يعتمد الإعلام الحديث على التشويق والإثارة واستغلال الخلافات لتحفيز المشاهد لمتابعة ما سيأتي. لم يعد المشاهد محاصرا في قناة أو قناتين أو عشر أو 20 قناة. لقد تحول الفضاء إلى عدد لا يمكن إحصاؤه من القنوات، وانطلقت الإذاعات وأصبح الناس في حيرة لا يعلمون ماذا يتابعون.
تبدأ قضية الدعاية والإعلان في توجيه المشاهد نحو متابعة برامج معينة، يأتي تبعا لذلك استخدام أكثر وسائل الجذب التي تناسب الفئة التي تستهدفها البرامج. هنا يبدأ المعلنون في حجز مساحات في البرامج التي يتوقعون أن تحقق نسب مشاهدة عالية.
للتحقق من كفاءة عمليات الإعلان والدعاية للبرامج والقنوات، تتخصص وكالات في حساب نسب المشاهدة لكل قناة وكل برنامج. تكتمل هنا دائرة تكبيل المشاهد أمام الشاشة متابعا قناة محددة وبرنامجا بعينه. هذا ببساطة ما يحدث اليوم من توجيه للمشاهد، الأردأ من ذلك أن كل العمليات التي تحدثنا عنها ليست لبرامج توعوية أو علمية أو حتى مفيدة.
أصبح الحكم على البرامج يعتمد على ما تكشفه من الأجساد، وما تغطيه من العقول. تلكم هي البرامج التي تحظى بنسب المشاهدة العالية، وتستأثر بالدعاية وتجذب المعلنين، ليتحول المشاهد بعيدا عن القيم والمبادئ التي يفترض أن تسهم في غرسها قنوات الإعلام الرصينة.
عندما عدت للمنزل كان برنامج الثامنة قد انتهى، ولم أكن حريصا على متابعة الحلقة رغم كم الإعلانات الكبير الذي روج لهذه الحلقة قبل موعدها بأيام. كان واضحا من تلك الإعلانات أن البرنامج سيعود لاختيار “شاذي التفكير”.
التصرف مبني على ما سبق أن حققه البرنامج من جدل ونقاش خلال وبعد حلقاته التي أذاعها قبل نحو عامين. الأكيد أن أغلب المثقفين والمتخصصين في الشريعة لم يؤيدوا ما فعله البرنامج من استضافة أشخاص بعينهم كانوا يتكلمون بطريقة غير مفهومة وغير مقبولة. فلماذا عاد البرنامج لتلك الجدلية؟
أزعم أن الإعلام اليوم يستمتع بطرق الجدلي ويتميز بمخالفة الشائع والمتعارف عليه حتى وإن كان صحيحا. هذا يولد ــ عادة ــ عددا أكبر من المشاهدات، وذلك بيت القصيد.
تحليلي الوحيد لهذه العودة التي أثارت الجدل والخلاف، هو بحث البرنامج عن مزيد من المشاهدات بعد أن تحول متابعوه ــ في السابق ــ إلى برامج أخرى تذاع في الوقت نفسه.
