جفاء الأبناء

|
تداعت صور الماضي وأنا أسير نحو غرفة جارنا المسن الذي كانت له صولات وجولات في ماضي الأيام. كنت ـــ وأصحابي ـــ في سن الطفولة نخشى الرجل، ونهرب عندما نراه قادماً من بعيد. دخلنا غرفته، وإذا به يجلس وحيداً فاقداً تلك الهيبة. كان مقعده مقابل النافذة التي تطل على الحديقة. بدت على وجهه تقاسيم الشيخوخة، وأخذت الوحدة منه مأخذها. ما إن رآنا حتى تهلل وتنشط بعض الشيء، لكنه ليس صاحبنا الأول. تحدثنا مسترجعين كل أيام حياته وسفراته ومناصبه التي "غادرته"، وبيوته التي لم تعد تشعره بالحياة، فقرر أن ينتقل منها إلى دار العجزة. "على الأقل هناك من يشاهدني وأشاهده، بدل الوحدة القاتلة في البيت" قالها بألم. سألناه عن أبنائه، فسالت دمعة على خده تحكي ألم السنين والبعد اللذين سيطرا على علاقته بهم. كان يسافر بكثرة، فلا يرونه إلا لماما. تعودوا أنه غير موجود، فمضوا في حياتهم من دونه. عندما عاد، كانوا قد تركوا المكان داخل البلاد وخارجها. يقول: عندما تزوج ابني الأول خيرته في أن أبني أو أشتري له منزلا، وكذلك فعلت مع البقية. عندما طلبت منهم أن يعودوا إلى بيت أبيهم الكبير، كانوا قد تعودوا على حال ليسوا قادرين على أن يغيروه. أطرق صاحبي الذي كان يرافقني وهو يفكر في كلام الشيخ الكبير، ثم تذكر أنه عندما تزوج منحه أبوه غرفة في المنزل ليعيش معه ومع بقية إخوته. تلك حال الجميع في الماضي، قالها بكل أسف. اليوم تعاني الأسرة الفراغ العاطفي الذي لا تملؤه الأسفار ولا الأسواق ولا المراتب أو الدخول العالية. ذكريات الماضي هذه دفعتني للتفكير العميق في إمكانية أن تعود الأسرة إلى حالها السابق، كيف يمكن أن يبقى الأب صاحب الدار مهما كبر أبناؤه وكثر أحفاده. هل يمكن أن تحافظ الأم على تجمع أسرتها، وتحتوي كل بناتها وزوجات أبنائها؟ فكرة غريبة بالنسبة لشباب اليوم، لأنهم لم يعيشوا جمال الماضي، ولم يتعودوا أن تكون لهم مسؤوليات تجاه أسرهم تتجاوز الأكل والشرب. تلكم يا سادة أيام لن تعود ما دامت الأسرة تفتقد الاجتماع الجسدي والعاطفي الذي لا يتخلله لهو بالريموت أو متابعة للمقاطع والرسائل.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها