كان من المفترض أن تكون لحظة من السعادة بعد نجاح العام الأول. لكن مع وقوف المُنظّم المالي البريطاني، مارتن ويتلي، أمام مئات الموظفين في غرفة في ميدان أو تو O2 في لندن في نيسان (أبريل)، خرجت عناوين الصحف بشأن سلطة السلوك المالي، التي يرأسها بأقصى قدر من الانتقادات.
عقدت سلطة السلوك المالي مؤتمرا صحافيا اتسم باللهوجة حول تحقيق وشيك في مجال التأمين، وهو ما أثار تشنجات في البورصة، وأدى إلى توبيخ شديد القسوة من وزير المالية، جورج أوزبورن. اعترف ويتلي بنوع من اللهجة المخففة، بأن هذه لم تكُن أروع ساعة بالنسبة لسلطة السلوك المالي. وحض الموظفين على تقبّل الهزيمة والمضي قُدماً.
بعد سبعة أشهر على كارثة التأمين التي لا تزال سحابة داكنة تحيط بآفاق سلطة السلوك المالي ـ هناك تقرير من المحامين لدى شركة كليفورد تشانس يتوقع صدوره قبل عيد الميلاد. لكن الرئيس التنفيذي الفظ للوكالة يبذل قصارى جهده لتوليد عناوين صحف من نوع آخر.
ففي الأسبوع الماضي أشرف ويتلي (55 عاما) بصورة علنية على طقوس موت شريحة كبيرة من صغار المقرضين في المملكة المتحدة، بتحديده سقفا لأسعار الفائدة على القروض في صناعة ملعونة على نطاق واسع. وبعد يومين ساعد على ترؤس واحدة من أكبر التسويات التنظيمية المنسقة على الإطلاق، مع قيام المنظمين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وسويسرا بفرض غرامات بقيمة 4.3 مليار دولار على ستة بنوك بسبب دورها في فضيحة العملات الأجنبية.
النشاط المكثّف دليل على عزم المُنظّم العنيد الذي تتضارب الآراء حوله في وستمنستر، والذي صنع لنفسه أعداء في الحي المالي. تعهد ويتلي المبكر "بإطلاق النار أولاً وطرح الأسئلة فيما بعد" عند حظر المنتجات قد عاد ليقض مضجعه – مثلما تفعل شهيته للدعاية.
لكن ويتلي يجادل بأن "الدردشات الجانبية" مع الشركات الفاسدة لا تنفع. ويقول إن الإشهار العلني والفضيحة وسيلة ضرورية لإيصال الرسالة - كذلك غرامات سلطة السلوك المالي ذات الأرقام القياسية.
ويقول إن الممارسات غير الأخلاقية التي تم كشفها في القطاع المالي تضر بلندن "والأمر الجيد أننا عاكفون على تنظيفها".
ديفيد رايت، الأمين العام للمنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية، وهي هيئة عالمية من منظمي الأوراق المالية، يقول عن ويتلي "إنه يقوم برفع الحجارة وينظر تحتها. الكثير من هذه الأمور لم يتم النظر فيها بشكل صحيح من قبل".
ويتلي، ابن السبّاك المولود في إسيكس، الذي أصبح يعمل في الحسابات، بدأ يرتاد دوكلاندز في لندن قبل أن تصبح واحدة من المقاطعات المالية الرئيسية في العالم بفترة طويلة، فضلاً عن كونها موطن المقر الرئيسي لسلطة السلوك المالي.
في الستينيات، كان والده يعمل في سلطة ميناء لندن، وكان ويتلي في صباح أيام السبت يرافقه إلى دوكلاندز، حيث كان يختلط مع عمّال السفن ويتم إخراجه على قاطرات.
ودرس ويتلي، الصبي الهادئ الأكاديمي مع رغبة في الفلسفة، اللغة الإنجليزية والفلسفة في جامعة يورك، قبل التدّرب محاسبا. وأمضى 18 عاماً في بورصة لندن، حيث وصل إلى منصب نائب الرئيس التنفيذي قبل أن يتم تسريحه من العمل بسبب زيادة عدد الموظفين عام 2004.
بعدها أخذ عطلة لمدة عام لصقل هوايته في صنع الأثاث، قبل الانتقال إلى لجنة هونج كونج للأوراق المالية والعقود الآجلة. ويتذكر أن عامل الجذب الأولي لم يكُن بالتحديد أن يصبح مُنظّما، ولكن منح عائلته فرصة العيش في بلد مختلف ـ لديه أربعة أبناء من زوجته التي التقاها عندما كان يحاول بيع شقته في منطقة نيو كروس في لندن في الثمانينيات.
تجربته في هونج كونج تركت فيه ندوبا كثيرة. فقد تم استهدافه من قِبل محتجين كانوا قد خسروا أموالاً في المنتجات المُهيكلة بشكل معقد، المرتبطة ببنك ليمان براذرز المنهار. زرع المدّخرون أنفسهم خارج مكتبه في هونج كونج ـ ما أغضب تجار تجزئة للسلع الفاخرة كانوا يشاركونه البناية ـ وهم يحملون لافتات مكتوب عليها عبارات مثل "موت العدالة" و"اذهب إلى وطنك"، وعرضوا جنازة دمية على هيئته.
ولتسوية الأمر، قام ويتلي بالتوسط في حل أعاد معظم أموال المدّخرين، وهو الآن ينظر إلى الواقعة بمثابة نقطة تحوّل شخصية. ويقول: "هناك شيء سار بشكل خاطئ، وعلى نحو جوهري، في القطاع المالي. لقد فتح ذلك بصيرتي حقا".
ويتذكر أحد الأشخاص الذين يعرفونه قائلاً "لقد تعرّض (ويتلي) لانتقادات فظيعة. ذلك منحه القليل من القوة. فهو يرى دوره في تحقيق فرص متساوية بين صناعة قوية ومستهلك ضعيف".
هذا النهج الذي يُركّز على المستهلك اعتُبِر بمثابة تأهيل مثالي عندما تم توظيف ويتلي عام 2011 في المنظمة التي سبقت سلطة السلوك المالي، وهي سلطة الخدمات المالية. وكانت سلطة الخدمات المالية قد أصبحت تجسيداً لتنظيم "ذي لمسة خفيفة"، وكان السياسيون يحتاجون إلى هيئة جديدة قاسية.
عند بداية العمل حصل على "بطاقات" تتطلب حذقا ومهارة. حينها قام الائتلاف الحاكم بقلب التنظيم رأساً على عقب، بتفكيك سلطة الخدمات المالية وإحالة بعض وظائفها إلى بنك إنجلترا، في الوقت الذي كان فيه ويتلي يتصارع مع خسارة كبار الموظفين والمسؤوليات المتضخمة. يقول أندرو تايري، رئيس اللجنة المختارة في وزارة المالية "إنه يحاول الآن تغيير الثقافة وتعزيز معنويات المؤسسة التي جزء منها يعتبر خليفة لمؤسسة سابقة، وجزء آخر يعتبر إرثا".
وبالنسبة للنقّاد في الحي المالي في لندن، كارثة التأمين تلخص سلوك أحد المنظمين الذي في بعض الأحيان يتخذ نهجاً متباعد الجوانب. ويعترف ويتلي قائلا "من الواضح أننا فشلنا".
لكن القطاع المالي يبرهن أنه أسوأ عدو لنفسه، وموقف ويتلي الصلب تجاه مقدمي القروض قصيرة الأجل والمتلاعبين في بورصات العملات الأجنبية ينجح بشكل جيد في محكمة الرأي العام. وفي حين أن بعضهم يشكك في مستقبل ويتلي بسبب الفشل الذريع في قضية شركات التأمين، إلا أن أوزبورن يواجه انتخابات، ويحتاج إلى دعم منفذين يلاحقون بلا رحمة الأفعال الخاطئة للحي المالي. وليس هناك شك في أن ويتلي يناسب ذلك الوصف.

