طرأ تحسن طفيف أمس على أسعار الذهب في الأسواق العالمية، بعد أن تراجع لأدنى مستوى له خلال السنوات الأربع ونصف الماضية، ومع هذا فإن التعافي لم يترك أي بصمة تفاؤلية في الأسواق تجاه المستقبل، فمعظم المؤشرات توضح أن الأسعار ستظل عند مستوى منخفض خلال الفترة المقبلة، وأن المعدن الأصفر سيحقق خسائر.
غياب التفاؤل في أسواق المعدن النفيس يعود إلى شعور كبار التجار بأنه لا توجد رغبة في أسواق الطلب لإنعاش عمليات شراء واسعة النطاق، وبالنسبة للعديدين فإن الذهب فقد بريقه على الأقل حاليا، ويكشف تحليل الطلب الراهن أن عملية الشراء لا تنصب على الذهب بوصفه ذهبا، وإنما تتركز على المجوهرات.
وتعافى الذهب أمس قليلا بعد وصوله إلى أدنى مستوياته في أربع سنوات ونصف السنة لكنه يتجه على ما يبدو إلى تسجيل ثالث خسائره الأسبوعية على التوالي مع صعود الدولار بفعل التفاؤل الاقتصادي وتوقعات بأن يرفع مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) أسعار الفائدة عاجلا وليس آجلا.
وبعد تداولات محدودة في بداية الجلسة نزل سعر الذهب في العقود الأمريكية الآجلة 1 في المائة إلى 1130.40 دولار للأوقية (الأونصة) مسجلا أدنى مستوى له منذ آذار (مارس) 2010 وسط أحجام تداول كبيرة.
لكن قرب الساعة 0635 بتوقيت جرينتش صعدت الأسعار نحو عشرة دولارات في ظل ارتفاع أحجام التداول، وبحلول الساعة 0801 بتوقيت جرينتش بلغ سعر الذهب في العقود الأمريكية الآجلة 1141.20 دولار للأوقية بانخفاض 0.12 في المائة، ونزل سعر الذهب في المعاملات الفورية نحو 1 في المائة إلى 1131.85 دولار للأوقية مسجلا أدنى مستوياته منذ نيسان (أبريل) 2010.
وقال متعامل في المعادن النفيسة في هونج كونج "إن الهبوط الحاد في أسعار الذهب يرجع إلى أوامر بيع لوقف الخسارة دون 1138 دولارا للأوقية".
وجاءت التقلبات الحادة في أسعار الذهب والفضة قبل ساعات من صدور تقرير الوظائف في القطاعات غير الزراعية في الولايات المتحدة الذي قد يزيد من الدلائل على قوة الاقتصاد بما يضر الذهب باعتباره ملاذا آمنا.
ويعتقد عدد من المحللين في مجلس الذهب العالمي أن مجموعة من العوامل المشتركة أسهمت في الوضع السيئ الذي تمر به أسواق الذهب عالميا.
ويقول أندروا جاينست رئيس المحللين الاقتصاديين في مجلس الذهب العالمي لـ"الاقتصادية"، "إنه ربما يكون تحسن سعر الدولار، والقناعات السائدة لدى كبار المستثمرين الدوليين بأن الاقتصاد الأمريكي يحقق مزيدا من النمو، وأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سيرفع أسعار الفائدة عاملا رئيسيا وراء انخفاض الذهب لكنها ليست العامل الوحيد".
وأضاف أن "علينا أن نأخذ في الاعتبار انخفاض الطلب الأوروبي والصيني جراء تراجع معدلات النمو الاقتصادي، ويعد التضخم أكبر مشجع لشراء الذهب لكنه في أدنى مستوى له في أوروبا وهو ما لا يحفز على الشراء، كما أن الأزمة الأوكرانية وإن لم تحل إلا أن حدة العنف تراجعت وهذا أدى إلى تراجع الطلب أيضا".
وبالفعل ففي صيف العام الماضي وعندما انخفضت أسعار الذهب فإن المستهلكين الصينيين شنوا هجوما شرائيا واسع النطاق، ولم يسفر هذا الهجوم الشرائي فقط عن وضع الصين في مقدمة الدول المستهلكة للذهب في العالم، وإنما أنقذ أسواق المعدن النفيس من مزيد من التدهور، إلا أن هذا لم يحدث هذا العام، وقد أعلنت جمعية الذهب الصينية أن استهلاك التجزئة تراجع بمقدار الخمس خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي مقارنة بذات الفترة من العام الماضي لتبلغ فقط 754.8 طن.
وفي بيان لها أوضحت جمعية الذهب الصينية مبررات هذا السلوك الحذر من قبل المستهلكين الصينيين بالقول "إن تراجع معدل النمو في الصين دفع بعديد من المستهلكين إلى خفض مشترياتهم من الذهب، وساعدهم على ذلك وجود درجة ملحوظة من التشبع لدى المستهلكين جراء عمليات الشراء الضخمة التي تمت في صيف العام الماضي وشجع عليها انخفاض الأسعار في ذلك الوقت".
وتنظر أسواق الذهب العالمية بحذر ممزوج بالتشاؤم من تصريحات كسينيا يوداييفا النائب الأول لمحافظ البنك المركزي الروسي، بأن البنك قد يستخدم احتياطي روسيا من الذهب لسداد قيمة الواردات إذا اقتضت الضرورة. وبحسب البنك المركزي الروسي فقد سجلت احتياطيات روسيا من الذهب 37 مليون أونصة في أول أكتوبر، وبلغت قيمتها 45.02 مليار دولار.
وأشار الدكتور هنري أندرسون أستاذ الاقتصاد الدولي في مدرسة لندن للاقتصاد، إلى أنه بغض النظر عما تكشف عنه الخطوة الروسية من حجم المصاعب التي يعانيها الاقتصاد الروسي، لكن تأثيرها في سوق الذهب العالمية سيكون سيئا من منطلق زيادة المعروض في ظل ثبات الطلب أو تراجعه، ولا شك أن الخطوة الروسية إن تمت فستؤدي إلى مزيد من تراجع أسعار المعدن النفيس.
وتتزايد التكهنات حاليا في الأسواق العالمية باحتمال إقدام موسكو على تلك الخطوة في ظل تراجع قيمة الروبل في وجه الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي، فخلال الـ 11 شهرا الماضية خسر الروبل نحو 25 في المائة من قيمته. ويبدو أن وضع العملة الروسية المتدهور لا يزال يرجح احتمال أن تستخدم موسكو احتياطيها من الذهب لشراء احتياجاتها الدولية.

