يسأل أحد المحامين زميله هانك بالمر: "كيف تشعر وأنت تعلم أن كل عميل تدافع عنه مذنب؟" يجيب بالمر بثقة "لا بأس في ذلك، فالأبرياء غير قادرين على تحمل أتعابي". على الرغم من أنه يعيش حياة مرفهة ومكللة بنجاحات، إلا أن الأحداث تتداعى لتتكالب عليه الظروف القاهرة، ويصل إلى مرحلة يغرق فيها في متاعب أسرية شائكة تشوبها قضية يستحيل حلّها.
فيلم "القاضي" من إخراج الأمريكي دايفيد دوبكين، لعام 2014، من الطراز الدرامي بسوداوية مفرطة، بمدة تجاوزت الساعتين بـ 20 دقيقة. خرج دوبكين عن نمطيته في اختيار أفلام يغلب عليها الحس الكوميدي. ويبدو فيلم "القاضي" أكثر عمقا من أفلامه السابقة كـ "فريد كلوز" و"التغير لأعلى". وقد عزز من ذلك حضور ممثلين مخضرمين كروبرت داوني جونيور في دور هانك بالمر، الذي خرج من عباءة دوره التقليدي لأفلام إثارة ذات إيرادات ضخمة، بمحتوى سطحي بعض الشيء كفيلم "الرجل الحديدي" و"شارلوك هولمز"، بأداء يظهر جانبا إنسانيا مرهفا. إضافة إلى دور روبرت دوفال، ذي الحضور المتميز في السينما الأمريكية، كفيلم "الأب الروحي"، يتألق في دور الأب القاضي جوزيف بالمر، الذي يتورط في قضية قتل فيقف أمامها باستسلام تام.
تلك العلاقات الشائكة التي تغرس في نفوس أفرادها حزنا عميقا، تصنع في الفرد القوة والنجاح. هانك بالمر تألق كمحام يقتل الضعف ويمشي قدما، ما هو إلا نتاج أسرة مفككة، متجاهلا ذلك الغضب واللوم ومتجاهلا علاقته المعقدة مع والده، إلى أن يضطر للعودة إلى مقره للدفاع عن والده الذي يقاوم احتياجه له. تتفاقم الأحداث، وتتداخل ما بين إمعان الأب القاضي في رفض التعاون مع ابنه للحصول على براءته، والعودة إلى تذكر أحداث سابقة تسببت في سوء العلاقة بينهما. تتجلى جمالية الفيلم في الكشف عن الجانب الإنساني لكل من الأب وابنه. يعززها تعقيدات شخصية الأب المستسلم الرافض الدفاع عن نفسه، والفاقد لأجزاء من ذاكرته. تغضن ملامحه وقسوة شخصيته، تخفي خلفها محاولة للحفاظ على عنفوانه ورباطة جأشه، وإخفاقه في ذلك. إذ يتعذر عليه حتى النهوض حال سقوطه. بيأس يشبه هانك عائلته بلوحة سريالية لبيكاسو. فوالده ذو سلوكيات نزقة وصرامة مقيتة، يختار محاميا آخر يفتقر إلى الحرفية والدهاء، يفضله على ابنه لرفضه الإذعان لبراعته بسبب حادثة قديمة تسببت في زيادة التعقيدات في العلاقة بينهما.
وعلى الرغم من تركيز المخرج دوبكين على أداء الممثلين المخضرمين، إلا أن من الصعب تلافي ملاحظة ضعف الحبكة في السيناريو، وعدم تطوير الشخصيات، بالأخص الممثلين المساندين الذين همشوا إلى أدوار مسطحة. لا يوجد عنصر للمفاجأة، ولا تصل تعقيدات الفيلم إلى هاوية يحاول الأطراف الخروج منها. فالكل يسبح في دائرة مغلقة دون أدنى محاولة للفرار منها. تتباطأ أحداث رتيبة لا ترتقي إلى تفاقم الأحداث. إلا أن الأداء الجيد لممثلين بارعين يغمر المشاهد بتلذذ المراقبة.
"القاضي" يجسد تلك الضغوط النفسية التي تقيد حركة المرء. لاسيما في مكان يمقته هانك ويضطره للمكوث فيه. حيث يراوح تصوير المكان بين المنزل القديم حيث الذكريات تدفن الآسر منها والمحزن، والمحكمة التي يجد الأب القاضي نفسه فيها متهما يجلس حيث اعتاد أن يرقب المجرمين ويحاكمهم، دون إخفاء لنظرته التي قد تخلو من حيادية. هناك تألق في اختيار حالة المكان التي تعكس اضطراب العلاقات. حين يصل التوتر بين كل من بالمر الأب والابن إلى ذروته، ينعكس ذلك بإعصار عات يقتلع كل ما أمامه، يتمازج مع حالة الغضب والانفعال والاتهام بينهما. يخرج جوزيف مشتعلا بغضبه من مخبئه دون اكتراث لذلك الإعصار، ليلحق به هانك مكملا لومه له وتعنيفه لماضيه وحاضره. تلك اللحظات الحميمة للأسرة لا تظهر إلا من خلال تصوير فيديو قديم لطفولته مع أسرته. حتى مشاهدة تلك اللقطات تتسبب في شجار وأزمة لا مخرج منها.
واقعية الفيلم تنعكس في تلك الإخفاقات الإنسانية. في خيبة ظن الآخرين، والفشل في الدفاع عن أب تقلّد وظيفة قاض لما يتجاوز الـ 40 عاما، ليصبح متهما وضيعا في أرذل عمره. في مشهد مؤثر، يتنفس هانك بانتشاء رافعا ذراعيه وهو يقود دراجته، شاعرا بتحرر مطلق من مشكلاته، ليتهاوى ويسقط مرتطما بالأرض بانسحاق مزر، وكأن ذلك يجسد حاله في تلك الحقبة من حياته. يتألق في المحكمة وهو يحاول الدفاع عن والده، وعلى الرغم من ذلك فإمعان والده في الاستسلام يحيل تلك القضية لمسرحية هزلية مأساوية، وترقب للسقوط في الهاوية.

