بصرف النظر عن تدافع مجموعة من الشركات الأجنبية "حتى العربية"؛ لعقد صفقات مع إيران في أعقاب إنجاز الاتفاق النووي، وبعيدا أيضا عن تهديد الولايات المتحدة العلني للجهات اللاهثة وراء هذه الصفقات بأن العقوبات على إيران ما زالت جارية، فإن الوضع الاقتصادي الإيراني ليس متدهورا؛ بل متردٍّ، ليس فقط بفعل العقوبات "ولا سيما الغربية" عليه؛ بل أيضا لأنه لا يعتمد على أسس ومعايير مفهومة، والسبب أن المشرعين الاقتصاديين التنفيذيين لا يملكون في الواقع صناعة أي قرار يخص الاقتصاد، إذا ما تعارض مع رغبة المرشد علي خامنئي، ومن بعده بالطبع الحرس الثوري، الذي يسيطر على اقتصاد يفوق الاقتصاد الوطني حجما ونشاطا. كل المؤسسات الإيرانية لا تخرج عن رغبة المرشد، فما بالنا بالمؤسسات التي يقوم عليها الاقتصاد، التي توفر الإمدادات المالية للبلاد ولمشاريعها المروعة خارجها.
التضخم وصل إلى أعلى مستوى له، وتردي "التومان" بات مستداما منذ سنوات، وشح القطع الأجنبي يتعاظم، وعدد المشردين في شوارع البلاد يتزايد، والنمو بلا رقم رسمي حقيقي، لكنه يكاد لا يُذكر في الواقع. بعض المؤسسات الكبرى عجزت في الآونة الأخيرة عن دفع مرتبات موظفيها، وشمل هذا العجز، حتى الجهات النووية نفسها. لم تنفع الحرب على تجار العملة، ولا حملة إغلاق محال الصرافة، فالعملة الإيرانية تتراجع بصورة مخيفة. هذه حقائق باتت معروفة لكل بلدان العالم المهتمة بالشأن الإيراني. حتى الدعم المالي الذي وفرته إيران لنظام بشار الأسد غير الشرعي في سورية تراجع، وفي بعض الأوقات توقف. رغم أن نظام الملالي يضع مشاريعه التخريبية الخارجية، قبل مصلحة الشعب الإيراني نفسه.
لا لن تتحسن أحوال الاقتصاد الإيراني بمجرد رفع العقوبات الغربية المفروضة عليه؛ لأن متعلقات الخراب الاقتصادي لا تزال باقية؛ بل تؤثر في المرحلة المستقبلية أيضا. دون أن ننسى أن هناك الكثير من المؤسسات الاستثمارية الغربية الكبرى، تبقى مترددة في خوض غمار الصفقات في إيران، حتى تنجلي الصورة بشكل أوضح، وهذا الأمر يتطلب وقتا يقدر بالسنوات، لا بالأشهر ولا بالأسابيع.
على الصعيد النفطي، الكل يعرف، أن إيران بحاجة إلى استثمارات هائلة من أجل الإيفاء بوعودها لشعبها ولنفسها، برفع مستوى الإنتاج النفطي إلى درجات عالية جدا. بعض المواقع النفطية لم تخضع حتى للصيانة الدورية منذ سنوات، والاستثمارات في القطاع النفطي تكاد تكون معدومة. مرة أخرى ليس بفعل العقوبات فق؛ بل من جرّاء إدارة مرعبة للاقتصاد الوطني.
ما تقدمه الحكومة الإيرانية من أرقام اقتصادية تدخل في نطاق الأكاذيب، سواء فيما يتعلق بالموازنات العامة والعجز وحجم الاحتياطي من القطع الأجنبي. ومع انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية منذ 14 شهرا، ارتفع العجز في الموازنة العامة بصورة كبيرة، حتى بإعلانها الأخير أنها حددت الموازنة المقبلة على أساس 71 دولارا للبرميل، فهذا يعني أن العوائد النفطية ستتراجع 28 في المائة، وبالتالي تنعكس مباشرة على حسابات الموازنة. ولا ننسى، أن ما يسمى بالحرس الثوري، يسيطر ـــ وفق التقديرات المحايدة ـــ على 60 في المائة من الاقتصاد الكلي للبلاد، وهو ليس خاضعا لسلطات رئيس الجمهورية ولا أي مؤسسة أخرى في إيران، إنه مرتبط مباشرة بخامنئي.
مثل هذه الحالة لا توفر اقتصادا وطنيا؛ بل تقدم اقتصاد "الكاوبوي" ـــ إن جاز التعبير ــــ خصوصا أنه ليس خاضعا للمحاسبة. رفع العقوبات لن ينعش اقتصاد إيران، بصرف النظر عن الحملات الدعائية التي تقول بعكس ذلك. هناك خراب اقتصادي ليس وليدا لعام أو عامين؛ بل لعقود، لا يمكن أن يخضع للإصلاح في أشهر أو حتى سنوات، ولاسيما إذا ما بقي الاقتصاد رهينة لأحلام الملالي، لا لمصلحة الشعب.
