"البساطة هي الشيء الأكثر صعوبة لتأمينه في هذا العالم؛ وهو الحد الأخير للخبرة، وآخر جهد للعبقرية" هذا القول للكاتب جورج صاند، يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر، لكن ربما لا أحد يفهم هذا القول أفضل من منظمة التجارة العالمية، ولا أحد أدار ظهره له مثل الهند.
بعد المؤتمر الوزاري التاسع في بالي في كانون الأول (ديسمبر) عام 2013، ادعت منظمة التجارة أن اتفاقية تيسير التجارة، التي تم الاتفاق عليها في حزمة بالي بعد عشر سنوات من المفاوضات، كانت أكبر اختراق تحققه المنظمة منذ تأسيسها قبل نحو 20 عاماً.
واستقر أمل الدول الأعضاء بعد بالي في إبرام اتفاقية تيسير التجارة، التي تركِّز على تبسيط الإجراءات الجمركية المُعقَّدة، وإلغاء إجراءات جمركية لا فائدة منها عادة ما تجر إلى اختناقات ضارة بالشركات والمستهلكين وبالاقتصاد، وتقليص الإجراءات المكتبية المفرطة، وعدد الموظفين، واختزال المراحل التي ينبغي عبورها في التصدير أو الاستيراد، وإلغاء الورقة والقلم في الإجراءات المكتبية بالاعتماد على الحاسوب فحسب، وتأسيس ما يُعرف بنظام "الشبّاك الواحد"، بمعنى تحديد نقطة واحدة للتجار لتقديم وثائقهم والمعلومات المطلوبة لاستيراد، أو تصدير، أو نقل البضائع.
وتعالج الاتفاقية قضايا حيوية أخرى، مثل وضع صيغة عالمية موحدة لاستمارات رسوم الاستيراد والتصدير (المانفيست)، وتوحيد إجراءات الطعن أمام القضاء التجاري في العالم أجمع (تسلسل الإجراءات، الأوراق المطلوبة، ونوعيتها)، ووضع ضوابط وإجراءات موحدة للرسوم الجمركية والتخليص الجمركي، والتأكيد على الشفافية في أنظمة التجارة والإجراءات الإدارية، ووضع أحكام تضمن حرية مرور "ترانزيت" البضائع التجارية.
لكن منظمة التجارة كافحت في 212 يوماً لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق دون أن تصل إلى نتيجة بعد انقضاء شهر تموز (يوليو) 2014، الموعد النهائي المحدد لتوقيع الدول الأعضاء على صيغته النهائية. بعد ذلك كافحت 106 أيام تلت 31 تموز (يوليو) لكسر إعاقة الهند للاتفاق، لكن عبثاً، حتى توصلت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة إلى تفاهم مع الهند في 14 تشرين الثاني (أكتوبر) لإنقاذ الاتفاق.
وكان مقرراً التوقيع على الصيغة النهائية لاتفاقية "تيسير التجارة" خلال مفاوضات جنيف في تموز (يوليو) الماضي بعد أن قبلتها جميع الدول الأعضاء الـ 160 بما في ذلك الهند، في بالي، غير أن بلاد الغنى والفقر الفاحش أخذت شركاءها على حين غرة برفضها التوقيع، لتفاجئ الجميع بقولها إنها تريد التفاوض مباشرة حول شروط برنامجها للأمن الغذائي، وأنها لم تعد ترغب في الانتظار حتى عام 2017، على النحو الذي تم الاتفاق عليه في بالي.
وجاء تنكُّر الهند للاتفاقية بسبب رفض الدول الغربية والعديد من الدول الأخرى، الإعانات المالية الزراعية التي تقدمها الهند لمزارعيها في إطار ما يُعرف بمسمى "برنامج الأمن الغذائي" أو "اكتتاب الأسهم العامة لأغراض الأمن الغذائي"، وهو الاسم الرسمي للبرنامج، معتبرةً أن تأسيس الهند احتياطي غذائي مدعوم مالياً من الحكومة يمثل انتهاكاً للنظام الأساسي لمنظمة التجارة.
وأبدت الدول الغربية خشيتها أن ينتهي هذا الاحتياطي إلى الأسواق، ما يعتبر تشويها للقواعد التجارية، وضم "التفاهم" أو "الاتفاق" الأمريكي ـ الهندي نقطتين، الأولى، تُلزم بتنفيذ "اتفاقية تيسير التجارة" دون شروط، وأن ينظر إليها على أنها صك قانوني يتم تنفيذه بالوسائل القانونية ذاتها، التي يتم فيها تنفيذ اتفاقات منظمة التجارة العالمية الجديدة، وإذا تم قبولها من كامل الدول الأعضاء في المنظمة، فسيتيح ذلك التنفيذ المتعدد الأطراف للاتفاقية.
فيما أكدت النقطة الثانية على أن يتم تنفيذ حزمة بالي فيما يتعلق ببرامج الأمن الغذائي التي تحتفظ بها بعض البلدان النامية، على ألا تواجه هذه البرامج ومن بينها برنامج الأمن الغذائي الهندي، بطبيعة الحال معارضة، بمعنى أنه لن يواجه عقوبات من منظمة التجارة، وعدم إخضاعها لإجراءات تسوية المنازعات في المنظمة، وأن تبقى في مكانها حتى يتم العثور على حل دائم لهذا الموضوع يتم تبنيه من الدول الأعضاء.
وتعني هذه الصيغة عموماً، التي تتعارض مع قوانين المنظمة، تعطيل أحكام المنظمة بصورة مؤقتة بهدف إنقاذ حزمة بالي، حسب تفسير ميشيل أورجاليه عضو البعثة التجارية الإيرلندية لـ "الاقتصادية".
واعتبرت العديد من الوفود التجارية الرئيسة صيغة الاتفاق، الذي لم يذكر البرنامج الغذائي الهندي، لا تصريحاً ولا تلمحياً، بمثابة نصر واضح للولايات المتحدة.
وصرحت بعض الوفود بأن الهند أضاعت أكثر من عشرة أشهر هباءً من عمل منظمة التجارة بعد أن أعاد الاتفاق الذي وقعته مع الولايات المتحدة الوضع إلى بدايته في مؤتمر بالي بعد أن رفضته هناك.
والخلاف الوحيد بين اتفاق بالي والاتفاق الأمريكي ـ الهندي، أن مؤتمر بالي أشار إلى بداية عام 2017 كموعد للنظر في برنامج الأمن الغذائي الهندي، في حين لم يحدد الاتفاق الثنائي موعداً ثابتاً.
واعتبرت وفود أخرى أن الاتفاق ألزم الهند بالموافقة على حزمة بالي "دون شروط"، في حين أن واشنطن لم تقدم التزاماً لنيودلهي بعد أن أحالت موضوع "البرامج الغذائية" التي تحتفظ بها الدول النامية إلى موافقة الدول الأعضاء في المنظمة.
ويستند صنع القرار في منظمة التجارة إلى توافق في الآراء بين جميع الدول الأعضاء، بمعنى أن كل دولة عضو تملك حق النقض (فيتو).
ورفض السفير أنجالي براساد، الممثل التجاري الهندي في جنيف، أن تكون الدبلوماسية الهندية قد أخفقت في هذا الاتفاق، ولم يقدم أية آراء لـ"الاقتصادية" عن الاتفاق، الذي أبرمته بلاده مع الولايات المتحدة، كما رفض تقدير المدة الزمنية للعثور على حل دائم لموضوع برامج الأمن الغذائية، حسبما جاء في الاتفاق.
مع ذلك، فإن بعض الوفود الغربية ما زالت متشككة، أو متخوفة من المفاجآت، فقد ذكر عضو البعثة التجارية الأيرلندية، أورجاليه، لـ "الاقتصادية" أن اتفاق تيسير التجارة لم يوقَّع، وهو ليس في متناول اليد بعد، مشيراً إلى مثل شعبي إيرلندي يقول "إن لم تمسك الدفة فأنت لست رباناً".
وقال عضو في الوفد التجاري السويسري لـ "الاقتصادية"، إن هناك عدم يقين، طالما أن الاتفاق أبقى أسئلة مفتوحة دون جواب، وتساءل عن ماهية المدة الزمنية للعثور على حل دائم للبرامج الغذائية.
وتعهدت الولايات المتحدة والهند تقديم الاتفاق إلى المجلس العام للمنظمة "أعلى سلطة تنفيذية" في المستقبل القريب، وحينئذ سيتم التعرف على تفاصيل الاتفاق، حتى إن تم تقديمه كوثيقة سرية، فالسرّ بين 160 دولة، ليس سرَّاً.

