صدرت رواية 1984 في عام 1949، وهي ترصد المستقبل مبتدئا- بالأرجح، دون يقين السارد - في تمام الساعة الثالثة عشرة (13.00) نهار يوم بارد؛ 4 نيسان (أبريل) 1984، في مدينة لندن في الدولة العظمى (أوسيانيا). من خلال حياة "وينستن سميث" الذي يعمل موظفا في "وزارة الحقيقة".
الرواية ثورية وصادمة، بواقعيتها الفجة، حتى إنها لتكاد تتنفس من حالنا "المعاش"، فحق لها تصنيفها من "أدب الحرية". وعلى التوازي فإنها تنسب إلى، "أدب المدينة الفاسدة- ديستوبيا". اختارتها مجلة "التايم" الرواية كواحدة من أفضل 100 رواية مكتوبة بالإنجليزية منذ عام 1923 وحتى الآن، وتم ترجمتها إلى 62 لغة. في عام 2003، احتلت المركز الثامن ’The Big Read‘ في استبانة BBC. وكانت ممنوعة في بعض الدول، فقد اعتبرت خطرة سياسيا. تتميز بصهرها الدرامي للسياسة في منظومة روائية خيالية، بحياكة لغوية فنية، وهذا ما أهلها لتكون ضمن مقررات المواد الأدبية، في المراحل الثانوية في المدارس الغربية.
الرواية بنسختين؛ أصلية (الإنجليزية) وأخرى مترجمة (العربية). الأصلية، تتميز بعمق الطرح العلمي الأيديولوجي مع ثراء منمق في اللغة القديمة، أما العربية، فتنفرد بقالب كلي انسيابي يجمع بين سلاسة نسق العرض للفكرة وجزالة أناقة الأسلوب. حقا، إن الكفر بالاختلاف ومصادرة الحرية، لطالما بزغا من صراع البشر لبعضهم من نافذة تعصبهم الأيديولوجي وتناقضاتهم وتبايناتهم، ليختزلا دوما في آخر المطاف، في تهميش قيم الإنسانية والطبيعة البشرية في ميدان "السياسة". رمزية سطور الرواية تحفز تساؤلات عن ماهية "الأخ الأكبر"، بأسلوب تنبؤي يستشف حكم البروليتاريا الشمولي، في حالته المثالية. فهو الذي يمسك بمقود التحكم في الحكومة.
تدور الرواية في عالم يرجح أنه في حقبة تقارب عقدين من الزمان بعد الحرب العالمية الثانية والقنبلة النووية (1945 - 1965)، ويتمحور حول ثلاث دول عظمى - متغيرة التحالفات حسب المصالح - متناحرة بشكل خفي أو معلن؛ بهدف السيطرة على بقية العالم، الدول غير المغلوبة. الدول العظمى هي - من الأعلى أقدمية - أوروسيا، ثم أوسيانيا، تليهما متأخرة بعقد كامل إيستاسيا. أوسيانيا؛ أمريكا، بريطانيا، وأوستراليا، مهبط الطائرات رقم (1)، قامت بعد انقلاب الحزب عقب أن عانت حربا أهلية .. وبالتزامن، يقوم الاتحاد السوفياتي بغزو أوروبا ويقيم دولة، أوروسيا؛ أوروبا والاتحاد السوفيتي. أما إيستاسيا؛ اليابان، كوريا، الصين، وشمال الهند، فهي نتيجة دمج شرق وجنوب شرق آسيا.
في هذه الدول، تتشابه ظروف الحياة وتتشابه الفلسفة السائدة عمليا في ترسيخ اللاحرية أو اللامساواة - تتمايز نظريا، فقط - وتقع تحت مسميات مختلفة ويحرم على كل دولة معرفة الفلسفتين الأخريين؛ أوقيانيا (الاشتراكية الإنجليزية)، أوراسيا (البلشفية الجديدة)، أيستاسيا ( ذات أصل صيني). تقوم الدولة في أوروسيا بشكل رئيس على أربع وزارات؛
1 - وزارة السلام، تختص بالأمور الحربية والدفاعية.
2 - وزارة الوفرة، تختص بالأمور الاقتصادية (التوزيع والتجويع).
3 - وزارة الحب، تختص بالأمور القانونية وحفظ النظام (التعذيب وغسل الأدمغة).
4 - وزارة الحقيقة، تختص بالأمور الإعلامية (أنباء وترويج)، التعليم والثقافة، الفنون والرياضة.
الحُكم يدعي تحسن الوضع المعيشي للفرد عن مثيله في ظل عبودية الرأسمالية، ويحمله للعيش رغما عنه في مستنقع من الشر ودهاليز أبالسة السياسة ليتشبع بالفكر الأسود "2 دقيقة كراهية".. فيخرج من آلة الشر وآلة الرصد (دقات القلب) والممارسات اليومية، وقد اجتث كل مشاعر التفرد والطيبة والضعف الإنساني الجسدي والفكري والطموحات وصفات الإنسانية، ليكون رقما جديدا ومواطنا صالحا قويا مؤهلا متشبعا بشكل لاإرادي (بدون مشاعر، عواطف، تفكير)، بالظلم والوحشية (استمتاع الأطفال بحفلة الشنق، تبرع لأسبوع الكراهية) وبالفساد والتنكيل بأقرب الناس .. كل ذلك يتم عبر، استراتيجية التسلل إلى أفكار الناس، ومراقبتها وقهرها وقمعها والوشاية بأصحابها، ومصادرة الحريات بأطيافها كافة.
###قمع ممنهج
الحزب، ولدوام حكمه، يستخدم كادرا كبيرا مطبقا أقصى أساليب القمع والتنكيل وسلب الفرد إنسانيته، بنوعيهما؛ الفكري النفسي، والجسدي النفسي.
1 - الفكري النفسي
الذاكرة: تقويضها بكل ما يلزم هذا السلاح من إعادة صياغة أو تزوير لأحداث لتاريخ والحقائق العلمية والمنطق الإنساني إذ (2+2 لا يساوي 4 بالضرورة) وما يستتبعه من هدم العلاقات الإنسانية والأسرية تحت سقف الخوف والشك والتجسس على مدار الساعة (شرطة وجرائم الفكر والوجه)، و"قبور الذاكرة"، حرق الكتب وتغيير البيانات الموثقة وطمس اللغة للتضييق على الإدراك الذهني، حتى طي النسيان .. انتهاء بنسف الوعي (الولاء) والمفاهيم والتراث، وحتى الوصول إلى، التفكير الازدواجي، ليصبح آلة من صنع الحزب. التنكيل الوحشي بكل من يجرؤ على مجرد التمرد الفكري على مبادئ الحزب وحتى قبل الانضمام إلى أي منافس؛ قراءة "الكتاب"- إيمانويل جولدشتاين- مؤسس المجموعة السرية المعادية.
الدعارة: تشجيعها بشكل غير معلن، وتحريم اللذات (حزام سكارليت) بإنجاب الأطفال بطريقة اصطناعية (أرتسيم). فالمطلوب للعامة، أن يعملوا ويتكاثروا (زنزانات وزارة الحب).
حياة خاصة: وقت الفرد لنفسه، غير مفترض. التفكير الصالح، واجبنا إزاء الحزب.
ساعات للعمل: قبل فعاليات الكراهية 19 ساعة يوميا، مثل كل الوزارة. 60 ساعة عمل أسبوعيا (وينستون، وجوليا أكثر).
###ملحوظات
- على الرغم من بلوغ القمع للطبيعة البشرية منتهاه، بازدراد الحياة؛ جوليا قالت كلمة: "أحبك".
- تأكيد السلطة على الإنسان عن طريق الألم؛ بتحطيم العقل والجسم. وبتأسيس الدولة على الخوف والكراهية وإذلال النفس. فالعقل، ينبغي أن يكون بقعة عمياء "إيقاف الجريمة"، وإلا يمكن اللجوء إلى انقراض الإنسان.
- ينتهي الأمر بالوصول إلى النقطة الحرجة الخاصة بك كذات البشرية؛ سلب الإرادة بالقهر والاستسلام والإذعان، "لا تفعلوا ذلك بي، افعلوه بجوليا".
2 - الجسدي النفسي
غرفة #101، غرفة تعذيب نهائية في مركز التأهيل بوزارة الحب. التعذيب (الشلل) والسجن والنفي والإعدام مع التشهير والتصفية، أو الإخفاء ليكون الحكم أكثر إيلاما للمحكومين قاطبة.
شعارات الحزب الثلاثة:"الأخ الكبير يراقبك". "الجهل هو القّوة. الحرية هي العبودية .. الحرب هي السلام". "من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي".
#2#
تعطيل ومصادرة العقل بقرار الفرد الإرادي، بنفسه هو "أن تعرف ولا تعرف، أن تعي الحقيقة كاملة ومع ذلك لا تفتأ تقص الأكاذيب محكمة البناء. أن تؤمن برأيين متناقضين وأنت تعرف أنّهما لا يجتمعان، ومع ذلك تصدق بهما، أن تجهض المنطق بالمنطق، أن ترفض الالتزام بالأخلاق فيما أنت واحدٌ من الداعين إليها". كتاب الكذب المتقن، أعاد الطمأنينة المفقودة.
###صراع طبقي
السؤال؛ لماذا تجميد التاريخ في لحظة معينة في الزمن؟ يرجع ظهور النظريات؛ إلى تطور المعرفة ونمو الحس التاريخي إلى ما بعد القرن الـ 19 ... فقد كانت أنظمة الطغيان في الماضي أقل كفاءة؛ حيث كانت تفتقر إلى الفتك بالخصوم، وغيرمبالية بما يدور في خواطر رعاياها ... التاريخ يسجل أن الارستقراطيات الوراثية قصيرة العمر مقارنة بنظيرتها الرعوية (الكنيسة).
الحكم؛ يعتمد على تصنيف المجتمع بشكل نخبوي. 1- الدائرة الداخلية؛ النخبة: تتحكم في الأغلبية (2 في المائة).
2 - الدائرة الخارجية؛ الطبقة الوسطى: "وينستن سميث" (13 في المائة)، 3 - البرولز؛ الطبقة العمالية غير المتعلمة - البروليتاريا (85 في المائة).
أهداف للحزب؛ الهيمنة على العالم كله بغزوه. والقضاء قضاء مبرما على كل إمكانية للتفكير في المستقبل. وهذا يتطلب مسألتين مهمتين؛ كيف يمكنه اكتشاف ما يدور في خلد الفرد - قصرا، وكيف يمكنه إبادة ملايين البشر في لحظ البصر دونما أي إنذار.
المؤهلات المطلوبة؛ الدائرة الداخلية، يتعين أن يؤمنوا تماما بأن الحرب حقيقية، وبأن أوقيانيا ستكون سيدة العالم أجمع وبلا منازع. أما عضو الحزب يجب أن يتمتع بكل من الرأي السليم والغرائز السليمة، ودون عواطف خاصة. وأن يكون متعصبا عن جهل لعقيدته؛ عقلية تتلاءم مع حالة الحرب حتى لو لم تكن هناك حرب فعلا .. فالمهم، ليس الحالة المعنوية للجماهير المهمشة طالما أنها تعمل بلا انقطاع، لكن الحالة المعنوية للحزب نفسه. من أسرار الحكم؛ جمع المرء بين إيمانه بأنه لا يخطئ وقدرته على التعلم من أخطاء الماضي .. والحكام يحكمون أبدا؛ إلا حين يفقدون إما إيمانهم بأنفسهم وإما قدرتهم على الحكم بكفاءة، أو الاثنين معا.
الطبقة الوسطى؛ تستميل الطبقة الدنيا، التي بمجرد وصولها إلى هدفها، السلطة .. فإن الأخيرة تزج بالأولى مرة أخرى في وضعها القديم، الاسترقاق .. ليبدأ الصراع من جديد. البشرية؛ لديها خياران لا ثالث لهما؛ الحرية أو السعادة. الحزب، هو الوصي الأبدي على المستضعفين، وهو يعمل - ليس من أجل مآربه الخاصة - بل من أجل مصلحة الأغلبية. الحقيقة؛ السلطة المطلقة الجماعية، هي الغاية.
###ومضات فكرية
الناس كالنملة التي يمكنها رؤية الأشياء الصغيرة، وتتعامى عن الأشياء الكبيرة. الفزع يسبق الموت يمكن تأخيره ولا يمكن تلافيه، مثل الرقم 99 يسبق 100. العامة بقوا بشرا ولم تتحجر أفئدتهم. بوسعهم أن يكرهوك على قول أي شيء يريدونه؛ ولكن لا يستطيعون إكراهك على أن تؤمن بما تقول. فليس لهم سلطة ينفذون بها إلى كيانك. إن كان هدفك أن تظل إنسانا، وليس فقط أن تبقى على قيد الحياة. الحرب لم تعد تحسم أي صراع، بسبب توازن القوى. الزيادة الهائلة في الثروة أصبح من المستحيل عدم توزيعها، وهذا يهدد بتقويض المجتمع الطبقي. الحل: الحرب لتدمير الموارد، فقر، جهل، قلة الوعي، إجهاد العقل وهستيريا العدو. فالخطر، يجعل المرء العادي يرى أن تسليم أمره لحفنة قليلة من الناس، أمر طبيعي. القيادات، يجب أن تميز مصداقية الخبر في الحرب، وهذا ليس خطرا مع الفكر الازدواجي.
###نقاط واقتباسات
1 - الحزب لا يسمح البتة لأحد بأن يخرج من التعذيب شهيدا؛ فمحاكم التفتيش فشلت فشلا سريعا.
2 - أكثر ممارسي ازدواجية التفكير دهاء، هم أولئك الذين ابتدعوه ويدركون أنه منظومة فعالة للخداع العقلي.
* لا يمكن الاحتفاظ بالسلطة إلى الأبد إلا عبر التوفيق بين المتناقضـــات. * السلطة ليســــت وسيلة بل غاية، فالمرء لا يقيم حكما استبداديا لحماية الثورة، وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادي. * كلما ازداد الحزب قوة ومنعة قلت درجة تسامحه، وكلما ضعف معارضو السلطة اشتدت قبضة الاستبداد والطغيان. * من المستحيل أن تؤسس حضارة على الخوف والكراهية والقسوة، فمثل هذه الحضارة إن وجدت لا يمكن أن تبقى. * إذ لم يكن من المرغوب فيه أن يكون لدى عامة الشعب وعي سياسي قوي، فكل ما هو مطلوب منهم وطنية بدائية يمكن اللجوء إليها حينما يستلزم الأمر.
###استدلالات وتساؤلات
يتوارى الأسودُ منسحبا مذلولا أمام ديجور الرواية، خجلا من ضآلته .. فنسف الحضارة يتم بحذلقة الدهاة عبر "الوعي الجمعي". 1984 - جورج أورويل، نبوءةٌ عبقريةٌ تنفستنا، عاشتنا، قرأتنا، كتبتنا وصاغتنا.
ببدائية العقل الأول؛ هل مربط الفرس هو الحزب الحاكم أم هل هو فكر القطيع بموروثاته كافة؟ وبتطور مستحث، هل هو طموح الإنسان للتمايز؟ .. أو أخيرا وبالتسامي الفلسفي، هل السبب أن شهوة السلطة تتربع على رأس هرم الشهوات، فتظل – حصرا - هي المحرك الأزلي للبشرية؟ هل قانون الطبيعة؛ يحكم على ضمير الفرد – دائما - بالهزيمة؟


