التفاوت الجديد

|
منذ البداية، كانت استجابات السياسة لأزمة 2008 المالية ملونة بذكريات وتفسيرات ترجع إلى أزمة الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن الماضي. والآن تقول الحكمة السائدة إن العالم تجنب تكرار كارثة ما بين الحربين، ويرجع هذا بشكل كبير إلى اتخاذ صناع السياسات لقرارات أفضل هذه المرة. ولكن رغم وجود حيز كبير لتهنئة النفس، فإن جانبين من مظاهر التعافي في مرحلة ما بعد الأزمة يلقيان بظلالهم الداكنة على الاحتفالات. فأولا، رغم التوسع النقدي غير المسبوق والحوافز المالية الهائلة، كان التعافي ضعيفا وهشا إلى حد لافت للنظر. ففي منطقة اليورو أدت أزمة الديون إلى تحول حاد نحو الانكماش المالي – ومعه العودة إلى الركود. ولكن حتى في الولايات المتحدة التي شهدت وفرة من التحفيز الأول، يبدو من المرجح أن يظل معدل النمو في الأمد البعيد أدنى كثيرا من مستويات ما قبل الأزمة في المستقبل المنظور. تذكرنا الحركة الصاعدة المتعثرة بثلاثينيات القرن العشرين، عندما قرر العديد من رجال الاقتصاد البارزين، بما في ذلك جون ماينارد كينز ونصيره الأمريكي الرائد ألفين هانسن، أن العالم يدخل مرحلة من الركود المادي. ومن منظورهم فإن قوة الثورة الصناعية وديناميكيتها قد استنفدت آنذاك، ولم يعد هناك شيء يحل محلها لدعم النمو الاقتصادي. والجانب المزعج الثاني من عالم ما بعد الأزمة أكثر إثارة للقلق. فقد استجابت بلدان عديدة لأزمة الكساد الأعظم بتبني سياسات تهدف إلى الحد من التفاوت في الثروة والدخل. ونتيجة لهذا فقد بدت مظاهر التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الشديدة التي ميزت البلدان الصناعية وكأنها بدأت تختفي تماما بحلول منتصف القرن العشرين. ولكن منذ عام 2008، كانت مظاهر التفاوت القابلة للقياس، التي كانت في ارتفاع حتى قبل الأزمة المالية، في ارتفاع واضح، ويرجع هذا غالبا إلى التدابير نفسها التي كثيرا ما تنال الاستحسان بوصفها سببا في منع الانزلاق إلى أزمة كساد أعظم ثانية. فقد عملت السياسات النقدية غير التقليدية على تغذية طفرة الأصول، مع ارتفاع أسعار الأسهم والعقارات إلى عنان السماء في المراكز الاقتصادية مثل نيويورك ولندن وباريس وريو دي جانيرو وشنغهاي، الأمر الذي أدى إلى إغلاق الباب في وجه المشترين المحليين. ومع اكتساب الأثرياء المزيد من الثراء، تحملت الطبقات المتوسطة ضغوطا كبيرة بسبب أسعار الفائدة الاسمية القريبة من الصفر، التي كانت سلبية من حيث القيمة الحقيقية. ومن ناحية أخرى تلقت بدخول الطبقة العاملة ضربة قوية بسبب اشتداد حدة المنافسة على الوظائف من قِبَل بلدان حيث تكاليف العمالة أقل كثيرا. يحب بعض محافظي المصارف المركزية ترديد كلمات ونستون تشرشل حول بطولة أولئك الذين خاضوا معركة بريطانيا الفاصلة: "لم يسبق لميدان الصراع بين البشر من قبل قط أن كان مثل هذا العدد الكبير من البشر مدينا لمثل هذا العدد القليل من الأبطال". ولكن إذا طبقنا هذه المقولة على الاقتصاد الحديث، فإن هذا المديح يصبح في غير محله في أفضل تقدير، وذلك لأنه صحيح حرفيا: فقد تسنى تثبيت استقرار النظام المالي من خلال تكديس كميات هائلة من الدين في عدد قليل من المصارف المركزية. والواقع السياسة النقدية ليست وحدها التي تخلف تأثيرا استقطابيا. فالأوروبيون