الأحد, 11 أكتوبر 2026|28 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

"إننا لا نستطيع أن نبقى جامدين والعالم من حولنا يتغير، ومن هنا سوف نستمر - بإذن الله - في عملية التطوير وتعميق الحوار الوطني، وتحرير الاقتصاد ومحاربة الفساد، والقضاء على الروتين ورفع كفاءة العمل الحكومي، والاستعانة بجهود كل المخلصين العاملين من رجال ونساء، وهذا كله في إطار التدرج المعتدل المتمشي مع رغبات المجتمع المنسجم مع الشريعة الإسلامية".. كلمة خادم الحرمين الشريفين في مجلس الشورى 2006.

من سيتأخر عن التغيير كسنّة من سنن الكون؛ لن يجد له أحد موطئ قدم بعد حين من الدهر، وسيطويه الزمن في ذاكرته غير مأسوف عليه! أنت جزء من هذا العالم، تتأثر منه وتؤثر فيه، وفقا لمركزك وقوتك وتأثيرك، المعيار الرئيس في تسيير هذه المعادلة من الجذب والدفع، هو نجاحك في التحكم وتحقيق التوازن بين القوى والمؤثرات في الداخل من جهة، ومن جهة أخرى مثيلتها الآتية من الخارج والعالم المحيط بك، ليس عليك في هذا الصدد إلا أن تستهدف المحافظة على إبقاء هذا التوازن ساري المفعول، ترتكز في ذلك على ثوابت حضارية وثقافية لديك، لا يجب أن تخترق من أي طرف، وفي الوقت ذاته تتيح لرياح التغيير أن تلامس المتغيرات الناتجة عن مستجدات العصر، وتسمح لها بالتحول بما لا يزعزع الثوابت الصلبة لديك، وكي لا يفوتك ركب التطور وتحديث أنماط ونظم الحياة المتغيرة بطبيعتها.

تكتسب الأمم المتحضرة احترام التاريخ والعالم، وقبل كل ذلك المنتمين إليها، إذا حكم وجودها المبادئ السامية والعقل والرشد البالغ، وتفقده تماما حتى لا تجد لها أثرا بعد حين من الدهر في صفحات التاريخ البشري؛ إذا خالفت تلك السنن. ونحن إذ نسير بخطى تسابق رياح التغيير، لعل أهم مؤشراتها التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، بل كأولوية لا يسبقها اعتبار آخر، هو التغيير الذي يخضع له الإنسان السعودي، بما أصبح عليه من اختلاف جذري عن آبائه وأجداده، سواء على مستوى الوعي والانفتاح والمعرفة ودرجة التعليم، أو من حيث طبيعة الحياة التي يكابدها صباح مساء، بكل ما تحمله من فرص وخيارات أمامه، بعضها أصبح في متناول يده، وبعضها الآخر وقد يكون الأكثر، لا يزال بعيد المنال عنه، رغم أنه يحمل الأهلية الكافية للحصول عليه، وهذا هو مفتاح الحديث هنا.

كلما تأخر تمكين الإنسان ذي الأهلية والاستحقاق عما هو في الأصل حق وخيار مشروع له، اتسعت الفجوة بينه وبين المجتمع المنتمي إليه! وكلما اتسعت تلك الفجوة زمنا بعد زمن؛ رأيت كفة المخاطر وأسباب عدم الاستقرار تترجح بالتزامن التام مع تنامي تلك الفجوة، حتى يأتي الفاصل الزمني الذي تتشذر فيه وحدة المجتمع وكيان الأمة إلى شذرات لا يمكن جمعها مرة أخرى إلا بما لا تحمد عقباه! ليتحول ما كان في الأصل مهيأً لأن يرسخ وجوده كدرع حامية للمجتمع، إلى ثغرة وخطر داهم يهدد وجود الأمة وكيانها.

سأكون هنا أكثر تحديدا فيما يختص بهذه الفجوة الحضارية الخطيرة جدا، حتى لا يتشتت ذهن القارئ الكريم. فمن مصادر توسيع وترسيخ هذه الفجوة: (1) تأخر أو عدم تمكين الإنسان من الحصول على التعليم الكافي لتأهيله بما يتوافق مع قدراته ومهاراته ومواهبه التي منحه الله إياها، وهو حق يكفله له انتماؤه للمجتمع، يفترض تذليل جميع العقبات الاجتماعية والمادية التي تعرقل طريقه في سبيل نيله هذا الحق المشروع. (2) تأخر أو عدم تمكين الإنسان من الحصول على الرعاية الصحية الكافية، بدءا من الوقاية مرورا بالعلاج وانتهاء بحمايته من الأوبئة والكوارث، التي لا يقل استحقاقها عن حقه في الحصول على القدر الكافي من التربية والتعليم. (3) تأخر أو عدم تمكين الإنسان (رجلا، امرأة) المؤهل، من الحصول على فرصة العمل الكريمة، الملائمة لمهاراته وتأهيله العلمي، وضرورة أن تكفل فرصة العمل تلك القدرة على رفع الإنتاجية، مقابل حصوله لقاءها على الدخل الكافي بما يؤهله للقيام بأعباء معيشة أسرته التي يعولها، ويحقق له الاستقرار المادي والمعيشي اللازمين. (4) تأخر أو عدم تمكين الإنسان (رجلاً، امرأة)، من الحصول على الغذاء والماء ومختلف أساسيات الحياة الكريمة من الطاقة والخدمات الإنمائية والبلدية والنقل وغيرها من الأساسيات، التي لا يمكن أن تقوم حياة المجتمعات المعاصرة دونها. (5) تأخر أو عدم تمكين الإنسان (رجلا، امرأة) من تملك مسكنه الخاص، الذي يعد أحد أهم أسباب استقرار الإنسان وأسرته والمجتمع بأسره، وأن ترك هذا الخيار التنموي عرضة لأي استغلال من أي طرف آخر لتحقيق مصالحه الخاصة على حساب المصلحة العامة، هو في الحقيقة خرق واضح وصريحٌ لهذا الحق المشروع، وقد يصل إلى حد السلب والسرقة اللذين يستحقان العقاب. (6) تأخر أو عدم تمكين الإنسان المؤهل والمبتكر من استثمار وتطوير إما موهبته أو مدخراته أو إبداعه، بما لا يلحق الضرر بغيره، وبما سيكون في نجاحه وتفوقه عائد وقيمة مضافة إليه وإلى مجتمعه ووطنه، أو عدم حمايته من أشكال الاحتكار ومحاربة القوى النافذة.

كل ما أتيت على ذكره أعلاه لا يتعدى كونه أمثلة، لا على سبيل الحصر، في سياق الحديث عن مغذيات تلك الفجوة الخطيرة، التي متى ما وجدت وتفاقمت في أي مجتمع كان، فلا أقل من كونها ستلقي بالإنسان في هوة الإحباط والعزلة التامة عن المجتمع، وحينها سيكون صيدا سهلا لأي أخطار تبتلعه دون رحمة من مخدرات أو إرهاب أو جريمة أو خيانة للوطن أو أي خطر مما يهدد حياته وحياة المجتمع الذي ينتمي إليه.

إن علينا في هذه البلاد أخذ الأمر على محمل الجد، وأن تهيأ السبل أمام مؤسسات المجتمع المدني والمبدعين والمفكرين من أبنائها، لأجل تحديد خيارات المستقبل القريب، وقبل ذلك للخروج من الإشكالات والتحديات التنموية الراهنة، وهنا أؤكد على ضرورة رفع مساهمة تلك المؤسسات المدنية، لما تعاني منه الأجهزة الحكومية من رتابة وبطء في الأداء، مقابل ما نواجهه كأمة تسعى للتقدم والسير سريعا للمستقبل برأس مرفوع، وهمة طموحة، وهو ما تفتقر إليه بكل أسف تلك الأجهزة البيروقراطية. أختتم هذا الجزء من سلسلة مقالات (تحولات المجتمع السعودي) كما بدأته بكلمات لن تنسى لخادم الحرمين الشريفين -أيده الله، قالها أمام مجلس الشورى عام 2007: "لن نقف عند هذا الحد من التطور السياسي، ذلك أن التطور عملية مستمرة تحكمها ظروف ومراحل التطور الاجتماعي في الدولة، لذا سنواصل التطوير وسنأخذ بمبادئ الحكم الرشيد في إدارة الدولة والمجتمع، وسنعمل كل ما فيه خير الدين، ومصلحة الوطن والمواطن إن شاء الله". والله ولي التوفيق.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية