المشراق

ملحمة جلجامش.. أقدم قصة كتبها الإنسان

ملحمة جلجامش.. أقدم قصة كتبها الإنسان

قبل الإسلام وقبل النور الذي جاء به الرسول محمد عليه السلام، وفي زمن كانت فيه المفاهيم الدينية غير معروفة كانت ملحمة جلجامش. وهي ملحمة سومرية مكتوبة بخط مسماري على 12 لوحا طينيا، اكتشفت لأول مرة عام 1853 في موقع أثري بالصدفة، وعرف فيما بعد أنه كان المكتبة الشخصية للملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى في العراق، ويحتفظ حاليا بالألواح الطينية التي كتبت عليها الملحمة في المتحف البريطاني. والألواح مكتوبة باللغة الأكادية وتحمل في نهايتها توقيعا لشخص اسمه شين ئيقي ئونيني الذي يتصور البعض أنه كاتب الملحمة التي يعتبرها البعض أقدم قصة كتبها الإنسان. والملحمة عبارة عن نص شعري طويل يتحدث عن جلجامش ابن ننسون، التي حملت به من ملك أوروك، فجاء جلجامش متفوقا على جميع الرجال بخصائصه الجسمية والعقلية. لكنه بسبب الجزء الفاني منه يبدأ إدراك حقيقة أنه لن يكون خالدا. حكم جلجامش مدينة أوروك وهو في مقتبل العمر، لكنه تسلط فيها حتى اشتكى الناس لمجمع الآلهة، وابتهل سكان أوروك للآلهة بأن تجد لهم مخرجا من ظلم جلجامش فاستجابت الآلهة وقامت إحدى الآلهات واسمها أرورو بخلق رجل وحشي كان الشعر الكثيف يغطي جسده ويعيش في البرية يأكل الأعشاب ويشرب الماء مع الحيوانات أي أنه كان على النقيض تماما من شخصية جلجامش. وفي أحد الأيام رأى أحد الصيادين أنكيدو، واستغرب لأمره فهرع إلى أوروك ليخبر جلجامش عما رآه، عندها قرر جلجامش أن يرسل له فتاة حسناء لتزيل عنه وحشيته، وحين اقتربت الفتاة من أنكيدو، بدأت ملامحه بالتغير وسرعان ما روضته الفتاة، ووقع في حبها وتغير ليصبح إنسانا سويا، وبعدها صحبته الفتاة وتوجها إلى أوروك حيث يتصارع جلجامش وأنكيدو في البداية، لكن سرعان ما أصبح أنكيدو وجلجامش صديقين حميمين. بعدها أقام أنكيدو في قصر الملك، وفي أثناء صداقتهما يعيش جلجامش حالة تأملية ويترك الرعية ليتأمل في معاني الموت والحياة، فيتحدى الموت ويقرر أن يخطو خطوة يخلد فيها اسمه، ويحاول جلجامش القيام بأعمال عظيمة لكي يبقى اسمه خالدا فيقرر في يوم من الأيام الذهاب إلى غابة من أشجار الأرز ويقطع جميع أشجارها ولكي يحقق هذا يجب عليه القضاء على حارس الغابة الذي هو مخلوق ضخم وقبيح اسمه حواوا. فيذهب برفقة صديقه الحميم أنكيدو إلى غابات الأرز ويقتل حواوا وحش الغابات الذي كان قد رآه أنكيدو وخاف منه في الماضي. بعد هذا يعود جلجامش وصديقه مفاخرين سكان أوروك. تعجب عشتار بشجاعة جلجامش وتطلب منه الزواج لكنه يرفض، فترسل له انتقاما منه ثور السماء، فيقتل أنكيدو وجلجامش ثور السماء، ونتيجة لذلك تجري الآلهة قرعة لتصفية أحد البطلين، فيقع الخيار على أنكيدو ويصاب بمرض عضال يفتك به، ويحلم جلجامش بموت صديقه أنكيدو وفعلا يموت أنكيدو ويحزن جلجامش عليه أشد الحزن. رحلة جلجامش في بحثه عن الخلود: بعد موت أنكيدو يصاب جلجامش بحزن شديد على صديقه الحميم حيث لا يريد أن يصدق حقيقة موته فيرفض أن يقوم أحد بدفن الجثة لمدة أسبوع إلى أن بدأت الديدان تخرج من جثة أنكيدو فيقوم جلجامش بدفن أنكيدو بنفسه وينطلق شاردا في البرية خارج أوروك وقد تخلى عن ثيابه الفاخرة وارتدى جلود الحيوانات. إضافة إلى حزن جلجامش على موت صديقه الحميم أنكيدو كان جلجامش في قرارة نفسه خائفا من حقيقة أنه لابد من أن يموت يوما لأنه بشر والبشر فان ولا خلود إلا للآلهة. بدأ جلجامش في رحلته للبحث عن الخلود والحياة الأبدية. لكي يجد جلجامش سر الخلود عليه أن يجد الإنسان الوحيد الذي وصل إلى تحقيق الخلود وكان اسمه أوتنابشتم. وأثناء بحث جلجامش عن أوتنابشتم يلتقي بإحدى الآلهات واسمها سيدوري التي كانت آلهة النبيذ وتقوم سيدوري بتقديم مجموعة من النصائح إلى جلجامش والتي تتلخص في أن يستمتع جلجامش بما تبقى له من الحياة بدل أن يقضيها في البحث عن الخلود وأن عليه أن يشبع بطنه بأحسن الماكولات ويلبس أحسن الثياب ويحاول أن يكون سعيدا بما يملك، لكن جلجامش كان مصرا على سعيه في الوصول إلى أوتنابشتم لمعرفة سر الخلود فتقوم سيدوري بإرسال جلجامش إلى الحارس أورشنبي، ليساعده في عبور بحر الأموات والوصول إلى أوتنابشتم الإنسان الوحيد الذي استطاع بلوغ الخلود. بعد أن لاحظ أوتنابشتم إصرار جلجامش في سعيه نحو الخلود قام بعرض فرصة على جلجامش ليصبح خالدا، إذا تمكن جلجامش من البقاء متيقظا دون أن يغلبه النوم لمدة ستة أيام وسبع ليال فإنه سيصل إلى الحياة الأبدية ولكن جلجامش فشل في هذا الاختبار، إلا أنه ظل يلح على أوتنابشتم وزوجته في إيجاد طريقة أخرى له كي يحصل على الخلود. عندها تشعر زوجة أوتنابشتم بالشفقة على جلجامش فتدله على عشب سحري تحت البحر بإمكانه إرجاع الشباب إلى جلجامش بعد أن فشل مسعاه في الخلود, وتخبره أن هذه النبتة عوضا عن سر الأبدية والخلود، لأنهما من نصيب الآلهة فقط، والموت من نصيب البشر. عودة جلجامش إلى أوروك: بعد حصول جلجامش على العشب السحري الذي يعيد نضارة الشباب، قرر أن يأخذه إلى أوروك ليجربه على رجل طاعن في السن قبل أن يقوم هو بتناوله ولكن في طريق عودته وعندما كان يغتسل في النهر سرقت العشب إحدى الأفاعي وتناولته فرجع جلجامش إلى أوروك خالي اليدين وفي طريق العودة يشاهد السور العظيم الذي بناه حول أوروك فيفكر في قرارة نفسه أن عملا ضخما كهذا السور هو أفضل طريقة ليخلد اسمه. في النهاية تتحدث الملحمة عن موت جلجامش وحزن أوروك على وفاته. والنصوص المتوافرة حاليا من هذه الملحمة في متاحف العالم في شذرات مختلفة الطول تعود إلى القرن الـ 18 قبل الميلاد. وتتألف هذه المجموعة من: أ - «جلجامش وأغا ملك كيش». ب - «جلجامش وحواوا». ج - «جلجامش وأنكيدو وثور السماء». د - «جلجامش وأنكيدو والعالم السفلي». هـ - «موت أنكيدو». و - «موت جلجامش». تبرز خصوصية ملحمة جلجامش في تأكيدها أسلوب الحياة والمفاهيم الدينية، وبلورتها فلسفة الحياة البابلية. وقد كان لها تأثير عميق في كثير من أساطير أبطال الإغريق. ويمكن وصف هذا العمل الأدبي بالملحمي، لأنه يبرز مغامرات بطولية، كذلك فإن هذا النص الملحمي، يكون انطباعا عند القارئ عن حرية الإرادة عند الإنسان.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق