عندما نتكلم عن الطواغيت فلا نقصد ذلك النوع الذي استعبد شعبه وأذل بلده واستباح أتباعه، بل نقصد نوعا آخر تتم صناعتهم في البيئات التنظيمية ومنظمات وقطاعات الأعمال المختلفة بيد الموظفين أنفسهم ومنسوبي المنظمة ذاتهم. الطواغيت في ميدان الأعمال لا يأتون من فراغ ولا يولدون من بطون أمهاتهم طواغيت بل يتم صنعهم في البيئات التنظيمية بآليات وطرق عدة.
هناك عدة عوامل تساعد في صنع الطواغيت داخل المنظمات. فالمدير نفسه بما لديه من سمات نفسية وقيادية تساعد في ذلك. وهناك دور للبيئة التنظيمية التي يوجد فيها كل من المديرين والموظفين ومدى استعدادها وقبولها أن يستبد بها طاغوت. ولكن الدور الأكبر يقوم به الموظفون عندما يبادرون بتكوين شخصية القائد كي يصبح دكتاتورا دون علمه كي يسوسوه ويستخدموه من أجل مصالحهم وأهدافهم الشخصية. وهنا نريد أن نفصل في آليات صناعة الطواغيت داخل المنظمات ولعلنا نبدأ بأكبر مصدر يسهم في إنتاج هذا المارد ألا وهم الموظفون.
يمتلك بعض المرؤوسين مهارات تمكنهم من السيطرة على رئيسهم عن طريق تنويمه مغناطيسا ومن ثم توجيهه إلى أي وجهة يريدون. عند قدوم قائد جديد فإنهم يولون ظهورهم للسلف وكأنه لم يكن بينه وبينهم شيئا، وتبدأ الصراعات التنظيمية بين الفئات واللوبيات والتنظيمات غير الرسمية داخل المنظمة من أجل الظفر وإحكام السيطرة على إرادة القائد المنتظر ومن ثم إدارته وتوجيهه إلى مبتغاهم ومصالحهم وتحقيق أهدافهم الشخصية وهو لا يعلم ما يحاك ضده إما لقلة خبرة وإما لضعف بصيرة، وإما لنقص ذكاء.
وبعد انتصار لوبي أو تنظيم على الآخر تبدأ آليات إدارة المدير الجديد لكي يجعلوا منه طاغوتا يوظفونه لخدمة مآربهم. فتتم الإحاطة به كإحاطة السوار بالمعصم فلا يرى إلا ما يرون، ولا يسمع إلا ما يقولون، ولا يعي إلا ما يملى عليه، وهذا لا يدعو للعجب فالرجل يفعل كل هذا لأنه في حالة غياب وفقدان مؤقت للوعي. من ضمن الممارسات التي ينهجها الأتباع لتخدير قائدهم الكلام العذب والتبجيل والإطراء والرياء فلا يسمع منهم إلا الكلام المعسول ولا يرى إلا ما يسر الخاطر ويبهج العين ويسر القلب مستخدمين الأكاذيب والشائعات وتغيير الكلم عن مواضعه. الكل خدم عنده مقترحاته أوامر وإشاراته نواه وكلماته تؤخذ من شفتيه وكأنها نبوءة رسول. وهم معه أين ما كان فلا يدعونه لغيرهم حتى عند تنقلاته وزياراته بين أقسام منظمته. فعلى سبيل المثال عند رغبته في ممارسة عمله وتفقد موظفيه داخل منظمته تأتي ثلة من أمامه لحمايته من نسيم الهواء وأخرى من خلفه تذب عنه الأعداء ثم يصطف الموظفون عن يمينه وشماله في منظر ينافي كرامة الإنسان ولكنه يبهج قلب المدير. وعندما يهم بالعودة يتسابقون من يظفر منهم بشرف فتح باب مركبته ومن يكون له الفخر في إغلاقه.
كل هذه السيناريوهات التي نراها في البيئات التنظيمية تحركها لوبيات منتفعة داخل المنظمات هدفها مصالح شخصية وفئوية مبطنة وهم لا يعلمون أنهم بفعلتهم هذه يصنعون طاغوتا قد يصبح في يوم ما ماردا يصعب عليهم فيما بعد إدارته وإحكام السيطرة عليه.
هذا السلوك التنظيمي البغيض لن يحقق مبتغاه إلا إذا كان كل من القائد والبيئة التنظيمية مستعدين لتقبله. فليس كل قائد يمكن أن يوجَّه أو ينوَّم بهذه الطريقة فهناك سمات للقائد الذي لديه استعداد لأن يكون طاغوتا. فنجد هذا النوع يتصف بالانكفاء على الذات والخوف من مقابلة الناس وتقوقعه في برج عاجي لا يدري ماذا يحدث في منظمته، واعتماده على قنوات لا أخلاقية لجمع المعلومات كالتنصت ونحوه. كما يتصف هذا النوع من القياديين بكراهيته للنقد، ومحبته لمن يعظم له الإنجازات، وبتهميش ومضايقة المخلصين والغيورين وتقريب المخادعين والمرجفين والمتسولين، فهو لا يرى ما بين أقدامه ولا يفرق بين الحق والباطل، ولا بين الأمين والخائن، فقد تساوت عنده الأنوار والظلم. وجود هذه الصفات مجتمعة أو بعضها في شخصية القائد يجعله مهيأ وجاهزا لأن يكون طاغوتا.
كما أن هناك عوامل تنظيمية تساعد في صناعة الطواغيت داخل المنظمات منها تعود البيئة التنظيمية على الخنوع لكل من تربع على قمة هرم المنظمة بطريقة تخرج عن مفهوم الطاعة الذي نعرفه. فطاعة المسؤول واجب شرعي وتنظيمي ولكن ما يحدث في هذه المنظمات يخرج عن مفهوم الطاعة وهو أقرب ما يكون إلى العبودية بطواعية. فالعجيب في الأمر أن القائد لا يطلب منهم كل هذه السلوكيات المهنية وهذا الخنوع المشين فهم يمارسونها طواعية لأنها أصبحت جزءا من القيم والعادات والأعراف التنظيمية التي يطلق عليها في أدبيات الأعمال الثقافة التنظيمية. فمثل هذه البيئات لديها استعداد لصناعة الطواغيت لأن التربة خصبة لاستقبال من لديه استعداد أن يكون دكتاتورا.
وقبل أن أختم أريد أن أستعين بعبارات أعجبتني قرأتها في موقع إلكتروني لم أجد لها مصدرا تقول "فرعون لم يصنع نفسه، بل صنعه المجتمع الذي حوله حينما غيب فكره وعقله وألغى قيمته ورضي بالخنوع، بل رضي أن يتحول إلى العبودية المطلقة، ليصل بفرعون الحال إلى القول "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" وقد قاد نفسه وأتباعه إلى الغرق والهلاك". من هذه العبارة نستشف أن فرعون لم يكن في الأصل طاغوتا بل الذين حوله صنعوا منه طاغوتا من أجل تحقيق مصالحهم فتحول إلى مارد عملاق أهلك نفسه وأهلكهم.
وهذا بالضبط ما يحدث بالفعل داخل قطاعات الأعمال التي بيئتها التنظيمية ومنسوبيها لديهم استعداد لصناعة الطاغوت حينما تسيطر على متخذ القرار فئة منتفعة تديره دون علمه غير مدركين أنهم يصنعون طاغوتا قد يصعب عليهم التحكم فيه عندما يفقد عبارات التبجيل وجمل الإطراء المكذوب وحفلات الاستقبال عند تفقده الإدارات.
