الأحد, 11 أكتوبر 2026|28 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

يبدو أن قردة الكبوشي تعرف ما الخطأ في عدم المساواة. بما أنه يتم تدريبها بسهولة للقيام بالأعمال المنزلية مقابل الطعام، كأن يتم الاحتفاظ بها من باب خدمة المُقعدين غير القادرين على مغادرة المنزل. لكن الشيء الوحيد الذي لن يتحمله قرد الكبوتشي هو الأجر غير العادل. يمكن أن يؤدي القرد بعض المهام البسيطة مقابل شرائح من الخيار، لكنه إذا رأى أحد الجيران من القرود تتم مكافأته بالعنب مقابل القيام العمل نفسه، فإنه يتوقع زيادة. وإذا واصلتَ إعطائه الخيار أجرا سيرمي بالمكافأة في وجهك.

لقد اكتشف العلماء المختصون في الثديّيات شعلة العدالة تخفق في قلوب القِردة قبل أكثر من عقد من الزمن، عندما كان لا يزال كثير من الناس يعتقدون أن ثروات الأغنياء الكبيرة لا تهم كثيراً طالما أن الجميع كان لديه ما يكفي. منذ ذلك الحين، توسعت وانتشرت روح العصر. وأصبح عدم المساواة يبدو خبيثا على نحو متزايد. ويعتقد داني دورلينج، أستاذ الجغرافية البشرية في جامعة أكسفورد، أنه في العام الماضي كان هناك العديد من المظاهرات الكبيرة في أنحاء العالم كافة بقدر أربعة أضعاف التي كانت في عام 2006، والعديد منها كان مستوحى من الحصة المتصاعدة التي تستحوذ عليها القلّة الأغنى.

الأرقام صارخة بالتأكيد. منذ عام 1980 تضاعفت تقريباً حصة إجمالي الدخل التي تحصل عليها فئة الـ 1 في المائة الأعلى من العاملين الذين يتلقون أجراً في بريطانيا، لتصبح نحو 13 في المائة في عام 2011، الأمر الذي عكس اتجاهاً مدته ثلاثة عقود نحو المزيد من عدم المساواة. وكانت القصة مماثلة في بلدان أخرى في الغرب. كان من السهل التغاضي عن ذلك في الأوقات المزدهرة، عندما كان متوسط الأجر يشتري أكثر قليلاً كل عام ويمكن بسهولة الحصول على الذي لا يمكن دفع ثمنه نقداً عن طريق الائتمان. لكن في الأعوام الستة الماضية انخفضت القوة الشرائية لمتوسط الأجر في المملكة المتحدة بواقع العُشر - وجزء مما تبقى يجب أن يُغطي ثمن البذخ في الماضي.

التبذير المستمر من القلّة المنيعة بدأ يُسبب الانزعاج. الصدع الاقتصادي الذي كان يتوسع لعقود أطلق العنان لسيل من الاحتجاجات في عام 2011، عندما لبى المتذمرون من مانهاتن إلى مدريد نداء عالميا لاحتلال أقرب مركز للسلطة المالية. لكن شكواهم الحادة تم نبذها بسهولة كبيرة مثل الحُصرم. عبارة "نحن الـ 99 في المائة" كانت الأنشودة في حديقة زوكوتي في نيويورك - لكن في الواقع كانوا بضعة آلاف من الناشطين، ومهما كانت جدارة حجتهم، الكثير من شكواهم (رسوم الدراسة الجامعية، وظروف قروض الطلاب، ومصادرة المساكن نتيجة عدم تسديد القروض العقارية) كانت تشغل شريحة ضئيلة. كان المراقبون المتعاطفون يرون حركة أوكيوباي وول ستريت (احتلوا وول ستريت) باعتبارها احتجاجا أخلاقيا. لكن آخرين اعتبروها اعتصاما ـ وطلبا غامضا بأن أولئك الأوفر حظاً ينبغي عليهم التخلّي عن غنائمهم.

