من يقرأ تقارير مجالس الإدارات في الشركات السعودية اليوم وفي هذه الساعة بشكل خاص، يجد تفاوتا واسعا فيما بينها، الجميع ــ تقريبا ــ يسهب بشكل غير منظم عن الماضي، عن الشركة وتأسيسها ومتى نشأت وأين تعمل وما صناعتها وقطاعاتها، وكم باعت قبل خمس سنوات وكم صرفت، والمناطق التي تعمل فيها والمنتجات، كلام طويل وشرح ممل يفتقر إلى التنسيق والترابط ويفتقر بسبب ذلك إلى القيمة، وبالتالي قدرته على دعم القرار، وإلى أهم خاصية من خواص المعلومات القيمة في عالم الشركات والاستثمار، وهي القابلية للمقارنة.
التقرير الحالي لمجلس الإدارة (يسمى التقرير المالي)، ذلك أنه يركز بشكل أساسي على حديث الإدارة عن تحليل الوضع المالي للشركة وعن نتائج أعمالها، ويقدم مقارنات داخلية عن الماضي، ثم يتبع ذلك تقريرا عن مراجع الحسابات وأربع قوائم مالية وإيضاحاتها. هناك معايير واضحة لتقرير مراجع الحسابات وكذلك للقوائم المالية، لكن ليس هناك معايير متفقا عليها لتقرير مجلس الإدارة. على رغم أن قرارات المستثمرين تعتمد بشكل أساسي على تقرير الإدارة، إلا أن هذا التقرير لم يزل فقيرا بالمعلومات عن الأركان الأساسية ويبقى مجرد تفسير ممل ومكرر بشكل بائس للمعلومات التي وردت في القوائم المالية، التي هي أيضا لم تعد تضيف الكثير للقرار نظرا لأنها تتحدث عن الماضي ورأس المال المالي فقط ولا أكثر.
حتى تصبح المعلومات التي تقدمها الشركات اليوم للمستثمرين ذات قيمة يجب أن تكون متاحة للجميع، وألا يكون هناك في الوقت نفسه تداول لمعلومات داخلية غير متاحة للبعض أو للسوق ككل، ويجب أن تكون هذه المعلومات مستقبلية الروح وملائمة للقرار، بمعنى أنها تتحدث عما سيحدث في المستقبل في ضوء أداء اليوم ومخاطره القائمة، وليس عن الماضي الذي انتهى ولم يعد له تأثير في أحد. وكمثال فإن تقرير مجلس الإدارة وحتى القوائم المالية التي يصادق عليها المراجع الخارجي تتحدث عن قيمة المخزون وعن النقدية في المصرف عن قيمة الاستثمارات، ومع ذلك فإن كل هذه الأرقام لم تعد صحيحة يوم يقرأها المستثمر إذا نشرت إليه بعد 90 يوما من نهاية السنة المالية، لقد تغيرت كل تلك المعلومات جذريا في بعض الأحيان، ومع ذلك فإننا وبإصرار ندعي أن هذه المعلومات ذات قيمة ومعنى. نحاول أن نستر هذا الخطأ الكارثي وتجسير الماضي والحاضر بتقارير فصلية لكنها لا تسلم من النقد ولا تخبرنا عن المستقبل، القضية أنه عندما نتخذ قرارا بشراء السهم أو ببيعه، فإننا نتخذ قرارا ببيع أو شراء المستقبل الذي لا نعرفه ولم تخبرنا عنه إدارة الشركة ولا من باع لنا السهم، فأي مغامرين نحن وأي أسواق مالية مجنونة هذه.
في مقال الأسبوع الماضي تحدثت عن النموذج العالمي الجديد والمعياري لتقرير مجلس الإدارة، الذي يسمى التقرير المتكامل IR وهي منظومة عالمية جديدة تهدف إلى بناء معايير لإعداد تقرير مجلس الإدارة. إنها خطوة متقدمة جدا في عالم الإفصاح والشفافية والحوكمة، خطوة ستغير الكثير في المستقبل ولا أشك في ذلك. ويجب علينا من الآن العمل على مواكبة العالم وتقبل الجديد والتغيير، إن العالم اليوم ليس عالما للمتأخرين والمتباطئين، عالم لم يعد الكبير فيه يأكل الصغير بل السريع هو الذي يسيطر. لقد مررنا بتجارب عديدة في التأخير عن قبول التغيير ومع ذلك تغير العالم من حولنا حتى أصبح لزاما علينا تقبل أن نصلح ما أفسده تراخينا (لم نعد نسميه التغيير)، ومن أجله ننفق الكثير مما كان يمكن تجنبه.
التقرير المتكامل خطوة صحيحة في طريق طويل لم يزل أمامنا في عالم سيتغير حتما، لقد وضعتنا مؤسسة التقرير المتكامل (أو مجلس التقرير المتكامل) في مواجهة هذا التغيير، فتقرير مجلس الإدارة ــ لأول مرة ــ سيخضع للمعايير. هذه المعايير لن تكون وفق نموذج المعايير المستندة إلى القواعد الحاكمة Rule based standards ولكن على نموذج المعايير المستندة إلى المبادئ المقبولةprinciples based standards. وإذا سألتني لماذا يجب أن تكون هناك معايير، فإنه يمكن القول ببساطة إن مجلس التقرير المتكامل يسعى إلى أن تصبح معلومات تقرير مجلس الإدارة متاحة للجميع، ومناسبة للقرار وأن تكون قابلة للمقارنة. فلا يمكن أن نستمر في قراءة تقارير للشركات لا يمكن مقارنتها ببعضها بعضا سواء على مستوى القطاع أو السوق ككل. كيف يمكن أن نتخذ قرارات إذا لم تكن هذه المعلومات مناسبة للقرار ويمكن مقارنتها بين كل الشركات التي ننوي الاستثمار فيها.
لقد أصابني الحزن عندما قرأت لائحة حوكمة الشركات العائلية التي تنوي وزارة التجارة اعتمادها، نحن تأخرنا جدا ومع ذلك نحن غير جادين في قبول التغيير، نحن نجامل رجال الأعمال كثيرا والوقت لن يسعف الجميع، لقد انتقل العالم من مجرد مبادئ عامة للحوكمة إلى ملزمة معقدة، إلى تقرير متكامل، ونحن لا نزال نغازل التجار بلوائح هشة جدا. سيكون لي وقفة مع وزارة التجارة في هذا الموضوع لكن لأن الشيء بالشيء يذكر، فإن التغيير قادم لا مفر منه، لن يفيدنا التراخي كثيرا، التقرير المتكامل طريق نحو المستقبل، بل أتوقع أن بعد هذه الخطوة خطوات من التقييم والمراجعة المستقلة له، هناك دول في العالم بدأت تتجمع حول هذا المشروع ومنها، إضافة إلى منطقة اليورو، دول مثل جنوب إفريقيا. لن نستطيع اللحاق بالركب إذا لم نتقدم بخطوة إيجابية صحيحة في الوقت الصحيح، ويجب ألا نكرر أخطاء معايير المحاسبة والمراجعة وأخطاء وزارة المالية في قبول تغييرات هيكلية في الحسابات والميزانية، وإلا سيكون الثمن مضاعفا بلا شك.