السبت, 10 أكتوبر 2026|27 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

انتشرت بعد ستينيات القرن العشرين، وبالضبط في فرنسا، نظرة فلسفية للإنسان مخالفة تماما لما تصورته الحداثة، أي باعتباره تلك الذات الواعية والحرة والفاعلة والصانعة للمعنى.. في اتجاه إنسان خاضع لحتميات وبنيات خفية مهيمنة عليه، وهي القضية التي يمكن تسميتها بمعاداة النزعة الإنسانية، بحيث ظهرت ثوابت مشتركة ما بين الخطابات الرائجة آنذاك قوامها الاهتمام المفرط بالمفاهيم والأنساق والبنيات واللاشعور، زيادة على ذيوع منهج الجينيالوجيا والحفريات والتقويض والتفكيك، وهي كلها تصب في قناة إرادة إلغاء الذات التي تعد قوام الحداثة وإعلان اختفاء بل موت الإنسان بعد ادعاء ميلاده، ومن ثم فشل الحداثة برمتها وانهيار أسسها وقيمها، أي تصدع مروياتها الكبرى من قبيل: الذات، الوعي الإرادة، العقل، التاريخ، التقدم، والحرية، فكلها مجرد أوهام وتصورات في طور الانقراض. فكيف ذلك؟ وهل الزعم بأن قيم الحداثة مجرد مرويات كبرى يمكن القبول بها؟ أليس إلغاء الإنسان فيه سقوط في العدمية، وهل حقا حذف حرية الإنسان ممكنة تحت دعوى أنه مجرد صدى لبنيات معتمة خفية تجره كالريشة في مهب الريح؟ ماذا سيتبقى للإنسان إذن؟ قبل البدء في إلقاء نظرة حول فلسفة موت الإنسان وجب بداية الوقوف عند المقصود بالنزعة الإنسانية التي سيتم إعلان احتضارها.

###ميلاد الإنسان

تشكل الحداثة صيغة ومنوالا جديدا، وجه الرؤية والسلوك في منحى مختلف تماما عما كان في العالم القديم، إنها إطار نظري ونظام معرفي قلب الأمور رأسا على عقب، وإذا ما كنا نود البحث عن الثابت البنيوي فيها فسنجده في الذات، فإليها الرجعى دائما وبها تصنع وتشيد الحقيقة فاعطني الذات وخذ كل شيء. هذا هو لب الحداثة، التي شكلت الأرضية النظرية التي سمحت بإحداث انقلاب مدوي وتصدع في بنية المجتمع ما قبل الحداثي. فتأثير فكرة الذاتية، أي انبثاق الإنسان، في عصر الأنوار واضح جدا فالأنواريون (ديدرو، فولثير، مونتسكيو، روسو، كانط...) كان أكبر همهم نشر فكرة استقلال الذوات وقدرتها على أخذ المبادرة اقتصاديا، سياسيا، أخلاقيا.. بمعزل عن كل وصاية ماعدا وصاية العقل المشترك. وهو ما تلخصه عبارة "كانط" الشهيرة في تعريفه للأنوار: "إنه خروج الإنسان من وضع الحجر الذي هو نفسه مسؤول عنه. وهذا الحجر يعني عجز الإنسان عن استعمال عقله دون وصاية غيره". لقد قامت الحداثة إذن على نزعة إنسانية ترى في الإنسان تلك الذات الحرة والفاعلة، المطلقة الطليقة، صانعة عالمها، المنتجة لمواردها والموجهة للتاريخ نحو تقدم محتوم، إنها بانية الحضارة والمسؤولة عن كل حراك يحدث، باختصار إن الذات هي صاحبة السلطة وكلمتها هي العليا.

###موت الإنسان

إن التصور الحداثي للإنسان ستعتبره بعض التيارات الفلسفية المعاصرة المعادية للنزعة الإنسانية مجرد أضغاث أحلام، مدافعة عن أفكار عكسية تماما، فإذا كانت النزعة الإنسانية تقر بالذات المتكلمة، فإن التيار المعادي لها يتحدث عن الذات المقهورة باللغة كنسق مغلق ومكتف بذاته، وبالمثل فإن مقابل الإنسان الحداثي الواعي نجد دعوى مخالفة تماما وهي أنه مسير باللاشعور القابع في جوفه والموجه له في خلسة منه، وإذا كان يتم الاعتقاد وهما أن الإنسان ينتج، فهو في حقيقته خاضع لنسق الإنتاج، وأيضا إذا كان يتم الحديث عن الباحث العالم، فهو لا يكتشف المعرفة إلا في إطار "باراديغم" أي منظومة معرفية هي التي تعطي جواز المرور للفكرة، فلا عبقرية أبدا، فالكلمة كل الكلمة للنسق المهيمن في حقبة زمنية محددة، فنيوتن لو ولد في القرن الرابع عشر ما كان لينتج جاذبيته المشهورة، فهو كان محكوما ببنية القرن السابع عشر المسكون بهاجس تفسير حركة سقوط ودوران الأجسام.

إذن ستتعرض فلسفة الذات لمحاكمة في الفكر الفرنسي المعاصر وهو الفكر الذي يمتح من الجذور الألمانية مفاهيمه وعدته، لهذا سنجد أن هناك أواصر قرابة تجمع بين أركيولوجيا أو حفريات المعرفة عند فوكو (1926 /1984) والبنيوية الأنثروبولوجية عند كلود ليفي ستروس (1908 /2009) والتفكيكية عند دريدا (1930 /2004) مع نظيرتها الفلسفة الألمانية أقصد اللاشعور عند فرويد (1856 /1939) والجينيالوجيا عند نيتشه (1844 /1900) والتقويض عند هايدغر (1889 /1976). فما الجامع ما بين هذه الفلسفات كلها؟ فهي كلها عملت على هدم النزعة الإنسانية وتأكيد أن الفلسفة الحداثية كانت تعيش على وهم آمنت به لقرون وهو كون الإنسان وعيا وإرادة وخالقا للمعنى ومبدعا للدلالات، في حين هو في حقيقته مجرد كائن مفعول به وأسير بنيات تتحكم فيه وتسيره.

#2#

ففرويد مثلا يرى في الإنسان ذلك الكائن الذي تسود حياته حتمية لا شعورية، ويكون بذلك قد عكر صفو الذات الديكارتية وشوش على صفائها وجعلها خليطا ومزيجا مشوشا. فالوعي ليس مرتبطا بذاكرة يسهل استرجاعها بل هو موجه أيضا بذاكرة منسية وغائرة تفعل فعلها في المرء دون إرادته، فمشاعرنا وعواطفنا وسلوكاتنا وأفكارنا وتخيلاتنا ليست نابعة من حرية إنسانية صرفة، إننا بكلمة واحدة لا نملك زمام أمرنا.

إن مفهوم اللاشعور هذا سيتعرض لتغير دلالي ويسافر من عالم النفس ليستغل من طرف فلسفة موت الإنسان بطرق متعددة، وهو ما حدث مع البنيوية التي خرجت من اللاشعور النفسي الذي يحيل إلى الرغبة والكبت والدوافع الغريزية، نحو اللاشعور البنيوي أي البحث عن البنية العقلية المشتركة المتحكمة في التفكير، فكل طفل يحمل منذ ولادته الرصيد الكلي للإمكانيات أي البنيات الذهنية الأولية، وهو ما حاول كلود ليفي ستروس تأكيده، معلنا أن أشكال الثقافات البشرية تصدر عن نفس الأصل أي عن إمكانيات لا شعورية لعقل بشري له هوية ثابتة دوما، فالطبيعة البشرية الخام هي رقعة الشطرنج لكن هناك صيغ من اللعب لا تنقطع هي الثقافة، باختصار يريد ستروس بأنثروبولوجيته البنيوية أن يثبت أن الفكر قد بدأ بالطبيعة قبل الإنسان، ومن ثمة نحن نشتغل وفق برمجة سابقة علينا فلا حرية إذن. 

وبالطريقة نفسها سيوجه ميشل فوكو اللاشعور وجهة معرفية بنحته مفهوم " الإبستمي" ويقصد به ذلك النظام الخفي المستثمر بصمت أثناء الممارسة، والذي يحدد شروط المعرفة في حقبة تاريخية معينة والتي بمقتضاها يعترف لخطاب عن الأشياء بأنه الحقيقة، فهو نظام لا أحد يفكر فيه ولكن يخلق شروط التفكير. ولقد استخدمه فوكو بمرادفات متعددة كالنسق والبنية وفضاء للتنظيم والأرضية الإبستمولوجية وشروط الإمكان وأوليات تاريخية، وكلها تجمع على معنى واحد هو أن هناك "لا شعور معرفي" أي ذلك المستوى المتخفي والعميق وتلك الطبقة التحتية التي تشكل شروطا قبلية لإنتاج المعرفة في زمن ما.

وإذا ما أخدنا مثلا الفيلسوف الماركسي ألتوسير( 1918/ 1990) وهو من أقطاب الفكر الفرنسي لجيل سنة 1968، نجده أيضا لم يسلم من فكرة الهجوم على النزعة الإنسانية وهيمنة فلسفة موت الإنسان، ولقد كان من المدافعين عن الماركسية والمطالبين بالعودة إلى ماركس الأصيل غير المشوه أوالمحرف وضرورة تنقيته وتطهيره مما علق به من الفلسفة المثالية أومن الفكر البورجوازي، فألتوسير يرى أن الماركسية تؤكد أن الإنسان لا يوجد بل الذي يوجد هو البنيات الموضوعية المتمثلة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، والذات ليست فاعلة تاريخيا، بل الفاعل التاريخي محركه موضوعي يتجاوز الذوات والمتجسد في الصراع الطبقي بين من يملك ومن لا يملك. وبهذا يكون ألتوسير قد أخرج ماركس من النزعة الإنسانية.

نخلص إلى أن فلسفة موت الإنسان أرادت أن تهاجم ذلك التصور الذي صاغته الحداثة كونه حرا وفاعلا. وبحثت بحماسة وبجدية عن كل البنيات المعتمة التي تؤكد أن الإنسان مجرد ريشة في مهب الحتميات سواء اللغوية (اللسانيات البنيوية) أوالنفسية (فرويد) والاجتماعية والاقتصادية (ألتوسير) أوالمعرفية ( فوكو) طامعة في كسر النزعة الإنسانية للأبد، لكن هيهات ذلك. أليس الإنسان وهو يكتشف هذه البنيات الخفية يزداد تحررا على أساس أن معرفة الأسباب هي طريق الخروج من الحتميات؟ حقا يأبى الإنسان إلا أن يبقى شامخا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية