الأحد, 11 أكتوبر 2026|28 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

ما إن ترتفع أسعار النفط عالميا، إلا وتصب وسائل الإعلام الدولية غضبها على منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك"، وتحملها بالطبع مسؤولية الارتفاع.

ولا تعجز وسائل الإعلام الغربية عن إيجاد مبررات للهجوم والنقد، والنقطة المحورية في هجومها دائما هي تراجع مستوى معيشة المستهلكين في البلدان الأوروبية وأمريكا جراء ارتفاع أسعار النفط ومن ثم مشتقاته.

ومع تراجع أسعار البترول بمعدلات متواصلة، بحيث فقد قرابة 25 في المائة من قيمته خلال الأشهر الأربعة الماضية، وسط توقعات بأن تواصل الأسعار الانخفاض خلال الجزء الأكبر من العام المقبل، فإن السؤال هو: ما هي المبررات التي تجعل أسعار المشتقات النفطية مثل البنزين والسولار مرتفعة في أوروبا وتحديدا بريطانيا؟

من الصعب هذه المرة أن يوجه أحد أصابع الاتهام إلى "أوبك"، فارتفاع أسعار المشتقات النفطية في بريطانيا في وقت تنخفض فيه أسعار النفط يوميا في الأسواق، دفعت كبار المسؤولين في الحكومة ومن بينهم جورج أوزبورن وزير المالية البريطاني، وداني أليكساندر أمين عام وزارة الخزانة إلى تحميل شركات النفط المسؤولية، واتهامها علانية بأنها لا تقوم بخفض أسعارها وفقا لقواعد العرض والطلب، وأنها تحافظ على الأسعار مرتفعة لتحقيق أعلى معدلات من الأرباح، حتى وإن كان ذلك على حساب مصلحة المستهلكين.

"الخناقة" الراهنة بين داني أليكساندر أمين عام الخزانة البريطانية وشركات النفط، تم الكشف عنها عندما سرب للصحف البريطانية رسالة وجهها المسؤول البريطاني إلى عملاقة النفط وكبار شركات بيع المشتقات النفطية في بريطانيا جاء فيها أنه "عندما تنخفض أسعار النفط، فإن الجمهور لديه الحق أن يتوقع تراجع أسعار المشتقات النفطية وتسقط كحجر وليس كريشه".

رسالة المسؤول البريطاني أبرزت مدى انزعاج حكومة حزب المحافظين من سياسة التسعير لدى شركات النفط البريطانية، وأوضح مديسون براين الاستشاري في وزارة المالية البريطانية لـ "الاقتصادية"، أنه في مثل هذه الظروف الاقتصادية المرتبكة التي نمر بها في بريطانيا، فإن للمستهلك كل الحق في أن ينتابه الغضب من الأسعار المرتفعة للبنزين والسولار، وخاصة مع مقدم فصل الشتاء وارتفاع استهلاك المواطنين من الطاقة، كما أن خفض أسعار الطاقة محليا سيساعد كثيرا على خفض تكلفة الإنتاج للعديد من الصناعات، خاصة صناعات التصدير، مما يعزز القدرة التصديرية للصناعات البريطانية في مواجهة المنافسة الدولية".

بطبيعة الحال فإن شركات النفط البريطانية وبما تمتلكه من آلة إعلامية ضخمة لم يكن من الممكن لها أن توجه نيرانها لمنظمة أوبك هذه المرة، وتحملها كالعادة المسؤولية عن ارتفاع الأسعار، لكنها وجهت نيرانها إلى الحكومة البريطانية ذاتها وحملتها المسؤولية نتيجة النظام الضريبي.

وأشار جليستر آرثر نائب الرئيس التنفيذي لمجموعة بيكر هيجهيجز العاملة في مجال النفط والغاز لـ "الاقتصادية"، إلى أن الحكومة تتلاعب بمشاعر المستهلكين دون إطلاعهم على تفاصيل المشهد، فإذا كانت وزارة المالية تستهدف خفض الأسعار فعليها أن تخفض الضرائب المفروضة على الوقود. وشركات النفط البريطانية تبذل أقصى ما في وسعها لتقديم المشتقات النفطية بأرخص الأسعار، وما لا تقوله الحكومة هو أن تكلفة النفط الخام تمثل فقط قرابة ثلث السعر في منافذ البيع بينما تبتلع الضرائب والرسوم الحكومية نحو ثلثي القيمة، ومن ثم ليس من العدل تحميل الشركات النفطية مسؤولية ارتفاع الأسعار بمفردها.

إلا أن بعض من الاقتصاديين البريطانيين يرون أن الكرة ملقاة حاليا في ملعب عمالقة النفط البريطانيين، وأن الحكومة سيكون من الصعب عليها في الوقت الحالي وفي ظل تذبذب معدلات النمو الاقتصادي الراهن، واقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقرر لها منتصف العام القادم تقريبا، أن تقوم بخفض الضرائب على واردات النفط لما لذلك من تأثير سلبي في الميزانية العامة، وأنها في أفضل الأوضاع ستلتزم بتعهدها بتجميد الرسوم على الوقود. ويقول الباحث الاقتصادي جريتر جوردن لـ "الاقتصادية"، إنه في عام 2011 خفضت الحكومة الرسوم على الوقود بما يعادل مليما واحدا، ولاحقا جمدت الضريبة على الوقود هذه الخطوة وكلفت الميزانية العامة 22.5 مليار استرليني، ولا أعتقد أن بريطانيا التي دخلت في شجار عنيف مع الاتحاد الأوروبي لمطالبته لها بنحو 2. 2 مليار يورو يمكن أن تقدم على خطوة تضعف من حصيلتها من الضرائب والرسوم على الوقود.