الذين يفكرون في تبني سياسات جون ماينارد كينز يواجهون التركة المكلفة المتمثلة في مشاريع الاستثمار العام السابقة. على سبيل المثال، كان من المفترض أن تساعد الألعاب الأولومبية التي استضافتها أثينا في عام 2004 في تحويل اليونان إلى اقتصاد حديث ديناميكي ومتألق. ولكن رغم أن الألعاب عادت على المدينة بشبكة مترو الأنفاق ومطار حديث، فإنها أنتجت أيضا المجمع الأولومبي الإغريقي المهجور وجبلا من الديون. ويشير المنتقدون فضلا عن ذلك إلى المحسوبية وغير ذلك من أشكال الفساد في منح العقود لمثل هذه المشاريع. وكما كانت هذه هي الحال في بلدان متقدمة مثل اليونان وإسبانيا فهي الحال نفسه أيضا في الاقتصادات النامية والناشئة. وقد عبرت عن الجانب الكريه من حزمة التحفيز في فترة ما بعد الأزمة في الصين محاكمة ليو تشي جيون، الذي أشرف على تطوير شبكة السكك الحديدية عالية السرعة في الصين – وهو الموقف الذي مكنه من امتلاك 374 عقارا و16 سيارة و18 خليلة. وعندما بدا من المرجح أن يتم تخفيف الحكم بإعدامه إلى السجن اندلعت الاحتجاجات في مختلف أنحاء الصين. وينعكس هذا الغضب إزاء الفساد في الاضطرابات الشعبية التي اجتاحت اقتصادات ناشئة أخرى كبيرة وناجحة ظاهريا. فحتى الصيف الماضي، كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يبدو وكأنه الرجل العبقري وراء معجزة اقتصادية غير مسبوقة. ثم أعلن عن خطته لإزالة متنزه جيزي في ساحة تقسيم بإسطنبول ليبني في محله نسخة طبق الأصل من ثكنة للجيش من العصر العثماني التي كان من المفترض أن تضم مركزا للتسوق، الأمر الذي أشعل فتيل احتجاجات شعبية واسعة النطاق. وكانت الأحداث الرياضية الكبرى تقابل بردود فعل معاكسة قوية بشكل خاص. فقد عصفت الفضيحة ببولندا بعد أن أخذت الشركات التي فازت بعقود بطولة كرة القدم الأوروبية لعام 2012 أموال الحكومة ولكنها لم تدفع لشركات البناء البولندية التي تعاقدت معها من الباطن لتنفيذ عمليات البناء. وفي البرازيل تتواصل الاحتجاجات ضد بطولة كأس العالم لكرة القدم، في حين تهدد ألعاب روسيا الأولومبية الشتوية الفخمة في سوتشي بالتحول إلى كارثة علاقات عامة. باختصار، من الممكن أن تتسبب حوافز الاقتصاد السياسي التي أوصى بها جون ماينارد كينز في إحداث مشاكل هائلة، وذلك لأن المواطنين العاديين لا يستفيدون غالبا من الفوائد المترتبة عليها. وبالنسبة لعالم لا يزال يترنح تحت وطأة تداعيات أزمة 2008، وفي ظل الكشف عن التجاوزات الجسيمة في القطاعين المالي والعقاري، فإن مثل هذه المشاريع الرفيعة المستوى تبدو أشبه بعلاج سريع آخر مصمم لمكافأة النخبة الفاسدة. ولكن ثمة فارقا حاسما هنا: فما يغذي التفاوت وعدم المساواة الآن ليس الرأسمالية غير المقيدة، بل جهود السياسة العامة الإشكالية الرامية إلى تثبيت استقرار الاقتصاد في أعقاب الأزمة المالية. فالمناسبة الرأسمالية تؤدي إلى تآكل الأرباح الاحتكارية في حين تخاطر السياسة العامة بخلق امتيازات راسخة. واليوم مع إسهام كل من السياسة النقدية التوسعية والإنفاق المتزايد من جانب الدولة في تعزيز ردة الفعل المعاكسة القوية من قِبَل المستبعدين والمحرومين، فإن الخطوات التي تتخذ في سبيل تجنب أزمة كساد أعظم ثانية قد تنتهي إلى التسبب في تفاقم حالة الاستقطاب الاجتماعي.
إنشرها