لم يتبق أمام محمد الخالد وهو متقاعد حكومي، من ذكريات الماضي الآسر الماثلة أمام عينيه سوى بناء صغير في فناء منزله، حوّله بدافع الحنين والاشتياق لمراحل الصبا إلى منزل طيني، ليكون نافذة يطل منها على وجوه توارى أصحابها تحت الطين، على الرغم من رسوخ أحاديثهم ومواقفهم في ذاكرة غاب عنها عديد من الأحداث والكثير من الناس على الرغم من حداثتها.
الخالد الذي غادر مقعده الوظيفي لتقدم سنّه لجأ لذلك الملحق الطيني الذي أنشأه في باحة بيته الجديد ليقلب دفاتر تاريخ مضى ازدان بالوصل، وغلفته البساطة وغاب عنه التصنع.
وعمد على إنشاء هذا البناء الطيني رغبة منه في الحفاظ على التراث وتعريف أفراد أسرته وزواره بحكايات الماضي الجميل وبعض أشيائه التي زيّن بها المكان كدلال القهوة والمحماسة والنجر وغيرها- وفق ما يقول-.
العامل ناصر الذي قدم من الهند تخصص في هذا المجال، بعدما لاحظ إقبال أصحاب البيوت الحديثة على وضعها في مجالسهم، يقول إن السعوديين "يقدسون تاريخهم ويعتزون بتراثهم"، وهو ما فتح له باب رزق واسعا بعد تعلمه فنون البناء الطيني منذ عقدين تقريبا.
#2#
يستخدم ناصر لتكسية الجدران التي قد يستخدم فيها مادة "الجبس" أو مواد أخرى أكثر رخصا. كل ذلك وفقا لما يريده العميل، أو بالأحرى ما يريده جيبه. يضيف ناصر "نستخدم أحيانا جذوع الأثل وجريد النخل لتغطية خرسانة السقف من الداخل، حيث نجلب المواد من المحافظات القريبة من الرياض، ونقدمها للزبائن بما لا يقل عن 700 ريال للمتر المربع، وقد يتضاعف هذا الرقم حسب الإضافات المطلوبة".
عبدالرزاق الشمري معلم في مدرسة حكومية يرى أن الملاحق الطينية باتت مكانا مفضلا لأفراد الأسرة، لاسيما خلال فصل الشتاء، حيث تشب النار في "الوجار" بواسطة الحطب، ويتحلق أفراد العائلة حوله، حتى في الزيارات والمناسبات النسائية يظل هذا المكان هو المفضل لاستقبالهن شتاءا لكسر الروتين والخروج من المألوف.
فيما يعد زميله فهد الدوخي إنشاء الملاحق الطينية أمرا سهلا لتواضع تكاليفه نوعا ما، لكن المكلف فيه أن المبالغ تتضاعف إذا رغب العميل في إضافة إكسسوارات قديمة، قد تتجاوز قيمتها أحيانا آلاف الريالات، وتؤمن في الغالب عبر مزادات القطع الأثرية، أو ممن يسافرون إلى بعض قرى وهجر المملكة للحصول عليها.
يتابع الدوخي، "لك أن تتخيل أن سعر دلة قهوة "رسلان" يتجاوز الـ 4000 ريال، حيث إن الكمار قديما يضم صفا من الدلال العتيقة، لا تقل في الغالب عن خمس دلال، ناهيك عن أسعار الأباريق والقِرب والأبواب والشبابيك الخشبية وغيرها".
أما يوسف المحيسن وهو موظف في القطاع الخاص، يقول إن الآباء والأجداد كانوا يطلقون فاكهة الشتاء على "شبة النار" لذلك أجبره عشقه لـ "الشبة" على بناء ملحق طيني يستضيف فيه أصحابه كل مساء، كما يعترف يوسف أن هذا الملحق جعله يقدم طبقا شعبيا يتشارك وأصحابه في طبخه كل ليلة، ما جعل أبناءه محترفين في طبخ الأطباق الشعبية لاسيما خلال رحلات البر والكشتات.
مع كل الديكورات ومحاولات الربط الطينية العتيقة، يعود هنا محمد الخالد ويؤكد أن جلب أدوات الماضي إلى عصرنا الحاضر لن يعيد روحه الأصيلة، وأنفاسه الجميلة، وبراءته. يطلق ابتسامة عمرها يتجاوز خمسة عقود من الزمن، ويقول "لا يكفي أن تبني بالطين وتسكنه لتعيش حياة المجتمع النجدي في ذلك الوقت وتشعر بقيمته، لكنها محاولة ليست إلا".