وأضاف أن عملية تجميد الرسوم على الوقود التي تعهد بها وزير المالية حتى موعد الانتخابات البرلمانية يقابلها تعهده برفع قيمة تلك الرسوم بما يزيد على معدل التضخم إذا ما انخفض سعر البرميل عن 75 دولارا، باختصار أن ما يقدمه من تنازلات سيحصل عليها بطريقة أخرى.

وفي إطار الضغط الحكومي والشعور بغضب شعبي من عدم حصول المستهلك البريطاني على أي عائد من تراجع أسعار النفط عالميا، قام عدد من السوبر ماركتس الكبرى التي تمتلك محطات لبيع المشتقات النفطية للجمهور، بخفض الأسعار بمقدار مليم واحد، وهو خفض لم ينل رضا معظم المستهلكين لعدم تأثيره وجدواه الملموسة بشكل ملحوظ على فاتورة استهلاك الوقود وخاصة بين فئة سائقي الشاحنات وشركات النقل التجاري.

وبالفعل فقد بدأ قسم التحقيقات في عملية النصب والاحتيال في التحقيق فإذا كانت ادعاءات بعض سائقي النقل بأنهم تعرضوا لعملية احتيال من قبل شركات النفط جراء تثبيت الأسعار، حقيقية أم لا، وهو ما تنفيه شركات البترول في بريطانيا.

وتشير بعض الدراسات الحديثة إلى أنه في الوقت الذي تراجع فيه سعر النفط عالميا بنحو 27 دولارا للبرميل فإن نسبة الانخفاض بالنسبة للمستهلك البريطاني لم تتجاوز 6.75 مليم للتر الواحد، وفي أفضل تقدير فإن أسعار المشتقات النفطية لن تتراجع بأكثر من 20 مليما للتر، وقد طالب اللوبي المعروف بمسمى "وقود عادل للمملكة المتحدة" بفتح تحقيق من قبل مكتب "التجارة العادلة" لمعرفة حقيقة أسعار الوقود في بريطانيا، ومن يتحمل مسؤولية عدم انخفاضها بمعدلات تتناسب مع تراجع أسعار النفط عالميا.

ووسط هذه الضجة التي تشهدها بريطانيا بشأن أسعار مشتقات الوقود محليا، فإن بنك إنجلترا يبدو الأكثر ارتياحا لانخفاض أسعار النفط دوليا، فهذه الأنباء إضافة إلى المصاعب الاقتصادية التي يعانيها الاتحاد الأوروبي خاصة بلدان منطقة اليورو، ترفع العبء عن المصرف بزيادة أسعار الفائدة، وهو ما دفع لجنة السياسات المالية التابعة للمصرف إلى التصويت بنسبة 7 إلى 2 أخيرا لصالح الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستواها الحالي 0.5 في المائة.

وتقول ماري ستانلي العضو السابق في لجنة السياسات المالية للمصرف والاستشارية في مجموعة لويدز المصرفية لـ "الاقتصادية"، في الشهر الماضي كشفت البيانات أن التضخم تراجع في المملكة المتحدة إلى 1.2 في المائة في شهر أيلول (سبتمبر)، بينما الأجور لم تتحسن بأكثر من 0.7 في المائة.

وأشارت إلى أن انخفاض أسعار النفط عالميا يعني أن التضخم سيتراجع إلى معدلات أدنى في المستقبل، وإذا أخذنا في الاعتبار أن الشركاء التجاريين الكبار لبريطانيا مثل الصين والاتحاد الأوروبي تتراجع معدلات النمو لديهم، فإن هذا يؤكد أن بريطانيا لن تقدم على رفع أسعار الفائدة حتى صيف العام المقبل.

وبينما يتوقع المراقبون أن يتواصل الجدل داخل المملكة المتحدة حول كيفية تحقيق أقصى استفادة اقتصادية ممكنة في ضوء انخفاض أسعار النفط، فإن حدة التلاسن تتصاعد بين أنصار استقلال اسكتلندا والمدافعين عن البقاء داخل المملكة المتحدة.

وعلى الرغم من حسم الأمر عبر الاستفتاء ببقاء أدنبره جزءا من المملكة المتحدة، فإن هذا لا ينفي الاحتقان المكتوم والقائم بين الطرفين، إذ قدرت خسائر اسكتلندا من تراجع أسعار النفط بنحو ثلاثة مليارات دولار خلال العام المالي 2013-2014، بينما تشير التقديرات إلى أن تواصل انخفاض الأسعار يعني أن خسائر أدنبره ستقفز إلى 8.7 مليار دولار خلال الفترة 2016-2019، وهو ما يدفع أنصار الاتحاد إلى القول إن التدهور الراهن في أسعار البترول يكشف عن حكمة المنادين بالبقاء جزءا لا يتجزأ من بريطانيا العظمى.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية