استيراد المعقول واللامعقول

|
ترصد مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات جميع الواردات السنوية للمملكة، حيث تقوم بتصنيفها في نحو 40 ألف نوع من السلع المستوردة، وقد قمت باختيار عنوان المقالة لأننا في الواقع نقوم باستيراد المعقول واللامعقول، إلى جانب كم هائل من السلع المتنوعة. قبل أن آخذ القارئ الكريم في جولة استطلاعية على طبيعة الواردات السعودية، أشير إلى أن واردات المملكة لا تزال في ارتفاع مستمر من عام لآخر، على الرغم من انخفاض الصادرات، الأمر الذي يؤثر سلباً في الميزان التجاري (الصادرات ــ الواردات)، حيث انخفض الميزان التجاري بنحو 77 في المائة عام 2015 نتيجة الانخفاض الحاد في الصادرات مقابل انخفاض طفيف في الواردات (أقل من 4 في المائة). من المهم إدراك أن الواردات تعني في حقيقتها استنزاف ما لدينا من عملات صعبة، كالدولار واليورو، حيث صرفنا عام 2014 نحو 174 مليار دولار على ما تم استيراده من سلع متنوعة. قارن ذلك بتحويلات الأجانب التي نتباكى عليها كل عام، البالغ مقدارها نحو 40 مليار دولار فقط. في كلتا الحالتين، نقوم سنوياً بالتخلص من العملات الأجنبية مقابل سلع نستوردها ونستهلكها، أو مقابل خدمات يقدم معظمها أجانب عاملين في المملكة. هل في إمكاننا السيطرة على حجم الواردات لتعديل الميزان التجاري والاحتفاظ بما لدينا من عملات أجنبية قدمنا لأجلها أغلى مواردنا الطبيعية من نفط ومشتقاته؟ تشير الإحصائية السنوية لعام 2014 إلى أننا استوردنا ما قيمته تسعة ملايين ريال لشراء أنواع مختلفة من الكلاب، وقمنا بصرف نحو 50 مليون ريال لإطعام الكلاب والقطط في العام نفسه. استوردنا أهم الحيوانات التي عرفت بها المملكة، ألا وهي الجمال، حيث تم استيراد جمال بقيمة 264 مليون ريال، معظمها من الصومال، إضافة إلى الجمال المستخدمة في الرياضة والزينة بمبلغ 54 مليون ريال. كيف يمكننا تناول القهوة العربية من دون حبوب الهيل التي استوردناها بمبلغ 435 مليون ريال من دول أهمها الهند وجواتيمالا؟ أما أولئك الذين يفضلون الآيس كريم على القهوة فقد قاموا باستيراد ما قيمته 299 مليون ريال لتناول هذه الحلوى المثلجة من دول أهمها الولايات المتحدة والإمارات. هل صناعة الآيس كريم متقدمة إلى درجة يصعب علينا صناعتها محليا؟ ثم ألا يوجد ملح طعام في المملكة، ما يجعلنا نستورده بتكلفة 12 مليون ريال؟ للمعلومية يتكون الملح بسهولة من تبخر الماء، سواء داخل الطبقات الأرضية أو على السواحل البحرية. لقد استوردنا شوك وملاعق وسكاكين عادية بمبلغ 48 مليون ريال، وأتبعناها بأعواد "تنكيش" الأسنان بمبلغ 3,5 مليون ريال. أما الأذن فقد صرفنا 35 مليون ريال لاستيراد أعواد قطنية لتنظيفها، ولنظافة أبداننا وملابسنا وأطباقنا اشترينا من الخارج تشكيلات متنوعة من الصابون بمبلغ 431 مليون ريال. أما العطور، فحدث ولا حرج، حيث قمنا باستيراد عطور متنوعة ــ لا تشمل العود ــ بمبلغ وقدره 1,8 مليار ريال، ولأجل مساحيق التجميل صرفنا 2,2 مليار ريال. أما لشعر الرأس وحده فقد تجاوزت تكلفة استيراد الشامبوهات ومستحضرات تلميع وتجعيد وفرد وصبغ الشعر مليار ريال سعودي. وبالمناسبة استورد الصلعان في المملكة تلبيسات شعر مستعار بقيمة 15 مليون ريال. أما ملبوساتنا الوطنية، فأنفقنا 165 مليون ريال للثياب الرجالية ومبلغ 277 مليون ريال للشمغ والغتر التي وضعنا فوقها عِقلا بمبلغ 28 مليون ريال وتحتها طواقي بمبلغ سبعة ملايين ريال.. ولتكتمل "الكشخة" استوردنا نظارات شمسية بقيمة 215 مليون ريال. دعونا من تلك المنتجات التي ربما لا نمتلك فيها أية ميزة تنافسية من بين دول العالم، فنضطر لاستيرادها، ودعونا ننظر إلى أكبر نعمة منّ الله بها علينا، وهي النفط ومشتقاته، التي لا ينافسنا عليها أحد في العالم، بل إننا أكبر المصدرين لها في العالم. ما وضعنا بالنسبة للبنزين والديزل والزيوت بأنواعها؟ لقد استوردنا هذه المنتجات النفطية في عام 2014 بتكلفة 6,7 مليار ريال، من اليونان وحدها استوردنا زيوت وقود بقيمة 2,5 مليار ريال، ومن روسيا ديزل بقيمة 307 ملايين ريال. وارداتنا اليوم زادت ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في عام 2005، بينما صادراتنا اليوم قريبة من صادرات عام 2005، ما يعني أنه من الواضح أننا لا نستطيع الاستمرار على هذا المنوال، وأنه لا بد من وضع برنامج وطني للتحكم في الواردات السلعية والخدمية، لا بفرض ضرائب إضافية عليها، بل بدراسة سبل تنمية الصناعات المحلية ومعالجة ما يشوبها من تحديات وعراقيل، وتحفيز القطاع الخاص للاستثمار في أهم السلع المستوردة حالياً، لنتمكن من خفض الواردات وإيقاف نزيف العملات الأجنبية، وفي المقابل علينا العمل على دعم الصادرات غير النفطية، وبالتالي المساعدة على إعادة التوازن للميزان التجاري.
إنشرها