الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 14 أبريل 2026 | 26 شَوَّال 1447
Logo

اقتصاد البعير المناطقي .. الموارد والمال والرجال

سالم بن فهد الزمام
الأربعاء 5 أغسطس 2015 1:49

أستطيع تشبيه مناطق القصيم والأحساء وعسير ببعير يحمل سناما اقتصاديا وكأنه يبحث عمن يقوده لينتج. كل منطقة لها مزايا نسبية ومطلقة لكامل مقومات أي عملية تنموية إنتاجية: موارد طبيعية، ورأسمال، وموارد بشرية، وموقع جغرافي مكونة لدائرة إنتاجية مثالية مغذية لنفسها بالتكرر "رأسمال استثماري ـــ مورد بشري ـــ استهلاك ـــ ادخار".

هذا النموذج من المكونات لهذه المناطق يؤهلها لأن تستوفي معايير مدينة اقتصادية نموذجية قلما تتوافر في مجتمع ما لتخلق فرص أعمال اقتصادية ذات قيمة مضافة عالية لأي دولة تنشد تنمية وطنية مستدامة. وسأتناول القصيم كنموذج وذات مساهمة بـ 4.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي فقط على الرغم من إمكانات هائلة كما هي الأحساء وعسير كنموذج، ويمكن قياس هذا التحليل للبقية باختلاف المعطيات للنتيجة نفسها بمنهجية مهنية اقتصادية وأبعاد هذه المنظومة من المكونات وملخص توصيات في النهاية.

أولا: الموارد الطبيعية: وفق تقارير وزارة البترول والثروة المعدنية، تتوافر في المنطقة موارد عدة أهمها الحجر الجيري والجبس وخامات الخزف البوكسايت والكاولين كذلك رمل السيليكا والزجاج والمعادن الثمينة. ووفق وزارة الزراعة يتوافر في المنطقة ما يتجاوز 7.3 مليون نخلة منتجة للتمور! وعدد حيازات زراعية غذائية متنوعة تتجاوز 18 ألفا المسجل فقط، ومؤكد أنها تتجاوز ذلك بأضعاف.

هذه الموارد كفيلة للمنطقة بأن تدخل عالم أعمال الصناعة التحويلية إقليميا وعالميا، حيث معظم موارد التعدين تدخل في صناعات عالمية حالية ومستقبلية مطلوبة خصوصا في مجال الخزف والزجاج والبناء. بينما الغذائية منها، وفق تقنيات الري الحديث أو تقنية إنتاج الماء بطرق تجارب حديثة، كفيلة بقيام صناعات غذائية تحويلية منها منتجات مجففة بطريقة التشتت الجزئي، ومنتجات فيتامينات وبروتينات ومستحضرات صيدلانية مهمة تصل حتى إلى زيوت الطاقة المتجددة من التمور.

ثانيا: الموارد المالية: وفق تقارير مؤسسة النقد ووفق عملية تحليل مهني قمت به، ولاحظ جيدا معي هذا المورد الضخم للمنطقة، حيث تبلغ عدد العمليات لمصارف المنطقة ما يتجاوز عشرة ملايين عملية لعام 2014 وبقيمة 46 مليار ريال، في حين يقدر حجم الودائع بـ 26 مليار ريال. ولو تم استثمار تنموي ذو قيمة مضافة لجزء منه لأحدث فارقا لا يستهان به. إضافة إلى ذلك مورد طي النسيان وهو الوقف الخيري في المنطقة الذي يقدر فقط لرجلي أعمال بتسعة مليارات ريال. صناعة الوقف تعتبر في الاقتصاد الحديث ومستقبلا موردا ومصدرا للتمويل الإسلامي في الاستثمار بشكل صكوك إسلامية على هيئة مضاربة ومشاركة ومرابحة وإجارة واستصناع، وهو توجه حالي للدولة نحو تنظيمه وإنشاء سوق مالية للصكوك والسندات الإسلامية ويجب الاستعداد له.

ثالثا: الموارد البشرية: وفق تقرير مصلحة الإحصاءات لعام 1435هـ بلغ سكان القصيم 1.3 مليون نسمة وبمعدل نمو سنوي 3 في المائة متجاوزا المعدل العام للمملكة المقدر بـ 2.3 في المائة مع ملاحظة الهجرة العكسية الراغبة في الاستثمار، هذا ما يجعلها تتصدر مع منطقتي الأحساء وعسير الأكثر كثافة ونموا بمعدلات عمرية شابة ما يساعد على بيئة استثمارية وعاملة واستهلاكية.

رابعا: الموقع الجغرافي: تميز المنطقة بموقع جغرافي استراتيجي من خلال توسطها المملكة مع جغرافية طرق حالية ومستقبلية تجعلها مؤهلة وبدرجة كبيرة أن تكون هدفا لقطاعات عامة وقطاعات أعمال المملكة كمنطقة أعمال تخزين وتوزيع استراتيجي لها، مع فرص أعمال خدماتها اللوجستية المساندة التي لا يتسع المجال لذكرها هنا.

التوصيات: من السهل جدا أن تذكر مزايا اقتصادية لمنطقة ما وفرص الأعمال، لكن من الصعب تصورها كمنظومة اقتصادية متكاملة، والأصعب هو القدرة على تصميم خريطة طريق عملية واقعية تستوعب أجزاء المنظومة ومتوافقة مع أهداف خطة وطن تنموية ووفق تطورات اقتصادية متغيرة ومتسارعة، لكن سأجتهد هنا كالتالي:

1. كمدخل ومتطلب، يجب إعادة النظر في تقسيم مناطق المملكة وزيادتها لتحقق مزايا تقسيم العمل والتخصص، وأشير هنا إلى دراسة مهنية في التنمية الحضرية للدكتور عبد الله المسند، وتوزيع مناطق المملكة لـ 21 منطقة.

2. كمرحلة أولى، إنشاء مدن أعمال اقتصادية أهلية مساهمة مقفلة لها بقيادة القائد الإداري لكل منطقة، وتكليف لجنة الاستثمار من قطاعها الخاص بفريق عمل متفرغ متخصص، وأعيدها متخصص ومؤهل بخبرات أعمال، بهدف استثماري للمساهمين وتنموي للوطن وإطلاق ما يسمى اقتصاديا بـ "وفورات الحجم الكبير" بعيدا عن مركزية وممارسة قطاع عام.

3. إنشاء مركز أبحاث متقدم لأنشطة الموارد لكل منطقة ليحدد الأنشطة والمنتجات ذات الجدوى الاقتصادية حاليا ومستقبلا، مع راصد حضري لها كمرحلة ثانية.

4. بحث واختيار شريك تقني ونقل تجربة عالمية ناجحة هو خيار أمثل يختصر الوقت وذلك عن طريق النسبة المتناقصة بما يخدم هدف إضافة براءات اختراع عالمية وحماية لها وشهادات مطابقة المواصفات، وهدف سرعة وصول المنتجات عالميا وكمرحلة ثالثة.

5. الاستحواذ أو الاندماج مع بعض كيانات الأعمال الحالية القائمة والمرتبطة بكل نشاط كمرحلة رابعة.

6. تخصيص صندوق تمويلي برأسمال جريء "فنتشركابيتل" تابع لمدينة الأعمال الاقتصادية لكل منطقة لتمويل الابتكارات المحلية الواعدة والمتميزة المعنية بتكنولوجيا المعلومات والحيوية المرتبطة بالموارد.

7. الدعوة لاحقا لمساهمة الدولة بواسطة صندوق الاستثمارات العامة باعتبار أن المشروع استراتيجي لضمان النجاح والرقابة ودعم التمويل والحوافز المتاحة.

أجزم أن لدينا من الموارد الطبيعية والبشرية والمالية في معظم مناطقنا، وكل لديها بعيرها الاقتصادي بميزته النسبية، لكنها تحتاج إلى مقومات رؤية ورسالة وقيم وفق خريطة ما ذكرت، والله خير موفق.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية