السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لم يكُن لديّ الكثير من الوقت للمحتجات في مخيم جرينهام كومون. باعتباري طالبا رجعيا إلى حد ما من الثمانينيات، كنت اعتبرهن - ومخيم احتجاجهن خارج قاعدة الأسلحة النووية البريطانية - سخيفات ومُضللات. ذلك أن من رأيي أن عقودا من التجربة علّمتنا أن الردع النووي ينجح.

مضى 30 عاما ولا يزال السلام النووي صامدا، لكني أصبحت أقل ثقة قليلا في اعتقادي أن الأسلحة النووية لن تُستخدم أبدا.

هناك ثلاثة أسباب لقلقي. الأول، انتشار الأسلحة النووية إلى بلدان غير مستقرة مثل باكستان وكوريا الشمالية. الثاني، المجموعة المتزايدة من الأدلة حول مدى قُرب العالم، في أوقات مختلفة، إلى النزاع النووي. سببي الثالث للقلق أكثر إلحاحا: زيادة كبيرة في حديث التهديد النووي من روسيا.

سواء في السر أم العلن، يقوم الروس الآن بتقديم إشارات واضحة بشكل متزايد للترسانة النووية في بلادهم. قبل بضعة أسابيع، شاهدت أحد الروس البارزين يحذّر الجمهور، في ندوة خاصة في واشنطن، من أن "الرئيس بوتين وضع السلاح النووي على الطاولة". وكان الرئيس الروسي في الواقع قد أخبر جمهورا في بلاده أن الغرباء لا ينبغي أن "يعبثوا معنا"، لأن "روسيا واحدة من القوى النووية الرائدة".

الأسبوع الماضي، نشرت صحيفة "برافدا" - الناطق الرسمي باسم الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة - مقالة تحت عنوان "روسيا تحضر مفاجأة نووية لحلف الناتو"، تبجّحت بأن روسيا متكافئة مع الولايات المتحدة في مجال الأسلحة النووية الاستراتيجية؛ وقالت متفاخرة: "أما بالنسبة للأسلحة النووية التكتيكية، فإن تفوّق روسيا في العصر الحديث على حلف الناتو أقوى بكثير. الأمريكيون يدركون هذا جيدا. لقد كانوا مقتنعين من قبل أن روسيا لن تبرز أبدا من جديد. الآن، فات الأوان".

السبب الوحيد في تردّدي للكتابة عن هذا هو أنه ليس لدي شك يذكر في أن الهدف الوحيد من كل هذه المواقف النووية من موسكو هو بالضبط دفع المعلقين في الغرب للحديث عن تهديد نووي روسي. روسيا يائسة عن وقف توريدات المساعدات العسكرية الغربية إلى أوكرانيا. وبالتالي فهي ترغب في إيصال الرسالة التي مفادها أن أي تصعيد من هذا القبيل من شأنه إثارة رد فعل عنيف من موسكو وربما – من يدري - حتى استخدام الأسلحة النووية.

يبدو أن بوتين ملتزم بما دعاه ريتشارد نيكسون "نظرية الرجل المجنون" للقيادة. قال الرئيس الأمريكي الأسبق: "إذا شعر العدو أنه لا يمكنه التنبؤ بتصرفاتك، أو حتى متهور، سيمتنع عن الضغط عليك فوق الحد". قد يكون الرئيس بوتين مُحقا في حساب أنه، من خلال وضع السلاح النووي على الطاولة، بإمكانه دائما التفوق على جنون باراك أوباما، الرئيس الأمريكي العقلاني الهادئ.

مع ذلك، حتى لو فرضنا أن الحديث النووي الروسي خدعة، فإنه لا يزال خطيرا؛ لأنه حتى تكون الخدعة مخيفة، يجب على الروس زيادة التوترات والمجازفة. في الأسبوع الماضي، قال الجنرال فيليب بريدلاف، قائد قوات حلف الناتو في أوروبا، إن روسيا قامت "بنقل القوات القادرة على كونها نووية" إلى شبه جزيرة القرم. ومع استمرار القتال في أوكرانيا، يزداد خطر قراءة روسيا وحلف الناتو نوايا بعضهما بعضا بشكل خاطئ.

لقد برهن مؤرخو الحرب الباردة على أن الأخطاء وسوء التقدير جلبا العالم أقرب إلى حرب نووية بطريق الخطأ في أحيان أكثر مما هو مُدرك عادة. تقرير صدر أخيرا عن المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية، بعنوان "قريب جدا على نحو غير مريح"، يوثق عدة حوادث من هذا النوع بعضها يتضمن أعطال كمبيوتر قادت إما الولايات المتحدة وإما الاتحاد السوفيتي إلى الاعتقاد أنهم تحت هجوم نووي. ويقول التقرير: "اتخاذ القرارات الفردية، غالبا في مخالفة البروتوكول والتوجيه السياسي، أنقذ الوضع في عدة مناسبات".

حدثت عدة أخطاء من الأخطاء الوشيكة الأكثر خطورة خلال فترات التوتر السياسي المتصاعد بين موسكو وواشنطن. من أشهر هذه الحوادث أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. هناك مثال أحدث - مع صدى مُعاصر أقوى - كان حادثة "إيبل آرتشر" في تشرين الثاني (نوفمبر) 1983.

في أيلول (سبتمبر) من ذلك العام، أسقط الاتحاد السوفيتي طائرة للخطوط الجوية الكورية، ما أسفر عن مقتل 267 شخصا. تلك المأساة، مثل إسقاط طائرة الخطوط الجوية الماليزية فوق أوكرانيا هذا العام، أثارت بشكل كبير توترات الشرق والغرب مع الروس. وكما هي الحال الآن، تم اتهام أمريكا بالنزعة العسكرية وأنها تعتزم السيطرة على العالم.

على هذه الخلفية، نظم حلف الناتو مناورات عسكرية مثّلت ضربة نووية غربية على الاتحاد السوفيتي. عملية "إيبل آرتشر" كانت دقيقة جدا وواقعية جدا بحيث إن كثيرين في موسكو فسروها على أنها تحضير لهجوم حلف الناتو الأول. ردّا على ذلك، قام الروس بتجهيز أسلحتهم النووية. لكن يبدو أن أجهزة المخابرات حذرت الغرب كيف يُنظر إلى عملية "إيبل آرتشر" في موسكو، وهو ما سمح بتهدئة التصعيد.

أحد الدروس المستفادة من هذا الفصل هو أن وجود "خط ساخن" بين موسكو وواشنطن ليس ضمانا بأن الجانبين لن يرتكبا خطأ كبيرا. درس آخر هو أن أية قرارات أو حركات غامضة، من النوع الذي يشتمل على أسلحة نووية، يمكن أن يؤدي إلى هلع خطير.

اعتاد جيل أمي وأبي بصورة قاتمة على العيش في ظل القنبلة. لكن بالنسبة إلى جيلي، فإن مجرد فكرة الحرب النووية تبدو وكأنها من الخيال العلمي أو حتى الكوميديا السوداء، مثل ما رأينا في فيلم "الدكتور سترينج لاف". لكن الترسانات النووية في العالم لم يتم إلغاؤها بعد الحرب الباردة. الأمر المحزن هو أننا ربما نكون الآن في سبيلنا إلى العودة إلى عصر لا يعود فيه اعتبار التهديد بالحرب النووية مادة من الخيال العلمي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية