الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إلى العزيز الغالي بين جنبيّ أسعد الوصيبعي.. في يوم ميلاده

أقصد بموسيقانا "المعاصرة"، الموسيقى في شكلها "الجديد" الذي ما زلنا نطلق عليه عنوان "الشرقي"، لاحتوائه على شيء من إيقاع شرقي، وشيء من مقام شرقي، وكلام شرقي، ونطق شرقي، ولنقل بعض الذوق الشرقي.

وأستبعد من ذلك موسيقى النسخ واللصق، التقليد في الشكل والصورة والذوق لموسيقى الشعوب الأخرى غير ما تبقى من كلمات عربية، كآخر رمق لصلة بهذا المكان من الشرق.

سأكتب الملاحظات على الخلل في مجموعة نقاط جديرة بالتأمل فيما حدث ويحدث، أين نتجه، كيف توقفنا كل هذه السنوات ــ في الإطار العمومي ــ أين نحن من العالم، أين هو العالم من مسيرة موسيقية صحيحة، وكيف نعيد صياغة ذوقنا ونرتقي بمعيار نتخير به ما نسمع ونعزف ونغني ونبدع ونصوغ من جديد الأعمال.

#2#

الخلل جاء من تقليد الأفلام في الثلاثينيات التي قلدناها في الملبس والقصة والمشاهد والموسيقى والآلات والموضوعات. ومن الانبهار بحجم الأوركسترا عدد الآلات وشكل الحفلات الموسيقية في أوروبا وأمريكا رغم أن كل ذلك هو تطور منعكس لتطور الموسيقى الأوروبية العريقة وحاجاتها وتأليفها ومسيرتها.

الخلل جاء من مفاجأتنا بالتناغم والانسجام والنظام والترتيب والهارموني ــ التجانس الصوتي ــ والكاونتربوينت ــ التباين الصوتي ــ الذي يوظف في التأليف الموسيقي، والذي له دواعيه وطبيعته المناسبة للمقامين الرئيسين الموضوعين، والتعديل على السلم الغربي وتصنيع الآلات بما يناسب كل ذلك. مثل ذلك يقال عن أشكال الموسيقى الأخرى خارج إطار الموسيقى التقليدية عندهم.

الخلل جاء من ربط تأخرنا الحضاري بموسيقانا وتقدمهم الحضاري بموسيقاهم وهذا انطباع خاطئ. وردة الفعل كانت في التقليد والعمل بمثل ما يعملون واقتباس الأشكال والجمل والموضوعات والعمل بمنوال واحد معها ولو كان في وقت متزامن معاصر لإنتاج من إنتاجهم. الخلل جاء من الشعور بالدونية وعدم الوعي بغنى الهوية وعمق عراقة موسيقانا واتساعها وتنوعها وقابليتها للنمو والتنوع والخلق الجديد، وعدم الوعي بتقدير الآخرين لها وانبهارهم بها. زهدنا فيها من حيث طمع فيها غيرنا.

الخلل في إهمال منابع وجذور ثقافتنا الموسيقية وتقليد الأبعد والنهل منه بدل القريب وما يشاركنا كثيرا من الصفات والنظريات والذوق والشكل. ليتنا عندما بهرنا الأبعد فهمناه وهضمناه وربيناه في تربتنا وخلقنا منه راسخا عميقا، وبدلنا ما نحتاج إليه أكثر وجعلناه حلقة في سلسلة التطور. الخلل في مقارنة كل موسيقانا بتنوعها والحكم عليها بحكم واحد في التأخر، والتفكير في تجديدها من خلال الالتقاط من كل أنواع الموسيقى الغربية والشرقية القديمة والجديدة والبوب والتافهة والسوقية والأخذ منها وتطعيم موسيقانا بها من باب التحضر والإبداع.

الخلل في تصديقنا بموجة الحداثة التي جرفت كل مناهل الإبداع والإنتاج، وسوقت لها ودرستها في الجامعات ومهدت لها وسائل الانتشار، وكانت الموسيقى إحدى ضحاياها، ومنها موسيقانا وبأيدينا. وفي الانبهار بأساليب التعليم وبالمفاجأة بأهمية النظريات المكتوبة والتدوين الموسيقي وفاعليته في الحفظ والعزف المباشر في الوقت الذي لم يكن كل هذا موضع اهتمام سوى من قبل نخبة قليلة غير ذات بال من أهلنا بيننا.

الخلل في التهاون بأساسات راسخة في موسيقانا من الارتجال ودرء التكرار والتزمت في الجمل والطبيعة التي تترك مساحة لفردانية كل المؤدين والمؤلف والملحن والمغني، وجعل نسخ الآخرين أقرب طريق للتحضر. والخلل في أن نظن أن الموسيقى يمكن أن تكفيها النوتة الموسيقية والتدوين، والخلل في التهاون بالنوتة والتدوين والتوثيق والدراسة والتحليل والنقد خارج مستوى الصحف الصفراء والعلاقات الشخصية والتغطية الإخبارية.

الخلل في معاهدنا التي لم تعد تخرج جيلنا محنكاً متمكننا من أدواته ونظرياته مثل ما كان قبل المعاهد، وذلك لتقليد طريقة تدريس الأمم الأخرى التي تناسب موسيقاهم ــ هم يعانون ركودا في المواهب لخلل في ذلك عندهم بالمناسبة. أما نظامنا الموسيقي فلا تكفيه هذه الطريقة. أصبحت المعاهد تخرج من يستطيع أن يلبي حاجة اليوم من رديء إلى أردأ كل يوم، ومن يبهر ويتميز اليوم من شبابنا، هو من يشتغل على نفسه أو مع مجموعة مثله أو مع أناس خارج هذا المحيط الرسمي وتخيّر المصادر التي تغنيه.

الخلل في ندرة الراسخ من المصادر المكتوبة والمسموعة ومن الأساتذة والمشتغلين بالموسيقى وتفرغهم لمسؤولية التأثير والعمل مع الجيل الجديد.

والخلل في إعادة تدوير ما هو موجود من مناهج والسرقات والاستعجال والتساهل في إنتاج مادة عميقة سهلة التناول بكل الوسائل الحديثة من ورق وتسجيل وقنوات على الإنترنت وتواصل بين مدرس وطالب بشكل مباشر عن بعد وعن قرب. الخلل في ورود وسائل جديدة للانتشار والتسويق واستغلال السياسة والترويج بالموسيقى والغناء واستخدامهما للتسلية والترفيه وتمضية الوقت عبر وسائل من أسطوانة وراديو عام وسينما وتلفزيون وأشرطة كاسيت وأقراص وقنوات فضائية واحتكار ودعم. الخلل في تبعية الناس وعدم القدرة على التمييز بين الجيد والأجود والرديء وركوب أي موجة تأتيهم والاقتناع بها. الخلل في الإعلام العام الذي يبرمج الناس ويغير قناعاتهم ويحدد لهم ما يحبون ويتابعون ويسحرهم بالتكرار والكلام الرخيص.

الخلل في نظم تعليمنا وتربيتنا وتثقيفنا التي جعلت الجمهور والفنان والمشتغل بمجال الموسيقى ينبهر بكل مغاير ومختلف ولو كان تافها، من باب ما يسمى بآخر صرعة وإصدار والانتشار والتداول. الخلل في جعل الجمهور يقود الذوق أو ركوب الهم التجاري والربحي في الاعتماد على ما يتيسر بالكلمة لا بالموسيقى والشكل والمظهر ولا العمق والمعنى. الموسيقى أعظم من الكلمة التي تلحن والموسيقى التي توضع لها. فلتذهب الكلمة إلى الجحيم إن علت على الموسيقى ولم نتذكر الموسيقى إلا بها. الخلل في تسهيل الموسيقى والمقام والإيقاع وتبسيط الذوق وتيسيرها للمشتري ولو جاء ذلك بالاستغناء عن كثير من المقامات والإيقاعات والأشكال وكثير من الفنون والتقاليد والأصول.

الخلل أنه في حين أن مؤلفي الموسيقى والملحنين العظام، كانوا يأتون في تقاسيمهم وألحانهم وموسيقاهم المؤلفة بصور عميقة وشاملة للمقام المتناول والإيقاع وتناول الكلمات والتقطيع والتجويد الكلامي حسب موطنهم، لا نجد ذلك في جيل ما نسميه الموسيقى المعاصرة. الخلل في أن يعتمد جيل اليوم، هذه الموسيقى المعاصرة هذا الإرث مصدرا يستقي منه معارفه وذوقه وما يفترض أن يبني عليه في جديده، فيخرج محدوداً بحدوده متخبطا، الأسهل عليه هو المزج والتقليد والقص واللصق بدل البناء الواعي واليقظ والشامل الرؤية والخبرة. الخلل في التحرج من الاستماع إلى تسجيلاتنا القديمة وأساليبنا القديمة والإرث الموسيقي بشتى صنوفه الديني والدنيوي. الخلل في التصورات الشائعة والحرام والحلال في شغل موسيقيينا والتأثير في أذواقهم ومجالات اهتمامهم وإنتاجهم وقناعاتهم وتثبيطهم.

الخلل في تصور قلة أثر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ومجموعات العمل وارتباط ذلك بجمهور يتسع يوما بعد يوم، وتغير اقتصاد العالم، وتغير شريحة المهتمين بموسيقانا الجادة خارج حدودنا الجغرافية. الخلل في أن نعمل في مجموعات أو بشكل فردي لا نتعاون فيه مع الجادين الآخرين أو نترفع عليهم أو نجعل الشخصي بيننا حاجزاً لكلمة حق ودعم ومنافسة.

الخلل في أن الأمم التي يهمها تميزها وهوياتها، قامت من وحل ثقيل على روحها من موجة موسيقى البوب والرواج التجاري والموضة الرخيصة.. وبدأت تتعافى يوما بعد يوم، ونحن لا نعي أننا أمة ويجب أن نسارع إلى صحتنا والاعتناء بصورتنا الحقيقية التي نفخر بها ونحسنها يوما بعد يوم بدل التبعية والضعف والتقليد كمظهر من مظاهر الثقة الزائفة. الخلل في ألا نأخذ كل هذا الأمر بجدية تامة ونعمل على معالجته.

* موسيقي ومدون سعودي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية