الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

ميخائيل جورباتشوف يحذّر من أن العالم يخاطر بعودة الحرب الباردة بين روسيا والغرب. القائد الذي أشرف على تفكيك الاتحاد السوفياتي مُخطئ. كانت الحرب الباردة بمثابة مسابقة عالمية بين نظامين سياسيين واقتصاديين. لعدة عقود من الزمن، عاش العالم في ظل التدمير الذاتي النووي. في عام 1989 خسرت الشيوعية ولا عودة للحرب الباردة.

روسيا بقيادة فلاديمير بوتين ليست لديها أيديولوجية بديلة لتقوم بتسويقها. الأسلوب الاستبدادي للرئيس الروسي له معجبوه، خاصة بين كارهي الأجانب الشعبويين في أوروبا الغربية. لكن الحق يُقال، ليست هناك سوق تذكر في أماكن أخرى في العالم لأنموذج موسكو الاقتصادي والسياسي.

الاتحاد السوفياتي كان قوة عظمى، أما روسيا اليوم فهي قوة إقليمية خطيرة لكن متراجعة. هاتان السمتان مرتبطتان. بوتين يُريد الاستيلاء على الأراضي والنفوذ في المساحة السوفياتية السابقة. إنه بحاجة إلى "الاحترام". لكن إذا كان ضم شبه جزيرة القرم وغزو شرقي أوكرانيا بمثابة تحدّ خطير للنظام العالمي، فهما بعيدان نوعاً ما عن كونهما تهديداً وجودياً.

جورباتشوف يتحسر على ما كان يمكن أن يكون. حسرة جورباتشوف تقيس الأزمة الحالية في علاقة روسيا مع الغرب مقابل الشراكة بين طرفين متكافأين كان يرجو أنها شراكة ستخرج من رماد الشيوعية السوفياتية. بطبيعة الحال كان هناك الكثير من الغربيين الذين اشتركوا معه في هذا الأمل. لكن بالنسبة لمؤلف سياسة الجلاسنوست، ساءت الأمور عندما قامت كل من الولايات المتحدة وأوروبا بدعوة الدول الشيوعية السابقة إلى حلف الناتو، وبالتالي إذلال روسيا خلال لحظة ضعفها.

جورباتشوف لم يُوضّح تماماً كيف كان من الممكن تحقيق الانسجام بين حرية البلدان التي تهرب من الوصاية السوفياتية مع الحفاظ على مجال النفوذ الروسي. بولندا كان لا بد أن تتحرر لتتخذ قراراتها بنفسها. الشيء نفسه يمكن أن يُقال عن أوكرانيا.

بوتين لم يحاول حتى تربيع هذه الدائرة. فهو طالما كان يعتبر السياسة الخارجية بمثابة لعبة صفرية يربح فيها طرف على حساب الطرف الآخر. عندما كان مستشارا شابا لعمدة سانت بطرسبرج خلال أوائل التسعينيات، كان في الأساس يشعر بالاستياء الشديد من انهيار الاتحاد السوفياتي. وقد وصف ذلك فيما بعد بأنه كارثة القرن الـ20 الجيوسياسية. وحسب تفكير بوتين، حتى تفوز روسيا - وأن يُنظر إليها أنها ستفوز - شخص آخر يجب أن يخسر.

رغم كل ما تقدم، هناك دروس من الحرب الباردة يمكن أن نتعلمها من جديد بشكل مفيد، رداّ على عقلية بوتين الانتقامية. أول هذه الدروس هو الصبر، الثاني هو العزيمة. معاً يشكلان قوة الردع. أي شخص يعتقد أن الصراع في أوكرانيا قابل لحل دبلوماسي سريع يخدع نفسه؛ وبالمثل أولئك الذين يتخيلون أن التهدئة ستدفع موسكو إلى تقديم تنازلات. بوتين يمنح الاحترام فقط لأولئك الذين هم على استعداد لمواجهته.

خلال الثمانينيات، توقّع المختصون في شؤون الكرملين أن ينهار النظام الاقتصادي السوفياتي يوما ما تحت وطأة تناقضاته. مع ذلك، بما أنه لم يكُن لديهم فكرة متى يمكن أن يحدث هذا، افترضوا أنه سيستمر إلى أجل غير مسمى. كانت الاستراتيجية تتطلب الصبر.

الشيء نفسه ينطبق الآن على رد مدروس على المغامرة العسكرية الروسية. بوتين يوطن نفسه على استمرار الوضع لأمد طويل. والغرب ينبغي أن يفعل الشيء نفسه. لقد اعترفت روسيا بانتخابات صورية أجراها الانفصاليون الموالون لموسكو في دونيتسك ولوجانسك. وقف إطلاق النار تعثر بشدة، وسجل مراقبون من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تدفقا جديدا من القوات الروسية والأسلحة الثقيلة. ومثلما حدث في مقاطعتي أبخازيا أوسيتيا الجنوبية في جورجيا عام 2008، تعمل روسيا على خلق حقائق على أرض الواقع لإقامة صراع متجمد.

من غير المرجح أن تغير العقوبات الغربية طريقة الحساب في أي وقت قريب. إلى جانب أسعار النفط المنخفضة، أدت العقوبات إلى إلحاق الضرر بالاقتصاد الروسي. لقد توقف النمو، وزاد هروب رأس المال، وتقلّصت الاستثمارات الأجنبية. الروبل تضرر كثيراً، لكن بوتين يملك المال في البنك (المركزي)، والسيطرة على القلة الحاكمة، والدعم الشعبي القوي لوقفته القومية.

بوتين يتوقع أن يتراجع الغرب أولاً، نظراً للتردد بين بعض الأوروبيين، هذا ليس بالرهان السيئ. ماتيو رينزي، رئيس الوزراء الإيطالي، أخبر المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أنه بالدعوة إلى تخفيف العقوبات يتحدث نيابة عن "نصف الحكومات في أوروبا". إذا احتسبت مالطا وقبرص، قد يكون محقاً.

هذا هو المكان حيث يأتي العزم. في الاحتفال بمناسبة الذكرى الـ 25 لسقوط جدار برلين، قالت ميركل إن رسالة تلك اللحظة هي أن "الأحلام يمكن أن تتحقق (...) لا شيء يجب أن يبقى كما هو، مهما كانت العقبات عالية". هذا حديث مثير، لكنه صحيح فقط إذا جمع القادة السياسيون بين الصبر والعزم.

تستطيع العقوبات تغيير تفكير موسكو فقط إذا اقتنعت بأن الغرب لن يتراجع. ما الذي يدفع روسيا إلى القبول بأي شيء إذا كان يبدو أن اليد العليا هي لماتيو رينزي وليس لأنجيلا ميركل؟ لكن إذا اعتبرنا أن العقوبات تعكس الوضع الطبيعي الجديد في علاقة الغرب مع روسيا، فربما تكون لدى بوتين فسحة لإمعان النظر.

ليس الهدف هو حرب باردة أخرى. الحقائق الجيوسياسية تقتضي أن يستمر الغرب في التعامل مع بوتين، خصوصا من حيث التفاوض مع إيران حول برنامجها النووي، وفي قتال التطرف السني العنيف في العراق وسورية. لكن من جانب آخر يجدر بكل من الولايات المتحدة وأوروبا ألا تتخلى عن قيمها. ألم يعِد جورباتشوف بأن نهاية الإمبراطورية السوفياتية ستؤدي إلى الحرية والديمقراطية؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية