الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 13 أبريل 2026 | 25 شَوَّال 1447
Logo

خفيف مثل طائر لا مثل ريشة

عبدالسلام بنعبدالعالي
عبدالسلام بنعبدالعالي
الثلاثاء 19 مايو 2015 23:59
خفيف مثل طائر لا مثل ريشة

"أن تكون خفيفا مثل الطائر، لا مثل الريشة"

(بول فاليري)

دأب التقليد على المقابلة بين الخفة وبين المادية. الخفة عنده لامادية. هناك من جهة المادة الثقيلة الوازنة، ومن جهة أخرى هناك الخفة. حينما كان المهندسون المعماريون يريدون لبناياتهم أن تبدو خفيفة "كأنها لا تنجذب نحو الأرض"، ولا تخضع لقوة الثقل التي تجرها "من الأعلى نحو الأسفل"، كانوا يستعيضون عن الطين والأحجار بما يبدو من المواد أقل وزنا وأكثر شفافية، إيمانا منهم أن الخفة تتنافى مع المادية. وفي هذا السياق تحدث بول شيربارت في "هندسة من زجاج" عن استعمال الزجاج "كي ننزع عن الهندسة المعمارية كل مادية".

ضد هذه الخفة البصرية والهندسية يحاول نيتشه تفكيك الثنائي ثقيل/خفيف، كي يبين أن بإمكاننا أن نتحدث عن مادية خفيفة، وعن شفافية وازنة. بإمكاننا أن نتحرر من ثقل التقليد من غير أن نعلو إلى فوق. بإمكاننا أن نطأ الأرض من غير أن "نرزح تحت الأثقال". وحينما حاول نيتشه أن يعلمنا، على لسان زارادوشترا أن ندعو الأرض: "الخفيفة"، "عديمة الوزن"، فإنه لم يكن يقصد غير هذا.

فهذه "الخفيفة" ليست هي الأرض التي تتجذر فيها "أشجارنا"، وتتأصل هوياتنا، إنها أرض "نزعت عنها أرضيتها"، إنها الفضاء الذي لا نكف فيه عن الحركة والرقص والتحليق. لا عجب أن ينادي زارا :"كل شيء عليه أن يصبح خفيفا، وكل جسم راقصا، وكل فكر طائرا". واضح أن ما يقصده نيتشه من هذا النداء هو انتقاد المفهوم الذي يقرن الخفة باللامادية ليعيب عليه فهمه السّكوني للخفة. إذ أن هذه "الخفة" لا تقوى على حراك، إنها لا تطفو ولا تطير، وحتى إن كانت من أقل المواد وزنا، فهي ربما لا تعمل سوى أن تسجن نفسها في قفص من زجاج.

ذلك أن الخفة لا تُستمد من المادة التي تتكون منها، وإنما من قدرتها على تخطي الحدود. بيد أن هذا التخطي لا يعني انفصالا نهائيا عن الأرض، وفقدانا تاما لكل وزن. إذ لا خفة من غير ثقل. وعيب الانفصال هو أن يغدو مرغوبا لذاته. كتب نيتشه: "علينا ألا ننشدَّ انشدادا إلى انفصالنا، أي إلى ذلك الحنين إلى البعيد الذي هو حنين الطائر الذي لا ينفك يحلق عاليا كي يرى الفضاء يتسع تحت جناحيه - ذاك هو الخطر الذي يهدد الطائر".

لا يتعلق الأمر إذن بتطهير الخفة من كل مادية، ولا بتخليصها التام من كل ثقل، وإنما بتغيير مفهومنا عن المكان، وتخلّصنا من مفهوم يحدد الثقل في علاقتها بنظرة عمودية "تنزل من الأعلى نحو الأسفل". يتعلق الأمر إذن بالتحرر من كل انشداد إلى المكان، وكل ارتباط بمرجعيات قارة. لكنه يتعلق كذلك بعدم الهروب خارجا والتحليق بعيدا. ولن يعود التحرر في هذه الحال هروبا من المادية نحو اللامادة، وإنما تحريرا للفضاء الأفقي، وإثراء للاتجاهات وتنويعا للمراكز. آنئذ تغدو الخفة قدرة على الترحال وعلى تنويع المنظورات وتغيير الوجهات.

*كاتب مغربي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية