كريس داوسون لم يتعلم القراءة في المدرسة، ولا يستخدم البريد الإلكتروني أو الكمبيوتر الشخصي حتى اليوم. لكن تاجر الشوارع السابق البالغ من العمر 62 سنة، لم يعقه افتقاره للتعليم الرسمي. فالمهارات التي تمرن عليها في عمليات بيع الساعات والمجوهرات، نشرها الآن لتشغيل تجارة تجزئة توظف ثمانية آلاف شخص وتملك 90 منفذاً للبيع في جميع أنحاء المملكة المتحدة.
سلسلة "ذي رينج" The Range، المختصة في مبيعات الحسم لمنتجات المنازل والحدائق، التي يمتلكها مع زوجته سارة، حققت ربحا بقيمة 35 مليون جنيه استرليني من مبيعات بلغت 382 مليون جنيه استرليني في العام المنتهي في كانون الثاني (يناير) 2013 - أي أكثر من ضعف عائدات 2008 البالغة 155 مليون جنيه استرليني.
يقول مشيرا إلى ثلاثة من أشرس منافسيه: "نحن لسنا في القاع. نحن لسنا باوندستريتشر. نحن لسنا ويلكنسون، ولسنا بي آند إم". ويضيف: "نحن المتجر العام للرجل الفقير".
قصة انتقاله من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش تعتبر التوضيح الدرامي لحقيقة بدهية مفادها أن أصحاب المشاريع يأتون بالفطرة وليس بالاكتساب.
الشركة، متاجر التجزئة المناسبة للعصر، ازدهرت في حالة ركود في تلك الأجزاء من بريطانيا الأكثر تضررا من التباطؤ الاقتصادي. وقد تسارع نموها مع الاستحواذ على الأصول والأسهم من انهيار فوكس دي آي واي، و إم إف آي، وتي جي هيوز.
التقيتُ بداوسون أثناء صعوده على درج المكتب، ونظارات شمسية على رأسه - وهو يعاني آثار حفلة أقيمت الليلة السابقة بمناسبة مرور 25 عاما على الشركة – وكان من الصعب عدم الانجراف وراء نشاطه القوي.
يتحدث بسرعة فائقة، يجمع بين شخصية بائع السيارات المستعملة والواعظ الإنجيلي.
ومن السهل أن نرى الكيفية التي أطلقت بها الصحف الشعبية عليه اسم مالك ديل بوي في بلايموث، إذ تذكرنا جرأة الرجل المتحدر من بلده ويست كانتري بالشخصية الشعبية من وسط لندن في مسلسل الكوميديا "فقط الحمقى والخيول" من محطة بي بي سي.
يمكنك القول إنه حتى ينمي اسماً مستعاراً: ديل بوي هي لوحة رقم مخصصة لسيارته رولز رويس الجديدة. ولكن الفرق الكبير هو أن صفقات داوسون تنجح دائما.
كان الدليل على براعته في كسب المال واضحا في وقت مبكر. فعندما كان لا يزال في المدرسة، كان يجمع النحاس بعد درس أعمال الديكور المعدنية ويأخذ بقايا المعدن على دراجته إلى موقع خردة قريب.
كتاجر شارع كان يعمل في ثلاث مقاطعات وفي مدن الأسواق والمنتجعات، يجمع بعض بقايا أعمال الديكور والأدوات المنزلية غير القيمة، في حين يتودد لربات البيوت والسياح بكلمات البائع المتجول للترويج لمبيعاته.
بدأ مهنة البيع بالتجزئة بشكل جدي عندما وظف تلك الأرباح في متجرين للدفع نقداً والتسلم فوراً في إكزتر ونيوتن أبوت في أوائل الثمانينيات.
أطلق ذي رينج، التي حملت علامة تجارية في البداية باسم CDS الدولية، من خلال محل واحد في بلايموث في عام 1988. ويقول مازحا: "أطلقنا عليها الدولية، ولكن لم نكن حتى في ويلز".
كان هذا أنموذج استراتيجيته. فهو دائما ما يدفع حدود الأشياء إلى أبعد مدى ليرى ما يمكن أن يظفر به من ذلك. وقد اجتذب هذا النهج غير التقليدي أحيانا تهمة له بأنه متهور. لكنه يصر: "لست متهورا. أنا شديد التحسب للأمور، إنك تعتقد ذلك فقط لأنك لا تراني أكتب ذلك في التقارير وأقوم بعقد اجتماعات مجلس الإدارة".
حذره كان واضحا خلال الأيام الأخيرة لحملة الاستفتاء الاسكتلندية عندما كانت في فترة الاستعداد للتصويت، حين كان يحوَّل إيراداته سرا من مخازنه في اسكتلندا عبر الحدود كل ليلة، بدلا من المخاطرة في إيداع المال في بنك اسكتلندي.
وهو شخص ينبغي عدم الاستهانة به. فعندما أرسلت أحد المصارف الكبرى فريق خزانتها لتقديم المشورة بشأن كيفية التعامل مع الموردين الأجانب للشركة، عادوا مقتنعين بأن تاجر الشوارع السابق يعرف غريزيا أكثر بكثير عن تحوط العملة من خبراء المصرف.
لكنه يتجنب المصطلحات التجارية. بدلا من ذلك يحب أن يقارن التحدي المتمثل في وظيفته بمتسابق الدراجات البخارِيَّة عَلَى أَرْض وَعِرَة يتنقل في مضمار السباق الصعب - في إشارة إلى شغفه الرياضي.
ويقول: "أقرأ الأعمال باعتبارها نوعاً من المسار. إنها صعبة هنا. وهناك نقطة غير مريحة، أنا بحاجة إلى تجاوز ذلك". وأضاف: "إنه سباق دائم بالنسبة لي".
ويحب أن يفوز فيها كما اكتشف ديفيد كاميرون في حفل استقبال داوننج ستريت. فبدلا من الحصول على صورة واحدة، كما جرت العادة، استطاع داوسون هندسة ثلاث فرص لصور مع رئيس الوزراء.
ويقول في ذلك إن تعظيم الدعاية للشركة هو "ما يمكنني دفع المال من أجله"، متباهيا بالصور المؤطرة المعلقة الآن في الاستقبال في مقر شركته في منطقة صناعية بالقرب من مطار بلايموث.
ويتوقع داوسون من القوة العاملة التي لديه إظهار تصميم وولاء مشابه. فعلى مدى الأسبوعين المقبلين هو مشغول بزيارة كل موقع من مواقع الشركة، وهو ما يحاول القيام به أربع أو خمس مرات في السنة، لبناء العمل الجماعي.
ويقول: "أحب أن أقابل الناس الذين يصنعون المال". تأثير وجوده في الممرات يزيد الإنتاجية، كما يدعي: "اعتادت الإنتاجية أن تكون بنسبة 2 في المائة إلى 5 في المائة في مبيعاتنا، بعض هؤلاء المديرين يشعرون بهذا القدر الكبير من التحفيز".
ويصر على أنه حتى استحدث ثقافة ريادة الأعمال بين المديرين التابعين له وشجعهم على بدء مشاريع خارج العمل. "بعضهم يملك سيارات الأجرة. لدينا اثنان لديهما غرف مفروشة للإيجار. لقد ساعدت الكثير من الناس في هذه الشركة بإعطائهم - ما اعتادوا على تسميته – مصروفا نثرياً. مدير الفرع في كارديف يربي الآن الحمام. لم يكن حتى يحب الحمام، لكن أخبرته مقدار المال الذي يمكن أن يكسبه منها".
وهو حاليا يبحث عن مواقع جديدة، وهي ممارسة يحب أن يجريها من مقعد المراقبة في طائرته المروحية المستأجرة. ويقول: "عندما أكون في الهواء، أستطيع أن أرى المكان الذي يوجد فيه كل المنافسين. أستطيع أن أرى كل حركة المرور، وأين توجد المناطق السكنية. يمكنني أن أنظر من النافذة وأن أحدد ذلك في ثلاث دقائق".
لكنه يقول إن المواقع التي يحبها هي تلك "التي لن تعمل بشكل طبيعي، ولا تعرف ما إذا كانت ستصبح صناعية أو سكنية، أو مجرد أن يتم هدمها". وتتوقع الشركة أن يكون لديها 25 متجراً جديدا يتم افتتاحها قبل نيسان (أبريل). والتوسع الأخير أصبح ممكنا بفضل السيولة الناتجة عن بعض المعاملات التي تحدث لمرة واحدة. في عام 2009، مثلا، دفع ثلاثة ملايين جنيه استرليني مقابل بضاعة بقيمة 68 مليون جنيه استرليني من متجر تجزئة الأثاث إم إف آي، بعد أن وضع المتجر تحت الحراسة القضائية.
ويقول: "كانت هذ قيمة جيدة بصورة رائعة. كنا نجهز مطبخا كاملا، بما لديه من جميع الملحقات الجديدة، مقابل 1000 جنيه. كنت أبيعها، 10 في كل مرة، للبنائين في أنحاء لندن".
لكن في الوقت الذي يبدأ فيه الاقتصاد في الانتعاش، من المحتمل أن تكون هناك فرص أقل لاغتنام فرصة الحصول على الأصول المتعثرة، وبعض الناس يتساءلون عما إذا كانت "ذي رينج" ستواصل الحفاظ على سجل النمو المثير للإعجاب دون ضخ مثل هذه الأموال. هل من الممكن ألا يكون هذا هو الوقت المناسب للنظر في بيع الأعمال؟ يقول داوسون: "يُطلَب مني ذلك مرتين أو ثلاث مرات في السنة. وأنا لا أستبعد ذلك". ثم يفتح ذراعيه في حركة مسرحية، ويضيف: "إلا إذا كنت تستطيع أن تريني كيف يمكن لشيء أن يحل مكان هذا ـ أنني عالق به. أنا لا أعرف فعل شيء غير إدارته".
نصائح للسجناء وأرباب السوابق
يعترف كريس داوسون بأنه مفتون بعمليات السطو على المصارف والسرقة، مشيرا إلى أن “لدى كبار المجرمين في كثير من الأحيان أفضل العقول في عالم المشاريع”.
سيحصل تاجر التجزئة على فرصة لاختبار نظريته المفضلة في كانون الأول (ديسمبر)، بعدما تلقى دعوة لمخاطبة السجناء في دارتمور، السجن المبني بالجرانيت الذي يبلغ عمره 200 عام، وهو ليس بعيدا عن مكاتبه في بلايموث.
ويقول: “لقد ألقيت خطابات على مجموعات أعمال وفي أندية العاملين من قبل”. ويضيف: “لكنني لم أتدرب عليها أبدا. هذه هي ميزة عدم القدرة على الكتابة”.
الموضوع الذي اختار داوسون التحدث عنه هو “كيف تكسب المال بينما أنت على الجانب الأيمن من القضبان”. وهو حريص على استخدام خبرته في إقناع السجناء بأن هناك الكثير من الفرص المشروعة. «إذا كنت تعمل بجد، حتى لو لم تكن لديك مؤهلات، لا يزال بإمكانك كسب المال».