كتاب "عدم المساواة وفئة

الـ 1 %" للمؤلف داني دورلينج يتناول مهمة استخلاص أهم جوانب المظالم الإقليمية المريرة في حجة واضحة ضد عدم المساواة التي قد تقوم أيضاً بإقناع الأغنياء المُثقفين. وفقاً لدورلينج، المشكلة هي أن عدم المساواة يسبب صعوبات. إذا تم منح الأغنياء الكثير من الحرية، فإنهم سيجذبون المزيد من المال والسلطة، الأمر الذي يفكك أواصر التماسك الاجتماعي حتى تصبح الحياة بالوسائل العادية بائسة. كذلك يقدم الكتاب أدلة تُشير إلى أنه في المجتمعات غير المتكافئة يكون الأشخاص في صحة أقل، وتعليم أسوأ، وحرية أقل للتصويت، وعمر أقصر، وسعادة أقل من نظرائهم الأكثر إيماناً بالمساواة.

#2#

هذا الكتاب يعتبر أكثر إثارة للجدل من الكتب المملة التي اعتاد دورلينج كتابتها، التي توجد من بينها كتب كئيبة لكنها تعمل على نشر الأفكار بشأن التغير الاجتماعي. ولا يزال لديه موهبة العثور على الأرقام التي تقوم بتجميع أحد الاتجاهات وفي الوقت نفسه إثبات محنة البشرية التي تلي ذلك. من خلال رسم تأثير عدم المساواة على الصحة، يذكر أنه في عام 2010 كان من المتوقع أن يموت الرجال في جلاسجو (واحدة من أفقر المدن في بريطانيا) بمتوسط يبلغ 14 عاماً أصغر من أولئك الموجودين في مناطق كينزينجتون وتشيلسي في لندن. في الماضي، عندما كانت الانقسامات الاقتصادية حادة في اليابان أكثر من أمريكا، كان اليابانيون هم الذين يموتون أصغر عمراً؛ الآن كلتا الحقيقتين تغيرت تماماً.

إذا كان عدم المساواة مميتا بالقدر الذي يُشير إليه دورلينج، فهو بالتأكيد مُحق في الإصرار على أن "هذا، قبل كل شيء، هو السبب في أن الأموال التي تحصل عليها فئة الـ 1 في المائة الأعلى يجب تقليصها". لكنه نادراً ما يروي القصة كاملة. صحيح أن الفقراء يغلب عليهم الموت في وقت مبكر – إلا أن سكان جلاسجو يموتون في وقت أبكر مما يستطيع فقرهم تفسيره - لكنه هنا يُقلل من أهمية دور فحوصات مرض السل وتدابير الصحة العامة الأخرى.

دورلينج لم ينشر كتابه الأخير "كل ما هو صلب" إلا في شهر شباط (فبراير)، وهو عن سوق الإسكان البريطانية. والكتاب يبدو مثل عمل أحد المؤلفين المستعجلين الذين لا يهتمون كثيراً باحتمال أن يكونوا مُخطئين. هذا أمر مؤسف، لأنه قد لا يكون مخطئاً. ولدى دورلينج الكثير لنتعلمه من دراسة أفكار بلدان أخرى حول كيفية مساعدة شعوبها على الازدهار. لكن قراءته للأدلة تترك المرء في حيرة بشأن أفضل دليل لهذا التضاريس.

ويوجد أيضاً سؤال أوسع بشأن النهج الذي يقوم كتاب دورلينج بتجسيده. الإحصاءات هي دليل غير تام على الواقع الاجتماعي، ومقاييس عدم المساواة تعتبر ضبابية بشكل خاص. إن المساواة بين المواطنين أمر مثالي يستحق الدفاع. لكنها ليست الشيء نفسه مثل الثروة الخاصة الموزعة بالتساوي - التي، رغم كل الاهتمام الذي تلقاه، هي على الأرجح مؤشر لا يوفّر معلومات مفيدة عن كيفية قيام المؤسسات الاقتصادية بتكبير أو تقليل فرص الازدهار للأشخاص. ويجدر بنا أن نتذكر أنه، عندما بدأت الحكومة البريطانية في الثمانينيات ببيع المساكن التابعة للدولة إلى المستأجرين، الأسر التي كانت في السابق تملك القليل من الأصول ازدهرت في مجال العقارات. لكن في المقابل تلاشى الإسكان ذو الإيجار المنخفض.

لذلك ما إذا كانت بريطانيا قد أصبحت أكثر "مساواة"، بأي معنى يستحق الرغبة، هو سؤال لا تستطيع الأرقام وحدها الإجابة عنه. يعمل خبراء الإحصاء على تقليص صورة معقدة إلى نقطة مُعبّرة واحدة، لكن جون كامبفنر في كتابه "الأغنياء: من العبودية إلى اليخوت الكبيرة" فعل العكس. ويشعر الأغنياء بالتفاصيل المذهلة عن حياة مجموعة مثيرة للاهتمام من الشخصيات فائقة الثراء، من الجنرال الروماني ماركوس ليسينوس كراسوس إلى أنصار حُكم القلة في الوقت الحاضر. اهتمام كامبفنر بهذا العالم الذهبي بدأ عندما كان مراسلا لـ "فاينانشيال تايمز" في موسكو (ترك العمل في الصحيفة عام 1998). عندما سقطت الشيوعية، بعض سكان موسكو الذين عرفهم كامبفنر أصبحوا أغنياء، واستنتج أن الثروة كانت بمثابة مادة مُسكرة تكون آثارها ثابتة على مر العصور. إنها تجعل الأشخاص مُخيفين وبدون رحمة، وتشوه رؤيتهم حتى يبدو النجاح والثراء الذاتي كأنهما الشيء نفسه.

#3#

كراسوس كان وقحاً في رغبته في الثروة. فقد تمت تبرئته ذات مرة من "علاقة حميمية جنائية" مع واحدة من عذارى روما الطاهرات، لأن القُضاة كانوا يعتقدون أنه على الأرجح كان يطمع بممتلكاتها أكثر من سريرها. ولكونه سيد الابتزاز، كان يرسل العبيد لحرق المباني، مع تعليمات بعدم إخماد الحريق إلا إذا قام أصحابها بالبيع، بحيث جمع ثروة من شأنها جعله لا غنى عنه بالنسبة للنخبة في روما. كذلك قام بجمع الجيوش، وإقراض أهل السلطة، ومنح الشيوخ مكانا للعيش فيه. لكنه بسبب توقه للحصول على مكان في التاريخ، فقد مات في حملة عسكرية لم يكُن مؤهلاً لخوضها. والصراع على السلطة الناتج بين يوليوس قيصر وبومباي كان بداية تراجع الجمهورية الرومانية.

كذلك كافح مانسا موسى لترك شيء خلفه. هذا الملك من مالي في القرن الرابع عشر حكم إمبراطورية أنتجت، في ذروتها، ثُلثي ذهب العالم. ولرغبته في أن يترك بصمة وتأثيرا، سعى إلى وهب ثرواته. وكان ذلك بمثابة فشل مُذلّ. فقد تبرع بكثير من عملاته الذهبية أثناء تأديته مناسك الحج في مكة، حيث إن المعدن الثمين فقد قيمته تقريباً، ما أجبره على اقتراض النقود لرحلة العودة إلى البلاد. (هناك إحسان ثان انتهى بسعادة أكثر: شيّد مدينة الواحة تمبكتو، التي على مدى قرنين ونصف القرن كانت بمثابة مركز ثقافي وتعليمي بارز. إنها خطوة تمهيدية مذهلة للعمل الخيري الحديث.

وكتاب كامبفنر غني بمثل هذه الهدايا، إلا أنه يتعهد بشيء أكبر: رواية كاسحة تتعقب النسل من عظمة العصور السابقة إلى حُكم القلّة وكبار رجال الأعمال في وقتنا الحاضر. ويُصرّح في الجملة الأخيرة من كتابه بأن "انتصار الثراء الفاحش في القرن الحادي والعشرين هو نتيجة تاريخ مكون من ألفي عام". أنا لست متأكداً من ذلك. إذا قارنّا قصة كراسوس مع قصص بيل جيتس وأندرو كارنيجي، نلاحظ تغييراً في معنى الثروة. فليس بالإمكان بعد الآن عدم تمييزها عن السلطة السياسية. في الديمقراطيات أصبح الأغنياء مكروهين، لكن ليسوا مُخيفين بعد الآن.

صحيح أن كثيراً من الناس يتصرفون كقطاع الطرق ويستخدمون الغنائم غير المشروعة لرشوة الحرّاس. وأن المديرين يدفعون مبالغ طائلة لبعضهم بعضا من خزائن الشركات التي يحتفظون بمفاتيحها. وغالباً ما تتم إدارة المصارف والأسواق المالية لمصلحة العاملين فيها. والأمر الذي يبعث على الاستياء الشديد هنا هو ليس عدم المساواة لكن النذالة التي يصعب إيقافها عندما يكون المخالفون مسيطرين على المال والنفوذ ـ الشيء نفسه ينطبق على الجريمة المُنظّمة. لكن من المبالغ الإشارة أن سيادة المواطنين قد ضاعت.

ويجادل داريل إم ويست في كتاب "أصحاب المليارات: تأملات في الطبقة العلوية"، بأن إنجازات الجمهوريين ربما تآكلت بسبب الثروة المُركّزة. السلطة ربما لا تكون للبيع بعد الآن، لكنها في بعض الأحيان تكون للإيجار، وهذا ينبغي أن يجعلنا نشعر بالغثيان. هناك ملياردير مبتور اليد يُدعى بيتر لويس كان ينفق بحرية على حملات استفتاء لإضفاء الشرعية على الماريجوانا في عدة ولايات، بعد أن وجد أن المخدرات ساعدته على التعامل مع الألم. الجماعات الدينية عارضته، لكن مقابل عشرات الملايين التي أنفقها لم يكُن بإمكانهم حشد سوى مجموعة صغيرة صاخبة ليست ذات أهمية. وأنفق مايكل بلومبرج 260 مليون دولار على حملته ليصبح (ويبقى) عمدة نيويورك. وفي عام 2009 وحده، كلّفه كل صوت لمصلحته 184 دولارا. بإمكانك القول إن الغاية تبرر الوسيلة. الأثرياء لا يفوزون دائماً لكن النقود تتحدث - وفي بعض الأحيان تقترع.

ويست، الذي عمل في جامعة براون وهو الآن في معهد بروكينجز - كلاهما يعتمد على الجهات الراعية الثرية - يؤكد لنا أن أصحاب المليارات الذين يعرفهم شخصياً لديهم "احترام للاستقلالية المؤسسية". وتحذيره يعتبر تحذيرا معتدلا، لا ينبغي أن يتجاهله أي ديمقراطي.

مع ذلك، من السابق لأوانه إعلان الهزيمة. بيل جيتس يعتبر أغنى أغنياء أمريكا، إلا أن صلاحياته ضعيفة. لقد اشترى له المال حياة مهنية ثانية يكون فيها مسؤولا عن مبادرة الصحة العامة التي أسسها بنفسه. كراسوس، الرجل المعروف بإخماد تمرد العبيد، ربما لم يكُن سيعتبر هذا انتصاراً. كارنيجي أيضاً تحوّل إلى الأعمال الخيرية في نهاية حياة مهنية مجردة من المبادئ. لم يكُن لديه أي خيار إذا كان سيتمكن على الإطلاق من ممارسة السلطة الكامنة في ثروته. لقد تحوّلت العوامل المتغيرة للمسؤولية الاجتماعية. الغني يملك القوة، لكنه يفتقر للسلطة. مهما كان الذي يرغبونه، عليهم تقديم شيء في المقابل - وإذا كان هذا هو الأمر الشائع، فإنه أيضاً معجزة من غرائب الحداثة.

قبل الأزمة، افترض كثير من الغربيين أنهم كانوا يعيشون في مجتمعات عادلة. الآن هم أكثر حكمة. لكن الانشغال بالفوارق الاقتصادية كلٌّ بطريقته الخاصة هو بمثابة وهم مريح. عدم المساواة مزيج من شيء ثمين وشيء بغيض: فائض الثروات، واليأس من الفقر. والحديث عن عدم المساواة بدلاً من الحرمان، يسمح لأولئك الذين ليسوا أغنياء ولا فقراء بوضع أنفسهم بين الضحايا ـ حيث يمكن أن تبدو وكأنها ذريعة ضعيفة.

إن حدسنا الأساسي بشأن العدالة ينبغي ألا يحجب العلل الاجتماعية العميقة التي منها يمكن أن تصبح السلسلة الصاعدة من القلة من الأغنياء مجرد أعراض. كذلك ينبغي لنا عدم تصوّر أن المسؤولية عن وصمة العار الأخلاقية الحقيقية، والفقر القائم، تكمُن داخل الثراء الفاحش وحده.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية