الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

قال عنها ماوتسي تونج ذات يوم:"ينبغي الاهتمام بهذه الرياضة التي تجمع حولها كل هذه الملايين من الناس". ومحليا لن يجادل أحد في أن الكرة السعودية وما تثيره، يحمل الكثير من الغنى رمزيا، ما يؤهلها لقراءات ثقافية مستفيضة. فعلى سبيل المثال مباراة الهلال الأخيرة حملت معها ولا تزال الكثير من التقاطعات والتحديات الثقافية، بدخول شرائح مختلفة من المتفاعلين على الخط، إما رغبة في الحضور لمجرد الحضور، أو لأن هناك ما أثارهم، لتعود كرة القدم مؤكدة باستمرار أن نهاية الحدث بدايته.

نهاية الحدث بدايته

خسر فريق الهلال كأس آسيا، بعد حشد طويل واستقطاب حاد على جميع المستويات الاجتماعية حتى الديني والثقافي منها. هناك من أقلقته ظاهرة الاستقطاب وتشعبها اجتماعيا، وهناك من اعتبرها طبيعية بل وصحية. وبنهاية المباراة كان المتوقع ختام القصة، وعودة المشاعر والحميات الرياضية المستنفرة لهدوئها بعد الهزيمة والخيبة.

ولكن الأمر لم ينته وهدير التداعيات لم يتوقف، ليتم تداول مقاطع فيديو ملتقطة أثناء المباراة يظهر فيها مشجعو الهلال يحاولون بالقوة نزع قميص مشجع آخر، يعتقدون أنه حاول استفزازهم، بارتدائه قميص النصر "الغريم التقليدي" في هذه المباراة بالذات. وعلى المستوى ذاته تصعيديا يعلن كثير من "القانونيين" استعدادهم التام لمقاضاة كل من أساء لهذا المشجع أو "حرّض" في إشارة إلى مسؤولين هلاليين كانت لهم تصريحات قوية ومعلنة قبل المباراة تجاه أي محاولة لاستفزاز المشجعين الهلاليين إما بتشجيع الفريق الآخر، أو بأي طريقة كانت.

وبينما هناك من المسؤولين الرياضيين من ينتظر القضاء محليا ليفصل في أمر تحريضه، هناك أيضا من المسؤولين من قرر أن يقاضي حكم المباراة دوليا على أخطائه. كما أن هناك من ذهب أبعد ليؤكد وجود "مؤامرة" ومراهنات دولية تم بموجبها إقصاء الهلال وتمكين فريق سيدني الأسترالي.

وحتى هذه اللحظة لن يستطيع أحد أن يجزم بنهاية مشهد هذه المباراة تحديدا، بل الأكيد أنه لم ولن ينتهي، وهنا تكمن المعضلة الثقافية والتاريخية أيضا. فالهزيمة والفوز، الخيبة والفرح، لا تنتهي بل "تتراكم" شعوريا وثقافيا وهذا ما يوفر لاحقا كل ما مضى من استشهادات تاريخية تقود مثل هذا الاستقطاب. ولكن الجديد اليوم أوما يضاف إلى "حروب" هذا العصر الكروية هو الأدوات والوسائل.

الحاضر «ينتصر»

في عصور مضت كان الغياب عن المشهد أكثر من الحضور، بمعنى من يملك أن يحضر مباراة أو حفلة موسيقية على سبيل المثال لا بد أن تتوافر له شروط كثيرة أقلها توافر ملعب أو مسرح في مدينته وأبعدها أن يمتلك مالا كافيا يستطيع أن يستغني عنه لصالح هذه المتعة. ثم أتت أزمان دخل فيها الراديو والتلفزيون المنازل فوفر الكثير ماديا وماليا من عناء الحضور ليتضاعف عدد الحاضرين مقارنة بالغائبين. وعلى خطى مالارمي الذي كان يقول: "وجد الكون ليكون موضوع كتاب.." يقول الكاتب أمبرتو إيكو: "وجدت الرياضة لتكون موضوع برنامج تلفزيوني". إنها الإشكالية الأزلية للعلاقة الموجودة بين التمثيل والواقع.

#2#

ولكن هذا الحضور أيضا، ومآلاته النفسية والذهنية، ظلت مرهونة بنهاية المباراة كحد أدنى أو نهاية البث الإذاعي أو التلفزيوني كحد أقصى تتبعهما بعض الدردشات المنزوية هنا أوهناك. أما اليوم، فلست في حاجة سوى إلى تويتر ويوتيوب داخل جوالك الصغير، ليصبح "الحضور" بغرض التبرير أو"الحضور المضاد" بغرض التشفي والسخرية، مضمونا وممكنا على مدار الأربع وعشرين ساعة، بل ومطلوبا كعلامة نصر وتفوق.

في حين أن "الغياب" يصبح رمزا ثقافيا للضعف والهزيمة كما أنه فنيا بات في عداد المستحيل بحكم أدوات التواصل الحديثة. وبالنتيجة لا الإعلام تغير ولا حماسة الشباب أو الحب والكره، نقص أو زاد. لكنه "البث" المتواصل بشكل غير مسبوق والمساحات التي أصبحت متاحة بالتساوي ولكن دون عدالة، فالتساوي يلزمه المال والقدرة فقط، أما العدالة فتلزمها المهنية والمسؤولية. وهنا يحمل البعض الإعلامين المقروء والمشاهد مسؤولية هذا الأمر، في حين يرى البعض الآخر أنه لم يعد يملك من أمره "الضعيف" شيئا حيال هذا الانفتاح وحيال هذا البث المتواصل. فما كان منه إلا أن ساير الموجة حتى لا تغرقه أوتتجاوزه.

الرياضة هي المجتمع

الحديث عن المباريات وتداعياتها حديث مجتمع لم يعد يختص بفئة دون عينها، إعلاميا ومجتمعيا وهذا ما حصل قبل مباراة الهلال وبعدها. وهو ما يقره "أمبرتو إيكو" حين يفرق بين أنواع "الرياضيين" قائلا: هناك الذين "يمارسون" الرياضة، وهناك "المشاهدون" فقط الذين يشاهدون الرياضة، وأخيرا الملايين من الذين لم يحضروا المباراة، ولكنهم يتحدثون عنها، مبددين بذلك طاقات كان يجدر بهم توظيفها في مكان آخر، على حد تعبيره.

وحول ما إذا كانت هناك مؤامرة خلف هذا التبديد للطاقات يقول إيكو: لم نعد نؤمن بسلطة مركزية ولكن نؤمن بنوع من التوازن الاجتماعي العام. "ليست هناك مؤامرة؛ فالمجتمع يحقق توازنه رغم تشجيع ملايين الأشخاص للحديث عن "الرياضة". وتلك مسألة مريحة. إن المجتمع كان دائما في حاجة إلى إيجاد قنوات أخرى توجه إليها الطاقات.

استقطاب الرياضة أو الكرة تحديدا لهذا الكم من الاهتمام هل يعني أنها أصبحت ذات سلطة على المجتمع؟ يقول "إيكو": لو حدث ذات يوم أن شخصا استولى على ملعب، فعلاوة على ردود الفعل المباشرة التي سيثيرها الحدث، فإن العالم كله سيعلن استنكاره: النظاميون والفوضويون، كلهم سينددون بالمجرم. هناك إذن منطقة عميقة من الإحساس الجمعي لا يجوز أن تمس، إما عن اعتقاد أو عن "ديماغوجية". هناك بنية اجتماعية لا يمكن تفكيك لحمتها دون الإخلال بمبدأ الترابط في الحياة، وبالتالي بحقيقة الوجود الإنساني على وجه الأرض. إن الرياضة هي الإنسان، والرياضة هي المجتمع.

محاسبة «الوحوش» الخطأ

النفاق هو ما يجعلنا نحاسب الشخص الخطأ، عند الحديث عن التعصب الرياضي. يقول إيكو: رأيت خلال كأس العالم عروضا جيدة، ولكن ما يغيظني حقا هو النفاق. فعندما قتل "الهوليكانس" القادمون من ليفربول عددا من الأشخاص في ملعب "هيزل" في بروكسيل، فإن الذين كانوا يصرخون "ياللمصيبة" هم الذين شجعوا هؤلاء المشاغبين على التصرف بتلك الطريقة.

وحتى نأخذ المسألة بجد، يضيف إيكو، لنفعل مثل "الأزتيك" الذين كانوا يقدمون عند نهاية كل مباراة، عميد (كابتن) الفريق قربانا للآلهة. العبوا مباراتكم، وإذا حدثت مذبحة بين الجمهور فأنتم المسؤولون عن ذلك. ولكن إذا انتهت البطولة، ينبغي إعدام ممول الألعاب، تكريما للآلهة، موضحا :إنني أرفض أن يستمر تشجيع التهتك الذهني، بينما يتم، في نفاق، الاحتجاج ضد الهوليكانس، هؤلاء الوحوش الذين قتلوا أبرياء. لأن هؤلاء"الوحوش"، برأي إيكو، هم "نتاج" الصحافة الرياضية والتلفزيون.

أما اليوم، وبعد هذا التحول غير المسبوق إعلاميا وثقافيا، يمكن القول، إن هذا "التعصب" وهؤلاء "الوحوش" هم نتاج "أنفسهم" باستمرار، ونتاج إحساسهم بضرورة الحضور المتواصل، باعتبار الحضور، بكافة صوره الهزلية والجادة، الشامتة والغاضبة، تعبيرا عن انتصار آخر له نشوته، بغض النظر عن النتيجة الفعلية على أرض الملعب. بل وفي عرف الرياضيين "المشاهدين" غير الممارسين قد يكون هو الأهم والنتيجة الحقيقية، ليصبح الواقع افتراضا والافتراض واقعا، في تحول دراماتيكي يليق بهذا العصر.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية