ليست المرة الأولى التي يتناول فيها مجلس الشورى برنامج السعودة ولن تكون الأخيرة، ولكن هذه المرة ركّز مجلس الشورى على التوظيف، بإنشاء لجنة في وزارة العمل تتكون من الجهات ذات العلاقة للتنسيق والإشراف على استراتيجية التوظيف السعودية، وتوفير الدعم اللازم لتنفيذها، حيث قدمت لجنة الإدارة والموارد البشرية، في المجلس ملحوظات الأعضاء وآراءهم تجاه التقرير السنوي لوزارة العمل للعام المالي المنصرم، وتلتها مطالبة مجلس الشورى وزارة العمل بإعداد دليل موحد للأنشطة الاقتصادية والمهن المرتبطة بها، والإسراع في إنشاء ملحقيات عمالية في ممثليات المملكة في الدول، التي تستقدم منها أكثر العمالة.
ولم يفت المجلس أن يشيد بأهمية استمرار جهود وزارة العمل بالتنسيق مع وزارة الداخلية لتصحيح أوضاع العمالة الوافدة المخالفة لأنظمة الإقامة والعمل، مع ضرورة الإسراع في وضع الآليات المناسبة لتأهيل الشباب السعودي للعمل في شركات المقاولات وشركات الصيانة في التخصصات المطلوبة التي تحتاج إليها سوق العمل، حيث دعا مجلس الشورى وزارة العمل إلى وضع ميثاق لأخلاقيات العمل والتأكيد على تطبيقه في مختلف قطاعات العمل.
لقد طالب مجلس الشورى وزارة العمل بإلزام الشركات الكبيرة التي تملك أغلبيتها الدولة وكذلك التي تحصل على امتيازات من الدولة بالتوظيف المباشر للسعوديين وعدم تحويل أعمالها المستمرة إلى شركات أو مؤسسات أخرى؛ لأن توطين فرص العمل ليس مشروعا مؤقتا بل هو خطة عمل طويلة الأمد، وقد استفادت المملكة من بعض التجارب لدول مشابهة لنا في ظروفها الاجتماعية واحتياجها إلى العمالة الوافدة، ومن تلك التجارب استخدام قواعد البيانات في سوق العمل من أجل المعرفة الدقيقة بالأرقام لتوطين الوظائف، ويمكن أن تسهم في تطوير الأدوات المستخدمة، خصوصا أن تلك التجارب تعتمد في الواقع على جمع المعلومات بأعلى جودة ممكنة ومقاربتها مع طبيعة تخصصات الخريجين والباحثين عن العمل من المواطنين، فضلا عن أنها تحدد أطراً ثابتة لمستويات الرواتب، إضافة إلى استحداث وظائف تتوافق مع مخرجات التعليم واحتياجات السوق.
إن الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الدولة لتصحيح أوضاع العمالة قد آتت أكلها وثمارها وتحققت منها الأهداف المنشودة، التي منها الاستغناء عن العمالة غير النظامية التي كانت تشكل في الماضي عبئا ثقيلا جداً وغير مبرر على اقتصاد المملكة، كما أن الجهود والمبادرات التي بذلتها وزارة العمل في مجال التوطين والسعودة محل تقدير، وسيظل القضاء على ظاهرة العمالة المخالفة للأنظمة مرتبطا بعدم التراجع أو التراخي في تنفيذ التعليمات ومتابعتها وإيضاح الأخطاء ومعالجتها.
وتبقى مسألة توطين الوظائف في القطاع الخاص هاجساً متواصلاً حتى في ظل تحقيق تقدم ملموس فيها، وعلى الرغم من أنها تشكل أساساً في كل استراتيجيات التنمية المعتمدة، إلا أنها تخضع للتقدم والتراجع، حسب القطاعات والاحتياجات وطبيعة الوظائف نفسها، حيث وضعت المملكة مجموعة من الخطط لتوطين الوظائف في القطاع الخاص، وقد بدأت السعودية بالفعل الاستعانة بمنظمة العمل الدولية، لوضع خطط ورؤى مشتركة معها، والسعي إلى إنشاء لجان عمالية في كل شركة داخل المملكة، وهي خطوة جيدة، بدأت بقية دول مجلس التعاون التفكير في الإقدام عليها، لتحقيق الهدف المنشود.
وإذا ما استمرت وتيرة التوظيف على هذا المنوال، فإن المملكة ستشهد تقدما تاريخيا في مجال التوظيف، في ظل حراكها التنموي الهائل، الذي يعتمد على استثمارات كبيرة ومتعددة في كل المجالات، غير أن الأمر لن يمضي دون منغصات أو تجاوزات. فالشركات والمؤسسات الخاصة، ستحاول بكل الوسائل الممكنة الحفاظ على مكتسباتها الناجمة عن عدم توظيف السعوديين، سواء بحجج حقيقية أو وهمية.
