمل المشترك نفسها ليس فقط بخصوص المساحة الفعلية المقدمة، التي توفر المرونة وعامل المراوغة، بل أيضا عبر شبكة الاتصال.

وينشر الأعضاء المعلومات المتعلقة بالوظائف والخدمات عبر لوحات إعلانية افتراضية. وهناك فعاليات يجري تنظيمها لمقابلة أصحاب رأس المال المغامر ودورات الترويج. وبعضها يقدم حتى رعاية الأطفال. وكثير منها يأتي بمحض الصدفة، كمتعة العثور على مصالح تجارية مشتركة، أو مشاركة جهات الاتصال في الوقت الذي تعد فيه الشاي في المطبخ. ويتوقع تقرير صادر عن "سي بي آر إي"، شركة العقارات التجارية الأمريكية، أن اقتصاد المشاركة - وهو نظام بني حول تشارك الموارد المادية والبشرية، ما يعكس المواقف المتغيرة إزاء الملكية - سوف يعمل على تحويل قطاع صناعة العقارات إضافة إلى أماكن العمل.

التقرير جريء: "في عام 2030، ستكون أماكن العمل التقليدية أقلية". حتى إنه يشير إلى دور الشركات المستقبلي: رئيس العمل، يتولى تعزيز الصحة والسلامة والتواصل عبر الشبكات في المكاتب.

لقد كنا هنا من قبل. بعد انفجار فقاعة الإنترنت، تقدمت الذراع الأمريكية لشركة ريجوس بطلب للحماية من الإفلاس في عام 2003، بسبب انهيار مستأجري التكنولوجيا لديها. أندرو كين، مؤلف كتاب "الإنترنت ليس هو الحل"، متشكك حيال دعوى العمل المشترك بأن يكون هو مستقبل المكتب ويقول: "يغلب على ظني أن هذا له علاقة بحالة الهوس الحالية بخصوص الشركات الناشئة. وأخمن بأنه موضة عابرة". كريس لويس، وهو شريك في قسم العقارات في ديلويت، يقول في الوقت الحاضر التنافس بين العاملين الذين يشتركون في العمل يبقي التكاليف منخفضة، لكن في الوقت الذي ترتفع فيه الإيجارات التجارية، سوف يكون ذلك "تحديا لهم من أجل امتصاص تلك التكلفة".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية