أداء اقتصاد الهند انخفض عما كان ممكنا. على الرغم من التحسينات في السياسة والأداء منذ أزمة عام 1991، هذا يبقى هو الحال. مع ذلك، فإن الهند الآن هي الاقتصاد الكبير الأسرع نمواً في العالم. ماذا قد يكون عليه المستقبل؟
انطلاقاً من التفكير في هذا السؤال، زرت دلهي في الأيام الأخيرة. من الصعب الحُكم على ما يحدث من حيث الأداء الفوري والسياسة. ولقد ظهرت أربعة استنتاجات: أولاً، حكومة حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي برئاسة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، التي تولت السلطة منذ عام 2014، تُمثّل الاستمرارية، وليس التحوّل المؤيد للسوق الذي توقّعه بسذاجة كثير من الأنصار. ثانياً، الأداء على المدى القصير والآفاق تبدو مواتية بالنسبة إلى كل من الماضي القريب، ولما يحدث في كل مكان آخر. ثالثاً، الأداء على المدى المتوسط ينبغي أيضاً أن يكون لائقاً، بشرط أن تقوم الحكومة بتنفيذ الإصلاحات التي رسمت معالمها من قبل. هذا جزئياً لأن الهند تحمل كثيرا من الإمكانيات، ولكن، رابعاً، تواجه أيضاً المخاطر، الخارجية والداخلية. لذا فإن النجاح يجب ألا يُعتبر أمراً مفروغاً منه.
إذن، لننظر إلى طبيعة الحكومة. إنها مُتمركزة في مكتب رئيس الوزراء. وتوجيهها هو نحو الإدارة أكثر مما هو نحو الأسواق، ونحو المشاريع أكثر مما هو نحو السياسات. كما لم تُظهر أي ميل نحو الخصخصة الجذرية أو إعادة هيكلة الاحتكارات العامة التي تفتقر إلى الكفاءة. وتواصل إنفاق مبالغ كبيرة على الدعم الذي يفتقر إلى الكفاءة. لكي نكون منصفين، مجلس الشيوخ، الذي لا تُسيطر عليه الحكومة، قد أعاق حتى الآن تشريعات ترغب الحكومة من خلالها في أن تفعل الشيء الصحيح. أحد الأمثلة البارزة هو ضريبة الخدمات - ضريبة القيمة المُضافة الوطنية التي من شأنها تسريع تكامل السوق الداخلية في الهند.
أحد أعضاء البرلمان، ليس من حزب بهاراتيا جاناتا ولا حزب المؤتمر، أخبرني أن الحكومة هي "فوق المتوسط". عند مقارنتها بتلك التي في ربع القرن الماضي، هذا يبدو مناسباً.
عندما جاءت الحكومة إلى السلطة، كان الاقتصاد يُعاني تضخم الأسعار الاستهلاكية السريع وعجزا كبيرا في المالية العامة. بمساعدة انخفاض أسعار النفط، انخفض الأول من أكثر من 10 في المائة في عام 2013 إلى أقل من 6 في المائة.
ومن المتوقع أن ينخفض العجز المالي للحكومة المركزية من 4.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2013-2014 من نيسان (أبريل) إلى آذار (مارس) إلى 3.5 في المائة العام المُقبل.
ولم يتوسع الاقتصاد إلا بنسبة 5.3 في المائة في الفترة 2012-2013. ومن المتوقع أن يصل هذا إلى 7.5 في المائة في الفترة 2015-2016. أحدث استبيان عن الحالة الاقتصادية من وزراة المالية يتوقع نمواً بنسبة ترواح بين 7 في المائة و7.75 في المائة العام المُقبل، وإن كان مع مخاطر سلبية. هذا لن يكون ممتازاً بحسب المعايير في الهند، لكنه سيكون ممتازاً بحسب المعايير العالمية.
إذن، الأداء يبدو مُرضياً. هل سيبقى كذلك؟ ربما، ولا سيما أن البنك المركزي ينبغي أن يكون قادراً على تخفيض أسعار الفائدة إلى أقل من نسبة 6.75 في المائة السائدة اليوم في الأشهر القليلة المُقبلة.
علاوة على ذلك، بعد عامين ضعيفين، فإن الأمطار الموسمية المقبلة قد تكون أكبر بكثير، لكن التفاؤل على المدى القريب يجب أن يكون حذرا: أولاً، الصادرات، التي كانت راكدة لأعوام، تنخفض الآن؛ ثانياً، نمو الائتمان تباطأ بشكل حاد؛ وثالثاً، الاستثمار الإجمالي تراجع من 39 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة 2011-2012 إلى 34.2 في المائة في الفترة 2014-2015. من المهم أن يكون هذا على الأقل مستقراً.
يُمكن أن تحافظ الهند على النمو بمستوى قريب من المعدلات الحالية على المدى المتوسط. وفقاً لصندوق النقد الدولي، حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي "بحسب مُعادِل القوة الشرائية" يبلغ 11 في المائة فقط من المستويات الأمريكية، مقابل 25 في المائة في الصين.
وهذا يُشير إلى مساحة كبيرة للنمو السريع واللحاق بهم. الاقتصاد أيضاً متوازن بشكل معقول. التحوّل الجذري قد لا يكون في المستقبل القريب: في حالة عدم وجود أزمة، هذا لم يكن قط مرجحا.
التحسينات تجري. وهذه تشمل تسريع الاستثمار في البنية التحتية؛ انفتاح أكبر على الاستثمار الأجنبي المباشر؛ وإدارة أكثر فعالية؛ وتكامل وإعادة رسملة مصارف القطاع العام؛ وقانون مناسب في حالة الإفلاس؛ والحرية لتنافس الولايات على السياسات الداعمة للنمو؛ وتقديم المساعدة العامة عن طريق نظام تحديد أرقام فريدة من نوعها؛ وأخيرا وليس آخراً، ضريبة السلع والخدمات.
مع ذلك، الهند لا يجب أن تكون متهاونة. لقد تحوّلت البلاد من الاشتراكية مع دخول مُقيّد للرأسمالية بدون خروج: إغلاق الشركات وتسريح العاملين أمر صعب للغاية. الأخير هو أحد الأسباب في أن الوظائف في القطاع الخاص المُنظم تصل إلى 2 في المائة من القوة العاملة.
أسواق الأراضي والعمالة ورأس المال جميعها مشوّهة كثيراً. الحماية الكبيرة على الحدود تحدّ من القدرة على المشاركة في سلاسل القيمة العالمية. أسواق المنتجات المهمة غير قادرة على التنافس. حتى قطاع تكنولوجيا المعلومات المُتباهي يفقد حيويته. الجودة الشاملة للتعليم ضعيفة. بشكل عام، لا تزال هناك حاجة إلى قدر هائل من التغيير. الضغط من الطبقة المتوسطة الصاعدة من المرجح، في النهاية، أن يؤدي إلى إدخال إصلاحات تشتد الحاجة إليها.
وهذا يترك ثلاثة مخاطر أخرى. الأول هو الصراع المباشر، وعلى الأرجح مع باكستان. هذا في الوقت الحالي يبدو من غير المرجح. مخاطر أخرى هي الركود العالمي. أي ركود كبير بما فيه الكافية ليتسبب في تراجع النمو في دولة بحجم وتنوع الهند، طالما أنها تُدار بشكل جيد، يبدو احتمالاً متواضعاً.
الخطر الأخير ينشأ من "حزب الشاي" التابع لحزب بهارايتا جاناتا - من عناصره المتعصبين الوطنيين بشكل مُبالغ فيه. يُشكّل المسلمون 14 في المائة من عدد السكان. واحدة من معجزات ما بعد استقلال الهند هي الطريقة التي تمكّن فيها الناس المنقسمون بحسب الدين والطائفة والرأي من العيش جنباً إلى جنب بشكل ديمقراطي وسلمي في الغالب.
هذا إنجاز عظيم. إذا كان سيدوم، يجب على السياسيين العقلانيين تذكّر أنهم يحكمون جميع الهنود، بما في ذلك الذين لا يحبونهم أو لا يتّفقون معهم. تحمّل الاختلافات مهم في جميع الديمقراطيات، في واحدة ضخمة ومعقدة مثل الهند، إنه مهم حقاً.
قبل 40 عاماً، كنتُ أعمل على الاقتصاد الهندي لمصلحة البنك الدولي. ومنذ ذلك الحين، وأنا مفتون بالمكان، وما زلت. قدرة هذه الأمة الضخمة والفقيرة في الحفاظ على ديمقراطية حيوية، كانت من بين العجائب السياسية في العالم.

