هل نحن على طريق الصناعة فعلا؟ ذلك سؤال مهم جدا، والسبب هو كثرة الحديث عن المدن الصناعية بشكل لافت هذه الأيام، بل بسبب كثرة الحديث عنها ظهر من يطالب بالعودة إلى وزارة مستقلة للصناعة، لكن هل الحديث عن المدن الصناعية وتأجير الأراضي الصناعية وتوفير الخدمات لتلك الأراضي الصناعية بأسعار تصل إلى أكثر من 170 ريالا للمتر هو حديث عن الصناعة أم حديث عن العقار؟
من المهم أن تكون لنا رؤية واضحة حول الاتجاهات الصناعية التي سننافس فيها، لا مانع من وجود تنوع صناعي، لكن لا بد لنا أن نرتكز على ميزاتنا الاقتصادية لبناء صرحنا الصناعي، إذا كنا نريد أن نذهب بعيدا في هذا المجال، فلا معنى لتشتيت الجهود خلف مدن صناعية في كل ركن من أركان هذه البلاد، دون أن يكون هناك فكر صناعي ورؤية استراتيجية نستند إليها، وإلا بقيت المدن الصناعية مجرد مشاريع عقارية، ومضاربات على الأراضي المتوافرة في تلك المدن، يستأجرها هذا ليطورها ثم يؤجرها إلى ذاك، وبينما يحدث ذلك وتتنامى المضاربات، ونتوهم أن لدينا صناعة، بينما هي في الحقيقة مجرد ورش صناعية، وليست مصانع بالمعنى الاقتصادي الواسع.
ليس هذا تقليلا من شأن المدن الصناعية في توفير العقارات المخصصة للصناعة، لكن من المهم أن تكون هناك منظومة متكاملة من الدعم الصناعي، خاصة في قطاع معين مختار بعناية، فمثلا تأجير الأراضي الصناعية لمدة خمس سنوات هدف عقاري حتى يضمن المطور العقاري أثر تنامي الأسعار، لكن هذا يتعارض تماما مع توجهات صندوق التنمية الصناعية الذي يرفض إقراض المصانع على أراض مستأجرة لمدة خمس سنوات أو أقل، وفي هذا الإطار قام مجلس الوزراء قبل عدة سنوات بإقرار منح قروض صناعية بنسبة تصل إلى 75 في المائة في المدن الصناعية بأطراف الوطن، لكن هذا، مرة أخرى، ليس تشجيعا لصناعة بعينها بقدر ما هو تشجيع على الاستثمار العقاري في المدن الصناعية. فتوافر الأراضي الصناعية، والمواقع المجهزة للمصانع والدعم يجب أن يتم استخدامها بكفاءة من أجل تشجيع صناعات معينة، فنحن في المملكة لا نعتمد على الضرائب في تشجيع الصناعة الوطنية، لكن يمكن استخدام الحوافز في المدن الصناعية من أجل ذلك الهدف، فالصناعات المستهدفة يجب أن تتوافر لها مساحات أكبر وسعر أرخص بكثير مع خدمات مجانية ولمدد تأجير طويلة.
في اللقاء التعريفي للوادي الصناعي في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية تتحدث الشركة عن هدف إنشاء 200 مصنع، وأنه بلغ عدد المصانع حاليا 80 مصنعا لشركات كبرى بعقود إيجار لمدة 20 سنة. وأيضا تتحدث الشركة عن توافر مدينة سكنية متكاملة لخدمة الأنشطة كافة في المدينة، ويتوقع أن يكون هناك نحو 50 ألف ساكن في المدينة الاقتصادية خلال السنوات الخمس المقبلة، كما تتحدث عن ميناء الملك عبدالله المستهدف لأن يصبح ضمن أكبر عشرة موانئ في العالم. وهذا كله تميز مطلوب جدا من مدينة صناعية حقيقية، خاصة أنها تقدم المتر بسعر 14 ريالا، وهو سعر منافس جدا مقارنة بالخدمات المتوافرة. لكن الشركة عقارية في المقام الأول ــ وهذا ليس تقليلا من المشروع ــ فهي تهتم باستقطاب أهم وأكبر المصانع على الرغم من أنها توفر أيضا مساحات لصغار المستثمرين، لهذا يبقى السؤال: من صغار المستثمرين المستهدفون؟ وما الصناعات التي نأمل أن نصدرها للعالم من ميناء الملك عبدالله مع اكتمال استغلال كل المساحات المتوافرة في الوادي الصناعي؟
