لا يمكن وصف الاجتماع الوزاري لوزراء الزراعة في مجلس التعاون بأقل من أنه ضرورة قصوى ويجب أن تكون نتائجه بحجم أهميته، بل يجب من الآن أن يركز الإعلام بكل صوره على تعزيز التعاون المشترك بين دول المجلس في مجالات التخطيط الزراعي والأمن الغذائي، وتعزيز فرص الاتحاد في هذا المجال. والسبب وراء كل هذه الأهمية أن الغذاء ركيزة أساسية عند بني البشر كافة، ولكنه بالنسبة لدول مجلس التعاون يعد مشكلة أمن غذائي في مقامه الأول، وأن دول المجموعة تعيش في البيئة الجغرافية والمناخية نفسها وتواجه المصير نفسه، ولهذا فإن العمل المشترك والتنسيق في هذا المجال لا يقل بأي حال عن القضايا المصيرية الأخرى. من الجيد جدا أن يوصف اجتماع وزراء الزراعة في مجلس التعاون الخليجي الذي انتهى في الأيام الماضية بالنجاح وأن نتائجه إيجابية وشملت تأكيد أهمية الاستثمار الخارجي لدول الخليج العربية في مجالات الزراعة كخيار استراتيجي لتحقيق الأمن الغذائي.
المشكلة الأساسية أن دول المجموعة الخليجية لا يمكنها أن تعول على الزراعة والأنشطة الزراعية البينية، فالمسألة ذات أبعاد استراتيجية متداخلة، فالماء شحيح في كل المدن الخليجية تقريبا، ولا يمكن التعويل على مشاريع التحلية لأنها بالكاد تحقق الاكتفاء من توفير المياه الصالحة للشرب، كما لا يمكننا أن ندير ظهرنا لمشكلة الغذاء في الدول الخليجية لمجرد قدرتنا ـــ كدول مفردة ـــ على الشراء من الخارج، ذلك أن ارتفاع أسعار الغذاء العالمية في نهاية العقد الماضي كان ذا آثار كبيرة في اقتصاد دول المنطقة، واحتمال تكرارها كبير نظرا لما يعانيه العالم من ظاهرة التغيرات المناخية والاحتباس الحراري، فالمشكلات الزراعية في دول العالم لا تلبث أن تعود، أضف إلى ذلك أن العالم يسعى دائما إلى تحقيق أمنه الغذائي بأي طريقة حتى ولو بإنشاء مخازن استراتيجية لتعزيز قدرته على المنافسة عند شراء الإنتاج العالمي، وإذا استمر هذه النهج فإن الأسعار مرشحة للارتفاع بشكل مفاجئ في أي وقت. ولهذا فلا مجال إذا لأن تظل دول الخليج تحت رحمة التغيرات المناخية وتقلبات الأسواق، فضلا عن التقلبات السياسية وأثرها.
لقد خطا مجلس التعاون خطوات واسعة في التعاون المشترك وأكد عديد من التقارير الدولية القدرات الكامنة للعمل المشترك كمجموعة اتحاد اقتصادي والثقل الضخم الذي سيلقيه هذا الاتحاد على العالم، ونحن ـــ كدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي ــــ لم نعد كما كنا قبل أكثر من 40 عاما عندما أنشئ المجلس، لقد ارتفع الوعي الاقتصادي بشكل دراماتيكي، ونضج الكثير من التجارب، وأصبح التعداد البشري كافيا لإيجاد قوة طلب كافية لتحريك الاقتصاد في المنطقة. لقد بدأنا ننظر بوعي لفترة ما بعد النفط، وهو المصطلح الذي يعني تخلي اقتصادات المنطقة عن النفط كمصدر أساس للدخل وتركيز الاقتصاد على مصادر أساسية أخرى، ولعل أهم تلك المصادر اليوم هو الاستثمار المتعدد، لهذا فإن على وزراء الزراعة في دول المجلس دراسة الخيارات المتاحة كافة التي ستقدم حلا جذريا لمشكلة الأمن الغذائي من جانب، وإيجاد فرص استثمارية تدعم الوضع الاقتصادي المنشود. ومن بين تلك الحلول التي اقترحها اجتماع وزراء الزراعة عقد شراكات واتفاقيات مع دول خارجية لإنشاء استثمارات خليجية زراعية وغذائية مع دول تتوافر فيها مقومات الزراعة مثل وفرة المياه والأيدي العاملة الرخيصة. ومن البدائل أيضا، الاهتمام بالثروة السمكية والزراعة فيها لإيجاد التنمية المستدامة. ورغم أهمية العمل الجاد والسريع والحازم في هذه المسارات فلابد ألا ننسى أهمية مكافحة التصحر وإيقاف تدهور الأراضي الزراعية، في دول المجلس.
