أن تكون مساويا لغيرك

|
من النادر جدا أن تسمع زعيما يدعو للشدة في معاملة الناس. جرت عادة الزعماء والعلماء على القول إن اللين هو السنة الصحيحة. ويستشهدون على هذا بآيات وأحاديث، وينقلون روايات تاريخية عن ملاينة الزعيم أو العالم الفلاني لمعارضيه، فضلا عن أتباعه. لكن مفهوم "اللين" لا يفيد كثيرا في العلاقات غير الشخصية، سيما مع المخالفين. مبدأ الملاينة صحيح في علاقة محددة بينك وبين شخص آخر، أو في علاقتك مع أتباعك والأشخاص الذين تجمعك وإياهم قناعة مشتركة ومفهوم واحد للحياة والعالم. أما المعيار الناظم للمواقف العامة والعلاقة مع المخالفين فهو مبدأ "التسامح". التسامح هو الإقرار بأن لكل إنسان حقا في اختيار ما يراه مناسبا لشخصه، من فكرة أو اعتقاد أو طريقة عيش أو منظومة علاقات اجتماعية أو موقف سياسي أو تصور عن المستقبل. أرضية هذا المبدأ هي الإيمان بعقلانية الإنسان وحريته، وكونه قادرا على حساب عواقب قراراته وأفعاله، وتحمل المسؤولية المترتبة عليها. نحن ننظر للناس كعقلاء يتبعون ما توصلوا إليه بعقولهم. أنت تؤمن بعقلك وحقك في اختيار معتقدك ونمط عيشك ومواقفك، وترفض أن يلزمك الآخرون بما لا تريد وما تظنه غير معقول، رغم أنهم يرونه معقولا وصحيحا. هذا حقك ولا غبار عليه. لكن عليك أن تعلم أن الآخرين، الذين يتفقون معك والذين يخالفونك، يملكون نفس الحق. وإذا مارسوه فسوف يتوصلون إلى خيارات مخالفة لخياراتك. ستكون رؤيتهم للحياة والعالم مختلفة، أولوياتهم مختلفة، ونظام عيشهم مختلف. أي أنهم سيكونون مختلفين عنك أو مخالفين لك. هذا حقهم، مثلما أقروا بحقك. ثقافتنا الموروثة ونظام تعليمنا والقيم الناظمة لعلاقاتنا الاجتماعية قائمة كلها على اعتبار أن ما عندنا هو الحق الوحيد، وأن كل مخالفة له باطل يجب إنكاره وردعه. والحق أن كل ما نعرفه وما نؤمن به اجتهادات تقبلناها، لأننا ألفناها أو تعلمناها، فاقتنعت بها عقولنا أو ارتاحت إليها نفوسنا. وهي قد تكون حقا كاملا أو ناقصا. الآخرون الذين يخالفوننا اتخذوا طريقا آخر، لأنهم اقتنعوا به أو ألفوه، ولديهم عليه أدلة مثلما لدينا من أدلة وربما أكثر. وهم يرونه حقا مثلما نرى الذي عندنا حقا. وهم – مثلنا – يغيرون آراءهم وقناعاتهم بين حين وآخر، فهل كان الأول باطلا والتالي صحيحا، أو العكس؟ لا يمكن لأحد إثبات أن ما يقوله هو عين مراد الخالق أو الحق الوحيد. كل إنسان يجتهد في إصابة الحق بقدر ما أعطاه الله من عقل وحرية، وهو مسؤول عن عواقب خياراته. إن أردنا أن نوصف بالتسامح فعلينا الإقرار بأن الناس سواسية في عقولهم وحقوقهم، ليس لأحد أن يرفع نفسه فوق الناس، وليس لأحد أن يظن الحقيقة واحدة، وأنه وحده العالم بها دون الناس.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها