أمضى سكوت كوك معظم وقته في تدريب وتوجيه الزملاء، فضلاً عن الإشراف على عمليات استعراض أداء المنتجات في إنتويت، شركة البرمجيات المالية التي أسسها. لكنه يقول "إن مساهمته الأكبر في إدارة الشركة هذه الأيام هي معرفة متى تبقى صامتاً. في الماضي كنت أدخل في المناقشات في وقت مبكر، أما الآن فأبقى صامتاً. أترك أولئك الذين يعيشون مع المنتج كل يوم يتحدثون، حتى يتسنّى لي الاستماع".
كوك - الذي يترأس اللجنة التنفيذية في شركة إنتويت، ويشترك في عضوية مجلس إدارة إيباي وشركة بروكتر آند جامبل - ليس وحده الذي ينادي بأن القادة يجب أن يستمعوا قبل أن يتحدثوا. "إنها مهارة العمل الوحيدة التي يتم إعطاؤها قيمة أقل من قيمتها الحقيقية وغير المتطورة"، هكذا وصف جيف إميلت، الرئيس التنفيذي لـ "جنرال إلكتريك"، الاستماع - سواء كان الاستماع إلى الزبائن، أو الموظفين أو غيرهم ممن قد يؤثر في العمل.
وأظهرت دراسة أجرتها كلية كولومبيا لإدارة الأعمال، تم نشرها في عام 2012، أن مقدرة القادة على الإقناع تعتمد على مهارة الاستماع بقدر ما تعتمد على بلاغة الحديث. لكن كثيراً من المنتمين إلى عالم الأعمال يجدون صعوبة في الاستماع، وكلما كانوا في مناصب أعلى، زاد الأمر سوءا. وبحسب جيمس هيسكيت، الأستاذ الفخري في كلية هارفارد لإدارة الأعمال: "ما لم يكُن القائد جيداً في الاستماع، فلن يكون هناك كثير من الاستماع، لأن الأشخاص يراقبون (الرئيس) ويقلدونه".
حتى المنظمات التي تفخر بأنها منفتحة للأفكار يمكن ألا تُصغي جيداً. يذكر كوك أنه شعر بالحيرة من دراسة أشارت إلى أن زبائن شركة إنتويت كانوا يستخدمون برمجية الشركة لإدارة الأموال، كويكن، لإجراء عمليات المحاسبة للشركات مع أنها تم تصميمها للمستهلكين العاديين. وكانت النتائج تبدو سخيفة، لذلك تجاهلها، والسبب هو أن المستجيبين المعنيين كانوا يستخدمون برنامج كويكن لترتيب مواردهم المالية الشخصية أثناء الاستراحة في المكتب.
لكن عندما دققت شركة إنتويت بصورة أعمق في الموضوع - بعد نحو أربعة أعوام - تبيّن لها أن الشركات الصغيرة كانت في الواقع تشتري المنتج لأنه، على عكس البرمجيات المهنية، لم يفترض المعرفة بالعمليات الحسابية الدائنة والمدينة. هذا الاكتشاف أدى إلى تطوير برنامج كويك بوكس، الذي يعتبر الآن مولّد الإيرادات الأكبر في شركة إنتويت. ويقول "يبلغ ميلنا إلى إيجاد تفسيرات تتوافق مع معتقداتنا أننا غالباً ما نستمر في (الخطأ) وليس قبول البيانات التي تعترض (توقعاتنا المُسبقة)". لقد كان كوك مذنباً "بالتحيز".
طريقة واحدة لمواجهة إغراء الاستماع بشكل انتقائي تكمن في اكتشاف وجود تناقضات. يقول كوك إنه الآن "يتذوق المفاجآت"، ما يعني أنه يرحّب بالانحرافات المُحيّرة على أساس أن وجهة النظر المنطقية للعالم ربما تروي نصف القصة فقط.
