السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

أعلنت الولايات المتحدة في إجازة نهاية الأسبوع أنها بدأت بإرسال مزيد من القوات إلى العراق، وكما يبدو روسيا أرسلت مزيدا من القوات إلى أوكرانيا، بينما بدأ الرئيس باراك أوباما رحلته إلى بكين وقمة العشرين.

لو سألنا أي صانع سياسة في واشنطن عن أي من هذه الأجزاء المختلفة من العالم يجب أن يكون في قمة أولويات الولايات المتحدة لكانت الردود كالعادة أحد أشكال العبارة التالية – "يجب علينا أن نكون قادرين على مضغ اللبان والمشي في الوقت نفسه" ولو استمررت في طلب الإجابة، لكانت الردود أكثر إثارة ومتعة.

من بين الأزمتين الحاليتين يمكن القول بشكل عام إن الإجماع في واشنطن هو أن الشرق الأوسط يشكل منطقة أكثر إلحاحا من أزمة أوكرانيا. وقد بدا أحد مسؤولي الأمن القومي الأمريكي، من الذين تقع روسيا والشرق الأوسط من ضمن مسؤولياتهم، غير مصدق عندما سألته في الأسبوع الماضي عن أي المنطقتين أكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة، وأجاب: "الشرق الأوسط، حتى الآن".

توجد ثلاثة أسباب للحجة التي تقول إن الشرق الأوسط يشكل الأولوية. الأول، هو وجود حرب قائمة هناك، حيث تشترك الولايات المتحدة في شن غارات جوية، للحصول على قدر كبير من امتثال العدو مع نتائج إيجابية لهذه الضربات، وذلك حسب العبارة العسكرية المحرجة التي لا تخلو من طرافة في البنتاجون "رؤوس حربية على رؤوس البشر". ثانياً، إذا عرَّفنا الأمن الوطني على أنه حماية السكان المدنيين من الأذى، فربما يرى الأمريكيون أن الإرهابيين الجهاديين يشكلون تهديداً مباشراً أكثر من روسيا. ثالثاً، يعتقد الأمريكيون أن نظاماً إقليمياً كاملاً بدأ يتفكك في الشرق الأوسط، وأن إعادة تشكيل ذلك النظام ستأخذ عقوداً طويلة، بينما النظام في أوروبا أصبح فقط أقل فاعلية عند الأطراف.

وحتى أن بعضهم يشعر بالانزعاج من أن انشغال فكر أمريكا بروسيا كان السبب في إبعاد اهتمامها بالعراق وسورية في وقت حرج. ويقول أحد المسؤولين وهو يتأمل المشهد: "أتعجب مما سيسجل التاريخ حول ذلك، ففي ربيع عام 2014 كنا نركز على أوكرانيا، وفي الوقت ذاته كانت [داعش] تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي".

إن الظاهرة التي تكون فيها أنظار صانعي السياسة ذاهبة إلى الاتجاه الخاطئ ليست غير معروفة بالتأكيد في التاريخ. ففي الأشهر التي سبقت نشوب الحرب العالمية الأولى، قبل 100 سنة، أمضت الحكومة البريطانية وقتاً أطول بكثير وهي تناقش احتمالات نشوب صراع مدني في إيرلندا مقارنة بخطر نشوب حرب في أوروبا.

لكن بالنسبة لأولئك الذين يشعرون بانزعاج كبير للغاية من روسيا فلاديمير بوتين، يعد الشرق الأوسط هو الجهة التي تشكل صرف الانتباه عن الخطر. فالجموع التي تهتف "روسياً أولاً" أقوى في وارسو وبرلين مما هي في واشنطن. وهم يقولون إن من المزعج أن نرى الولايات المتحدة وهي تنجذب ثانية لخوض "حرب على الإرهاب"، وصراعات الشرق الأوسط، تماما في الوقت الذي تتزايد فيه الأخطار في أوروبا.

وبحسب هذا التحليل، لا تزال الولايات المتحدة لا تعترف بتطرف التحدي الذي تظهره روسيا. والخوف هنا من أن يكون ضم القرم والتوغل داخل شرقي أوكرانيا مجرد البداية. ومن الممكن عند نقطة معينة أن تهدد روسيا المزيد من أراضي أوكرانيا، أو حتى دول بحر البلطيق. وقد زاد من هذه المخاطر، عن غير قصد، حقيقة استبعاد أمريكا اتخاذ أي إجراء عسكري حيال أوكرانيا - ما جعل الأزمة تبدو قل أهمية في نظر واشنطن ـ أدى من غير قصد إلى زيادة المخاطر. وقد لخص أحد الدبلوماسيين ذلك، بقوله: "يعرف بوتين كيف يصعد الموقف في أماكن لن نذهب إليها".

أما أكثر السيناريوهات سواداً، فهو ما تجري مناقشته خلف أبواب مغلقة، وهو يتضمن تصعيداً روسياً ينتهي باستخدام أسلحة نووية تكتيكية. وإذا حدث ذلك فربما يشكل هذا بالطبع أكبر أزمة أمنية يشهدها العالم منذ عقود، وستكون هذه الأزمة أكثر أهمية وخطراً من أية جولة أخرى تجري خلال 25 عاماً من القتال في العراق. ولا يزال أغلب الخبراء يستبعدون السيناريوهات النووية باعتبارها مبالغة كبيرة، لكن الأكثر مدعاة للقلق هو احتمال أن يلجأ بوتين إلى شن حرب تقليدية شاملة على أوكرانيا - أو يشجع انتفاضة يقوم بها المتحدثون باللغة الروسية في دول البلطيق، الأعضاء في حلف الناتو. وإذا تدخلت روسيا في دول البلطيق ولم تجد رداً من حلف الناتو، فسيكون الكرملين بذلك قد كسب أكبر إنجاز بإظهاره أن التحالف العسكري الغربي مجرد نمر من ورق.

ويأمل بعضهم أن تؤدي الضغوط المتزايدة على الاقتصاد الروسي وعلى الروبل إلى ردع الكرملين عن أي تصعيد. لكن أزمة اقتصادية يمكن أن تجعل من السلوك الروسي غير متوقع وأكثر تهوراً.

ووسط كل هذا الغضب، بدأ الرئيس أوباما رحلته الآسيوية. وبالنسبة لمن يصدقون سياسة "التركيز والتحول إلى آسيا"، فسيبقى صحيحا - على المدى الطويل - أن أكبر تحد لقوة الولايات المتحدة هو الصين الصاعدة، وليس روسيا المتراجعة أو الشرق الأوسط الذي يتفكك. وهم يعتقدون أنه كلما ازداد تورط الولايات المتحدة في الأزمات، كان من السهل على الصين فرض سطوتها على شرقي آسيا - المنطقة التي بدأت بصورة متزايدة تشكل مركز الاقتصاد العالمي.

لكن إدارة أوباما مصممة على أن هذا لن يحدث، وهي تقول إنها تحول الموارد العسكرية الأمريكية، حيث يكون في المستقبل 60 في المائة من الأسطول البحري الأمريكي متمركزاً في المحيط الهادئ.

وسيكون على المؤرخين أن يختاروا ما إذا كانت أولويات إدارة أوباما الاستراتيجية صحيحة، أو ما إذا اندفعت إلى الاتجاه الخاطئ في وقت حرج.

إحساسي الغريزي يقول لي إن روسيا تشكل الآن التحدي الأهم. وصعود الصين مهم كثيراً، لكن حتى اللحظة يبدو ذلك وكأنه عملية طويلة المدى، ولا تشكل أي خطر آني يؤدي إلى نشوء صراع مع الولايات المتحدة.

الدول الفاشلة في الشرق الأوسط وخطر الإرهاب أصبحا، مع الأسف، من المخاطر التي تبدو وكأنها أمور طبيعية.

لكن روسيا الغاضبة والمسلحة نوويا، والراغبة، في تحدي قوة الولايات المتحدة، يمكن أن تشكل خطراً بدأنا الآن فقط فهمه. ربما يعتمد السلام في أوروبا على أن تحقق واشنطن بالضبط التوازن السليم بين الردع والدبلوماسية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية