المملكة ليست دولة زراعية، والمقصود بالدولة الزراعية هنا؛ الدولة التي تعتمد في صناعة ثروتها على الزراعة، والسبب في ذلك واضح وبسيط، لا يوجد لدينا ماء متوافر بكميات تفي بأغراض الزراعة التجارية، وأي استثمارات تنفقها المملكة في هذا المجال هي بلا جدوى اقتصادية، فلن نستطيع أن نصل إلى الاكتفاء الذاتي على أقل تقدير (وذلك بالتقنيات الحالية للزراعة)، لكن يجب ألا نخلط بين أهمية صناعة الغذاء وبين زراعة الغذاء، هذه هي المعادلة التي نحتاج إلى العمل لحلها، فالثروة التي نمتلكها وهي النفط تضيع على طول السلسلة الاقتصادية لصناعة الغذاء، بدءا من زراعته في العالم الذي يعيش فائضا في هذه المنتجات، حتى وصوله إلى رفوف المحال التجارية لدينا. لذلك وحفاظا على الثروة يجب أن نحل مشكلة الغذاء بطرق أكثر ابتكارا، وأن ندخل في سلسلة إنتاج القيمة، ونجد لنا موضع قدم، خاصة في تلك المراحل التي يحدث فيها تحول كبير في القيمة، فمثلا يزرع القمح في مناطق بعيدة من العالم، وبعد إنتاجه تبدأ سلسلة القيمة بالدخول لتضيف إلى سعره من خلال تخزينه الأولي، ثم نقله، حتى تحويله إلى دقيق، ثم تخزينه وبيعه قبل تحويله إلى منتجات غذائية. كل هذه المراحل وما فيها من تفاصيل هي التي نحتاج فيها إلى إعادة النظر واستثمارها، والعمل على تطوير مهاراتنا بشكل أكبر لإيجاد الثروة للوطن من جانب، وللدخول في السلسلة، وتخفيض القيمة المضافة عن طريق استبعاد أرباح الشركات الوسيطة، وهذا كله سيحسن من الأسعار لدينا.
نقول هذا بمناسبة قيام أمير مكة المكرمة، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بتدشين أكبر مشروع للمؤسسة العامة لصوامع الغلال ومطاحن الدقيق لإنتاج الدقيق في محافظة الجموم، وما قاله وزير الزراعة من أن الدولة رسمت سياسة تهدف إلى ثبات سعر الدقيق وتوافره للمستهلك. فبناء صوامع الدقيق الضخمة خطوة جيدة جدا على هذا الطريق الذي أشرنا إليه، لكن يجب أن تتطور مهاراتنا أكثر، وأن نطور من الخطط الاستراتيجية في مجال صناعة الغذاء، ولسنا هنا في حاجة إلى استزراع أرض الآخر، بل فقط علينا أن نتمكن من الدخول في سلسلة القيمة، وأن نعدل من المنتج حتى يصبح قابلا للاستهلاك، ونفوز نحن بأمرين معا، أولهما الاكتفاء الذاتي والأمان الغذائي، والآخر الاستثمار وإيجاد الثروة للوطن، فمثلا نحن ننتج النفط والمواد البتروكيماوية ليتم تصديرها كمواد خام للخارج، وتعود إلينا في شكل أجهزة ومواد استهلاكية ندفع عليها كل ما جنيناه من دخل نتيجة بيعها، هذه الحكاية على حقيقتها، ويجب علينا إعادة النظر في خططنا الصناعية وطرق إيجاد الثروة لدينا، وخاصة في مجال الغذاء، فالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية مهيأة الآن للقيام بمثل هذه الخطوات المهمة، فقط نريد خطة واضحة تقودها جهة ذات صلاحيات واسعة، ولا مانع من إنشاء شركات حكومية في هذا المجال، يمولها صندوق سيادي، حتى يثبت جدوى هذه المشاريع، ثم تحويلها إلى شركات مساهمة عامة.