ولإحباط ميل العقل لكبح التناقضات، تكتب شيريل كونيلي، التي تُدير قسم الاتجاهات الاستهلاكية العالمية في "فورد"، الآراء التي لا توافق عليها، وفي بعض الأحيان تضيف رسوما توضيحية لمحاولة التقاط الفكرة الأساسية. وتقول: "الرسومات تُساعدني على فهم ما يقوله الآخرون". عادة أخرى هي كتابة ما يدور في المؤتمرات حرفياً لمراجعته فيما بعد. وتقول "عندما أقرأ الملاحظات، أحياناً تخطر في بالي نقطة لم تعجبني. ربما المتحدّث يفتقر إلى القدرة على جذب انتباه الجمهور، لكن الملاحظات لا تحمل هذا ضدهم".
ويصبح الاستماع النشط أصعب في الوقت الذي يتصدى فيه التنفيذيون لأدوار أكبر. وإحدى المشكلات هي أنه ليس هناك من يخبرهم بالأمور التي لا يريدون سماعها. مشكلة أخرى هي فيزيولوجية بحتة: حين يكون الشخص في عمر 45 ـ 65 سنة، وهو المقياس الديمغرافي الأساسي لتعيينات مجلس الإدارة، يعاني كثير من الناس في هذه الفئة ضعف السمع. وربما لا يكونون مدركين وضعهم، لكن ذلك يضطر دماغهم إلى العمل بمشقة من أجل متابعة النقاشات، وهو ما يعمل على عرقلة الأداء المعرفي، كما يقول ديفيد مكالباين، الطبيب المختص بأعصاب السمع في جامعة كلية لندن.
ولدى البروفيسور مكالباين بعض النصائح من أجل تخفيف آثار ضعف السمع. استخدام سكايب، أو المؤتمرات عبر الفيديو تعد أقل إرهاقاً من استخدام الهاتف، على اعتبار أن مشاهدة شفاه الشخص وهو يتحدث والنظر إليه يجعلان من السهل تتبع ما يقول. في المقابل، قراءة الشرائح بسرعة، أو أبحاث مجلس الإدارة، في الوقت الذي يُجهِد فيه الشخص نفسه ليتمكن من الاستماع، يؤدي إلى نتائج عكسية لأنه يشتت موارد الدماغ. يقول مكالباين "حين تقراً، فإنك لا تنصت بشكل فعال". إحدى الأجوبة عن ضعف السمع ربما تكون في استخدام جهاز مساعد للسمع، لكن ربما لا يرغب الشخص الذي يعاني مشكلة في سمعه في استخدام السماعة، لأن ذلك يمكن أن يلحق به وصمة معينة. ويعلق مكالباين بأسى "استخدام الأجهزة الحديثة لن يدمر فرصتك في مجلس الإدارة، لكن استخدام سماعة، لسبب ما، يعتبر وكأن الشخص لديه قدم في القبر".
عقبة أخرى أمام إنصات القيادة هو عدم رغبة المرؤوسين في التعبير عن آرائهم – لا يريد الواحد أن يبدو بمظهر من يعصي الأوامر – بالتالي ينتهي الأمر بالرئيس إلى الهيمنة على النقاش. من أجل التصدي لذلك، يوصي سايمون هيوارد، الرئيس التنفيذي لشركة سيروس لاستشارات القيادة، بالتوقف وأن يسأل الرئيس "أسئلة ذات دلالة" تدخل إلى أفكار الناس قبل أن يبدأ في عرض وجهة نظره. لكن يجب أن تكون نغمة السؤال دالة على الاحترام، على اعتبار أن الشخص الذي يشعر بالتهديد غالباً ما يلجأ إلى الصمت. ومن الأساليب التي تساعد الناس على الشعور بالارتياح "التقدم إلى الأمام للتعبير عن الاهتمام، والتعبير عما يريد الناس قوله من أجل إظهار الفهم".
المنظمات التي تفهم موضوع الإنصات "تجد سبلاً لجمع الناس معاً"، كما يقول البروفيسور هيسكيت. وتصميم أماكن العمل بحيث تحتوي على مجالات اجتماعية، وتشجيع التنفيذيين على تخصيص وقت للدردشة الحرة، أو مجرد التوقف للسلام، جميعها عادات مفيدة يمكن أن تحقق عوائد غير متوقعة.
هذه هي التجربة الحديثة التي مرت بها جين آرتشبولد، مديرة شركة البرامج البريطانية Sage. لعدة أشهر كانت مبيعات بعض المنتجات متعثرة في إحدى الأسواق دون سبب واضح. وأثناء زيارة إلى الفريق الإقليمي، توقفت لتسأل مديراً لأحد الأقسام الصغيرة كان يبدو عليه العبوس، عن الأحوال. أثناء شرب القهوة، أزاح عن صدره بعض الأفكار حول سياسة جديدة للشركة كانت تخلق مشكلات لا تحصى. في السابق، كان مندوبو المبيعات يتخصصون في منتجات محددة، أما الآن فكان عليهم بيع كامل نطاق المنتجات. ضغطت الشركة لإحداث هذا التحول على نحو يفوق الحد المطلوب، وبسرعة كبيرة فوق اللازم، قبل أن يتمكن مندوبو المبيعات من التكيف مع السياسة الجديدة، وهذا هو السبب في تراجع الإيرادات. وتقول "لو لم أطلب منه الجلوس لمناقشة الموضوع، ربما استمر الوضع على هذا المنوال لمدة ستة أشهر أخرى، لأن السبب الأساسي كان تشغيلياً على نحو لا يسهل الكشف عنه".
بعد أن يستكشف الزعماء الأفكار، كيف سيقررون متابعة الموضوع؟
تقول آرتشبولد إنها تعلمت "عدم اتخاذ قرارات لحظية". حين تعطي نفسك فترة زمنية، حتى ولو كانت بضع ساعات، من أجل التأمل واستكشاف الآراء على نطاق واسع، فإن هذا يجعلك تتجنب الوقوع في مشكلات أكبر فيما بعد.
ويفضل كوك إجراء تجارب صغيرة وتقييم قراراته وفقا للناتج. في إحدى المناسبات، اقترح مهندسان أنه ينبغي لـ "إنتويت" أن تستضيف لقاء يستطيع فيه دافعو الضرائب توجيه استفسارات ضريبية إلى بعضهم بعضا. وفي أحد الاستطلاعات، رفض 80 في المائة منهم هذا المفهوم. ولم تحظ الفكرة بعدد كبير من المؤيدين في الداخل. لكن حين جُرِّبت الفكرة بصورة واقعية تبين أنها محبوبة على الفور. يقول كوك "بدلاً من مجرد الإنصات إلى كلمات الناس، راقبنا سلوكهم". بعبارة أخرى، ما يقوله الشخص ليس دائما ما يفعله. فإلى جانب الإنصات، من المهم أن تشاهد وتراقب.
كلام جميل
• يجب التفوق على عوامل التحيز في الدماغ. الإنسان مصمم بحيث ينصت بصورة انتقائية، لكن المنصتين المهرة يبحثون عن طرق لتحييد تحيزاتهم. مثلا، ربما ينتبهون بشكل خاص إلى الأفكار التي يختلفون معها غريزياً.
• ركز على مهمة واحدة في كل مرة. محاولة الإنصات والقراءة في وقت واحد – ما لم تكن المهمات متزامنة، كما في الإنصات وقراءة الشفاه – يشتت موارد الدماغ، وبالتالي تحصل على أسوأ ما في الأمرين.
• تأكد من سلامة سمعك. إذا كنتَ تَجهَد من أجل التخلص من الضجيج المحيط بالجو، أو كنتَ تعاني التمييز بين حرف وحرف، ربما كنت تعاني ضعف السمع، الأمر الذي يؤثر في قدرتك على الانخراط – دون أن تكون مدركاً لذلك. يمكن أن تستفيد من "سكايب" أو مؤتمرات الفيديو، لأن مشاهدة تعبيرات الوجه وحركة الشفاه تجعل من السهل متابعة الكلام.
• استخدم عينيك. الجمع بين المشاهدة والإنصات يعطيك مزيدا من المعلومات، ويتيح لك أن تزن ما يقوله الناس في مقابل ما يقومون به.

