النموذج التجاري لخدمة «واتساب»

|
يصل عدد مستخدمي خدمة واتساب إلى نحو مليار مستخدم، وهي بذلك تأتي في الترتيب الثاني بعد شبكة فيسبوك، التي يصل عدد مستخدميها النشطين إلى أكثر من مليار ونصف، وأكثر بكثير من إنستاجرام (400 مليون) وتويتر (300 مليون). ولكن على الرغم من ضخامة الاستخدام والانتشار، لا تزال الشركة المقدمة لهذه الخدمة لا تعلم كيف تحقق إيرادات تتناسب مع عدد ما لديها من المشتركين! عدم وضوح النموذج التجاري لواتساب لم يمنع شركة فيسبوك من دفع نحو 80 مليار ريال، على هيئة نقد وأسهم، للاستحواذ على هذه الشركة الصغيرة التي تأسست قبل نحو ست سنوات ويعمل فيها نحو 50 موظفا فقط، هذا على الرغم من أن فيسبوك لديها خدمة مشابهة لواتساب يقارب عدد مستخدميها عدد مستخدمي واتساب حاليا، وهي خدمة فيسبوك للتراسل. ما السر خلف واتساب؟ أي مستخدم لواتساب يعرف أن الخدمة مجانية، على الرغم من أن شروط الاشتراك تشير إلى اشتراك سنوي بمبلغ دولار واحد بعد العام الأول، ولكن إلى الآن لم يتم تحصيل أي من هذه الرسوم من المشتركين. الحقيقة أن مجانية واتساب وسهولة استخدامها هما السببان الرئيسيان لشعبية واتساب، أضف إلى ذلك إعلان الشركة في أكثر من مناسبة أن لا نية لديها للسماح بالإعلانات والدعايات من خلال واتساب، وهذه الأخيرة نقطة جذب كبيرة لهذه الخدمة. من المفارقات العجيبة أن خدمة الرسائل التقليدية مليئة بالإعلانات المزعجة على الرغم من أنها ليست مجانية، بينما واتساب مجانية وخالية من الإعلانات. كيف لذلك أن يستمر بهذا الشكل؟ هناك من يعتقد أن واتساب تتحصل على رسوم من شركات الاتصالات مقابل استفادة مشتركي شركات الاتصالات من واتساب وتخليهم التدريجي عن خدمة الرسائل التقليدية، غير أن ذلك ليس بصحيح، والسبب هو أن خدمة واتساب تعمل بشكل كامل على شبكة الإنترنت، لا على خدمة الهاتف المحمول، أي أنها تعامل تماما كتصفح الإنترنت، وهي بالفعل عبارة عن موقع على الإنترنت توجه جميع الرسائل إليه ويعاد إرسالها إلى الشخص أو الأشخاص المستهدفين من قبل المرسل. ورقم الهاتف المحمول يعامل فقط كمعرف للشخص، لا على أنه رقم اتصال بهاتف محمول، لذا فإن خدمة واتساب تتطلب الاشتراك في خدمة الإنترنت بشكل مباشر أو من خلال الشبكة المنزلية، ولكنها تعامل تماماً كأي تطبيق على الإنترنت. إذا كانت شركات الاتصالات لا تستفيد ماليا من واتساب، وواتساب لا تستفيد ماليا من المستخدمين، أين النموذج التجاري إذاً؟ هناك من يعتقد أن استراتيجية واتساب تعتمد على جمع المعلومات عن المستخدمين، وهي معلومات تتجاوز الاسم ورقم الهاتف، وتصل إلى اهتمامات الشخص وهواياته ورغباته، وهذه بلا شك كنز كبير للشركات والمسوقين في أي مكان، إلا أن ذلك ليس صحيحا في حالة واتساب كون الشركة تعهدت بأنها لن تسمح بالإعلانات في خدمتها ولا الاستهداف المباشر لعملائها، وهي تعلم أنها لو نكثت عهدها هذا فستخسر عملاءها بسرعة. لاحظ كيف أن خدمة يوتيوب تجد صعوبة بالغة في إدخال الإعلانات في مقاطع الفيديو خوفا من تذمر المستخدمين، حيث بقيت الخدمة سنوات طويلة دون أية إعلانات، ومن ثم بدأت بإدخال الإعلانات بتدرج بطيء لمدة خمس ثوان بعدها يمكن للمستخدم تجاوز الإعلان، وأخيرا رفعت المدة إلى 15 ثانية في بعض مقاطع الفيديو. من المستبعد جدا أن تقوم واتساب بإدخال الإعلانات في مراسلات المستخدمين، وحقيقة هي لا تحتاج إلى ذلك. هناك خدمات مشابهة ومنافسة لخدمة واتساب ومشهورة جدا في بعض الدول مثل خدمة لاين وخدمة وي شات، وهذه الخدمات تقوم بالفعل بإدراج الإعلانات في المراسلات إلى جانب خدمات إضافية لا توجد في واتساب، وتحقق عوائد كبيرة جراء ذلك. على سبيل المثال تقدر إيرادات الشخص الواحد في خدمة وي شات - المشهورة في الصين بعدد مستخدمين يصل إلى 650 مليون مستخدم - بنحو سبعة دولارات سنويا، وتصل إلى نحو أربعة دولارات للشخص في اليابان وكوريا، بينما واتساب لا تحقق شيئا من هذه الإيرادات. ولكن هل ستبقى بهذا الشكل؟ لا شك أن شركة واتساب تعمل بصمت وعلى المدى الطويل، وفكرتها تعتمد على الصبر وبناء قاعدة كبيرة من المشتركين، بعدها تستطيع التدرج في تحقيق إيرادات مجزية بطرق مختلفة. أحد هذه الطرق يتم من خلال بناء شراكات استراتيجية مع شركات الاتصالات بحيث تقوم شركات الاتصالات باستقطاع رسوم قليلة من المشتركين لصالح خدمة واتساب، وبذلك تتخلص شركة واتساب من إشكالية تحصيل الرسوم من مئات الملايين من المستخدمين مقابل تعويض شركات الاتصالات أتعاب تحصيل الرسوم. هذه الفكرة قد تكون مقبولة إلى حد ما، وبوجود نحو مليار مستخدم في واتساب، يمكن تحقيق إيرادات سنوية عالية جداً بمجرد استقطاع رسوم لا تتجاوز دولار واحد شهريا. كذلك أمام واتساب مجال كبير لتقديم خدمات أخرى لمستخدميها، كما تفعل وي شات ولاين وغيرهما، مثل خدمات الدفع الإلكتروني والألعاب وتحميل التطبيقات، غير أن هذه الإضافات لن تأتي بسرعة لحرص واتساب على جذب المشتركين وجعل الخدمة عادة يصعب الانفكاك منها. إن الدرس المهم في خدمة واتساب، وغيرها من الخدمات التي تقدم بشكل مجاني، أن النجاح يأتي من خلال تقديم خدمة متميزة، سهلة الاستخدام، سريعة ومتوافرة بشكل يمكن الاعتماد عليه، ومن خلال كسب ثقة المستخدم، ومن ثم بناء قاعدة كبيرة من المستخدمين الذين يصعب عليهم التخلي عن الخدمة بسهولة. إن استراتيجية واتساب في جودة الخدمة وكسب ثقة المستخدم هي الاستراتيجية ذاتها التي تمارسها الشركات الناجحة بشكل عام، التي تحرص على جودة منتجاتها وخدماتها وتتكبد تكاليف عالية لتحقيق ذلك، وذلك لعلمها أن ولاء العميل هو رأسمالها الحقيقي. بل إن سياسة المملكة الأخيرة بخصوص عدم خفض إنتاج النفط حرصاً على عدم خسارة عملائها حول العالم، تأتي كذلك من ضمن هذه الاستراتيجية. أخيراً أعلن رئيس شركة فيسبوك المالكة لخدمة واتساب أنه ينتظر وصول عدد المستخدمين إلى مليار مستخدم ليبدأ في التفكير في كيفية استحلاب الخدمة لتحقيق إيرادات لصالح الشركة، ومن المتوقع أن العدد سيصل المليار ويتجاوزه قبل نهاية هذا العام.
إنشرها