الاقتصاد السعودي جزء رئيس من منظومة الاقتصاد العالمي، وهو في موقع العشرين اقتصادا الأهم عالميا، وما يدور حوله من تطورات اقتصادية ومالية سيتأثر بها ويؤثر فيها. هذا ليس بالجديد هنا؛ إنما الأهم في سياق ما يجري الآن والمحتمل مستقبلا على مستوى الاقتصاد العالمي، هو كيف وماذا سيتم اتخاذه من سياسات وتدابير تجاه تلك الاحتمالات؟
لنتصور في هذا المقال القصير، ثلاثة سيناريوهات مقبلة محتملة، سيكون سعر النفط محورها الرئيس: (1) أن تعود أسعار النفط للارتفاع مجددا، مدعومة بتحسن نمو الاقتصاد العالمي. (2) أن تستمر التقلبات الراهنة في الاقتصادات والأسواق حول العالم، ودخول أكبر الاقتصادات (الولايات المتحدة، الصين، منطقة اليورو) في معترك أزمات اقتصادية، وحروب عملات، ستكون لها انعكاساتها السلبية على أسعار النفط، فيبقى متذبذبا في مديات سعرية 60 - 40 دولارا أمريكيا.
(3) أن يدخل الاقتصاد العالمي في أزمة اقتصادية جديدة، قد تفوق بأضرارها الأزمة المالية العالمية 2008، ما سيطغى بآثاره الوخيمة دون شك على مختلف اقتصادات العالم بحسب قوة تحمل كل اقتصاد، ولا أحد يملك القدرة على تصور الأوضاع والتطورات الممكن حدوثها، إلا أنها دون شك ستكون صعبة للغاية على الجميع دون استثناء، وفي الوقت ذاته لا مجال لأي اقتصاد الانفصال عن تحمل تبعاتها، بقدر ما أن القدرة على التكيف مع آثارها، وتحاشي أكبر قدر من سلبياتها، قد يكون هو السبيل المتاح لفعل ذلك، وهو ما سيعتمد كثيرا على ما يملكه كل طرف من الاقتصاد العالمي من إمكانات أو خيارات، مع الأخذ في الاعتبار أن تصارع الاقتصادات حول العالم في ظل هذا السيناريو، قد يترتب عليه أن تلحق قرارات أو إجراءات بعينها لاقتصاد ما أضرارا جسيمة باقتصاد أو اقتصادات أخرى، وهذا أمر مشاهد الآن بين اقتصادات الشرق والغرب، نرى نتائجه تنعكس فورا على أداء الأسواق باختلاف أنواعها.
قد لا يعنينا في الوقت الراهن الحديث طويلا حول السيناريو الأول، فهو إن حدث كما يأمله الجميع، لن يترتب عليه الكثير من القرارات، كونه النمط الطبيعي والمستقر لأداء الاقتصاد العالمي، مع التأكيد على أهمية سعي اقتصادنا إلى الإسراع في جهوده الساعية إلى تحقيق استقلالية أكبر عن دخل النفط، والعمل الحثيث على تنويع قاعدة الإنتاج المحلية.
بالنسبة للسيناريوين الثاني والثالث؛ فالفارق بينهما هو وزن الآثار السلبية، فكلاهما سيترك آثارا مؤلمة على الاقتصادات حول العالم، وقد يقود تفاقم السيناريو الثاني إن لم تجدِ معه التدابير والإجراءات الدولية إلى تحقق الثالث. وعلى افتراض استدامة السيناريو الثاني؛ استمرار تقلبات الاقتصادات والأسواق حول العالم، وتأرجح أسعار النفط بين الـ 40 إلى 60 دولارا أمريكيا، يمكن القول وفقا للمتوافر اليوم من بيانات، إنها في جانب منها ستترك آثارا سلبية على أداء الاقتصاد السعودي، وفي جوانب أخرى قد تمنحه قدرا إيجابيا.
فمن الجوانب السلبية كما سبقت الإشارة إليه في المقال الأخير (ما آثار انخفاض النفط في الاقتصاد السعودي؟)، أن ينكمش النمو الحقيقي للاقتصاد متراجعا لما دون 3.0 في المائة، وأن يبقى نمو القطاع غير النفطي متأرجحا في مستويات أدنى من مستوياته السابقة دون الـ 4.0 في المائة إلى أعلى من 2.0 في المائة، وهو النمو الذي قد لا يكفي تحت هذه الظروف لزيادة التوظيف، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في الأجلين القصير والمتوسط، كما سيترتب على هذا السيناريو انخفاض إيرادات المالية العامة عن مستوياتها المرتفعة خلال السنوات الأخيرة بما لا يقل عن 30.0 في المائة، وقد تزيد على تلك النسبة ما سيترتب عليه صعوبة الوفاء بالعديد من تمويل المشروعات الرأسمالية، إلا عن طريق الاقتراض الداخلي، وهو الخيار المتاح والأقل تكلفة في الوقت الراهن، قياسا على توافر السيولة المحلية بقدر كاف جدا، مع الإشارة هنا إلى عودة "المزاحمة الحكومية" على الائتمان المحلي، التي ستحد كثيرا إن تجاوزت المرحلة الراهنة عامين أو أكثر من خيارات النمو بالنسبة للقطاع الخاص. هذا إضافة إلى احتمال انخفاض الصادرات إجمالا بنحو الثلث، والصادرات النفطية تحديدا بنسبة تفوق 35 في المائة، يقابلها انخفاض الواردات بنصف تلك النسب أو أعلى بقليل، وانعكاس كل تلك التطورات على خفض معدلات نمو السيولة المحلية (تحديدا الودائع المصرفية) والائتمان المصرفي لما دون نصف معدلات نموه المتحققة سابقا (استقر معدل نمو كل منهما خلال الأعوام الخمسة الأخيرة بين 15 و10 في المائة سنويا).
يمتلك الاقتصاد السعودي احتياطيات مالية كافية جدا، وتتحمل المالية الحكومية مديونية تعد الأدنى عالميا، ويملك خيارات كافية في الوقت الراهن لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، والتكيف لنحو عامين إلى ثلاثة أعوام مع استدامة السيناريو الثاني، كما يمكن له تعزيز استقراره عبر تنفيس الفقاعة العقارية داخله دون تعريض نظامه المالي لمخاطر عالية، التي تعد اليوم المصدر الأكبر للتضخم محليا، عبر عديد من الأدوات التي من أهمها على الإطلاق، بدء التطبيق الفعلي لقرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء، التي ستؤدي إلى زيادة تحرير الأراضي من قيد الاكتناز والاحتكار، بصورة سينتج عنها عديد من المزايا الاقتصادية والمالية، لعل من أهمها: (1) زيادة التدفقات الداخلة على الميزانية العامة خلال العامين الأولين. (2) انخفاض الأسعار المتضخمة للأراضي والعقارات، بما سيحد كثيرا من التضخم في الاقتصاد، وأثره الإيجابي في خفض تكلفة التشغيل والإنتاج، التي ستنعكس إيجابيا على هوامش أرباح القطاع الخاص. (3) انخفاض تكلفة المعيشة على المواطنين بصورة كبيرة، وذلك من خلال الانخفاض المتوقع على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية، نتيجة انخفاض إيجارات المحال التجارية والمصانع والشركات، وفي الوقت ذاته الانخفاض في تكلفة إيجارات المساكن، التي تستقطع في الوقت الراهن نحو نصف الدخل السنوي أو أكثر للمواطنين العاملين.
(4) إعادة توزيع الأموال الخارجة من تملك الأراضي في الاقتصاد الوطني، وتوجه جزء مهم منها في قنوات الاستثمار المحلية وتأسيس المشروعات الجديدة أو توسيع بعضها الآخر، ما سيسهم في زيادة تنوع قاعدة الإنتاج المحلية، وفي زيادة فرص العمل الكريمة للمواطنين والمواطنات، إنه الجزء الأهم من تحريك السيولة داخل الاقتصاد نحو الإنتاج بصورة أكبر، عوضا عن تكديسها في أراض جرداء، نتج ما نتج عنها من آثار وخيمة على الأداء الاقتصادي. (5) إضافة إلى مساهمة تلك الثروات في حل أزمات التضخم والبطالة وتدني درجة تنوع قاعدة الإنتاج، سيسهم فرض الرسوم على الأراضي في حل الأزمة المؤرقة للإسكان، وهو ما سيوجد سوقا محلية عملاقة للتطوير العقاري وعديدا من الأنشطة الاقتصادية ذات العلاقة به في نشاطي (الصناعة، الخدمات). (6) أن يؤدي كل ما تقدم إلى توفير مزيد من السيولة المحلية، وتعويض احتمالات انكماشها نتيجة تراجع أسعار النفط، إلا أنها هذه المرة عن طريق وفورات تحققت من الإنتاج والتشغيل والتوظيف وتحسن مستويات الدخل، لا عن طريق المضاربات وتدوير الأموال أو اكتنازها. وللحديث بقية. والله ولي التوفيق.
