لعلها المرة الأولى التي تمر فيها العلاقات بين السعودية وروسيا الاتحادية بهذا المنعطف المهم الذي يأتي في ظل ظروف استثنائية سواء ما تمر به المنطقة أو روسيا، وذلك على المستويات السياسية والاقتصادية. تأتي هذه التطورات في العلاقات المتبادلة بين الطرفين كنتيجة للزيارة التي قام بها ولي ولي العهد بناءً على توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ـــ حفظه الله ـــ، واستجابة لدعوة الحكومة الروسية. هذه الزيارة وما نتج عنها تأتي لتؤكد أن المملكة بلد يحترم الآخر ويسعى إلى ما فيه المصالح المشتركة للأمم، وأن المملكة تحرص على بناء علاقات وثيقة مبدؤها التعاون وتبادل المعرفة والخبرات والاستثمار المشترك فيما يعزز من بناء الإنسان وتحضره. لهذا فمن الطبيعي أن توقع المملكة على هامش هذه الزيارة ست اتفاقيات مع روسيا واحدة عسكرية وخمس اتفاقيات اقتصادية واستثمارية.
ولعل أكثر هذه الاتفاقيات أهمية على مستوى المواطن هي تلك التي وقّعها وزير الإسكان المكلف مع وزارة البناء والإسكان والمرافق العامة في روسيا الاتحادية التي تهدف إلى إنشاء مشاريع مشتركة في مجال البناء وتصميم المباني باستعمال التقنيات الحديثة واستخدامها، وكذلك نشر التجارب الناجحة في تنفيذ سياسات الإسكان في البلدين وتنفيذ مشاريع تجريبية ومبتكرة وفي التدريب. وتأتي أهمية هذه الاتفاقية مع الجانب الروسي في أن وزارة البناء والإسكان الروسية سجلت رقما قياسيا في تشييد المساكن خلال عام 2014، حيث بلغت مساحة المساكن المشيدة 72.8 مليون متر مربع، إضافة إلى أنها تهدف خلال العام الحالي 2015 إلى تشييد وبناء مساكن لا يقل إجمالي مساحتها عن 76 مليون متر مربع. ثم تأتي اتفاقيات الطاقة التي تم التوقيع عليها مع الجانب الروسي في وقت يهم كلا الطرفين بلا أدنى شك، فروسيا تعد من أكبر المنتجين للنفط من خارج مجموعة "أوبك"، وفي ظل تراجع أسعار النفط نتيجة تقلبات واسعة تشهدها السوق مع ضبابية في قراءة اتجاهات السوق المستقبلية؛ نظرا لدخول منتجين جدد إلى السوق ومنتجات جديدة، فإن الاتفاقيات مع دولة بحجم روسيا تمهد الطريق نحو استقرار أكبر لهذه السوق. ولهذا وقّع وزير البترول والثروة المعدنية، مع وزير الطاقة الروسي برنامجا تنفيذيا لتنفيذ اتفاقية التعاون البترولي بين السعودية وروسيا الاتحادية، وهو البرنامج الذي سيعزز مستوى التعاون بين الدولتين بشكل ثنائي أو فيما يخص السوق البترولية الدولية، وفي مجال الطاقة نفسه وقّع رئيس مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة في المملكة، مع رئيس المؤسسة الحكومية للطاقة الذرية في روسيا، اتفاقية للتطوير المشترك في مجالات الطاقة، وخاصة أن روسيا تعد حاليا من الدول المصنّعة للمفاعلات النووية التجارية المستخدمة لإنتاج الطاقة الكهربائية، وهو ما تعمل المملكة على تطويره في السنوات المقبلة.
ولأن روسيا من الدول القليلة المشهود لها بريادة الفضاء وصناعته، فقد اهتمت حكومة خادم الحرمين الشريفين بتوسيع العمل في هذه الجانب من خلال توقيع مذكرة مع وكالة الفضاء الروسية تتضمن التعاون في مجال استكشاف الفضاء واستخدامه للأغراض السلمية من خلال فريق العمل المشترك بين البلدين، وذلك ضمن سعي المملكة للاستفادة من تقنيات الفضاء، خاصة في المشاريع التجارية والبحوث والتطوير والإنتاج والتصنيع. وتتويجا لكل هذه الاتفاقيات فقد كان لزاما أن يتم توقيع اتفاقية بين الهيئة العامة للاستثمار في المملكة والصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة من أجل برنامج عمل للتعاون المشترك حول الفرص الاستثمارية للمملكة في البلدين.
من المهم أن نحرص على أن تصل هذه الاتفاقيات مع دولة بحجم روسيا إلى المستوى المأمول منها، وأن تتحول جميعها إلى برامج تنفيذية في أرض الواقع، وعلى الأخص ما يتعلق بالإسكان وتطوير الطاقة البديلة، وكل ذلك من خلال تنفيذ برنامج ناجح من الاستثمارات المتبادلة بين الطرفين وتشجيع رجال الأعمال في الجانبين على تطوير هذه الاتفاقيات والاستفادة منها، ولهذا فإنه من المناسب أن تتبع هذه الزيارة زيارات لرجال الأعمال من أجل النظر في الاستثمارات والفرص المتاحة للجانبين في ظل هذه الاتفاقيات وما تسعى إليه حكومة خادم الحرمين الشريفين لتطوير البنية التحتية وتوفير فرص العمل، وفتح مجالات استثمارية وصناعية جديدة.
