هل يعير مستثمرو السندات الأخلاق أي اهتمام؟

|
يعتبر حامل السند مقرضا، ومصدره مقترضا. وفي عالم المصارف تصدر السندات لدعم ملاءة رأس المال. وتهافت المستثمرين على شراء سند مصرفي، دليل ثقة بقدرة المصرف على كفاءة الإقراض. والملاحظ في المصارف التي غرمت بمبالغ كبيرة "بسبب انتهاكها لقوانين الحظر على الدول والمنظمات الإرهابية"، نتج عنها اهتزاز الملاءة المالية دون المستوى الذي تتطلبه قوانين بازل، تهافت المستثمرين على شراء سنداتها المطروحة بطريقة سريعة ولافتة. وهذا يثير تساؤل أي مراقب، عن مدى اهتمام سوق السندات بأخلاق وسلوكيات المصارف المصدرة "التي أقرت بالجريمة". خصوصا أن معظم أعضاء مجالس إدارات هذه المصارف ما زالوا على رأس مجالسهم، بل حتى الكثير منهم دافع عن أفعال مصارفهم بطريقة همجية. كما أن دول هذه المصارف دافعت عن مصارفها، بل حتى تظلمت من "قسوة" العقوبات والغرامات المفروضة. لغرض التبسيط، لو افترضنا أن هناك من يمد أحد الإرهابيين أو القتلة المأجورين أو تجار المخدرات بالمال بفائدة، وتم القبض على هذا المجرم أو الإرهابي، هل سيعتبر المقرض شريكا في الجريمة أو مجرد مقرض يغرم بمقدار تقديري لما حققه من فوائد؟ أعتقد أن الجواب واضح. ولو افترضنا أن المقرض الممول للإرهاب قضى محكوميته ثم خرج يطرق أبواب التجار ليقترض منهم، فهل سنجد أحدهم يقرضه المال ليبدأ مسيرته القذرة من جديد؟ أعتقد أن الجواب واضح. إلا تجرم القوانين الدولية الشركات التي تمول الإرهاب والجريمة وتغلق عليها باب التعاملات التجارية، بل حتى تلاحق ملاكها لتقديمهم للمحاكمات! فلماذا تستثني المصارف الثابت عليها تمويل الإرهاب من كل هذا وكأن على رأسها ريشة. ولماذا نجد المستثمرين يتهافتون على شراء سندات لدعم رؤوس أموال هذه المصارف غير آبهين بفعل هذه المصارف الإرهابية المارقة؟ الحقيقة أن الجواب على هذا بسيط "وهذا رأيي الشخصي"، مستثمري سوق السندات لا يعيرون الأخلاق والقيم والقوانين الدولية أي اهتمام. كما أن تهافت المستثمرين على شراء هذه السندات مؤشر على انطباع عام لدى هؤلاء المستثمرين بحصانة هذه المصارف ضد سحب تراخيص عملها في الولايات المتحدة "مما يعني حصانة ضد منعها من التعامل بالدولار". وهذا الانطباع ليس فقط لدى المتهافتين على شراء السندات، بل حتى المودعين وحملة الأسهم وغيرهم من الأطراف ذات العلاقة. أليس التهافت هذا مدعاة للسخرية، مصرف إتش إس بي سي ليلة الإعلان عن الغرامة المفروضة عليه نتاج تعاملاتها مع دول ومنظمات إرهابية، شهد ارتفاع في سعر وتداولات أسهمه بطريقة تندرت عليها النشرة الاقتصادية لـ "بي بي سي". هل بلغ الجشع والطمع والاستخفاف بالقوانين الدولية مبلغ مأساوي يصعب حتى على دولة بحجم الولايات المتحدة إصلاحه؟ أليس التهافت على شراء سندات وأسهم المصارف المجرمة تحديا صارخا لجميع محاولات إصلاح المنظومة المصرفية الدولية؟ هل يقف العالم بكل ما أوتي به من قوة عاجزا أمام حركة رؤوس الأموال وتأثيرها السلبي في القوانين الدولية المتعلقة بتحجيم الإرهاب والجريمة المنظمة بجميع أشكالها وصورها؟ هل بلغ نفوذ المستثمرين مبلغا يستحيل معه كبح جماحهم التي لا تقيم وزنا للأخلاق والقيم والقوانين؟ إن سلوك المستثمرين الدوليين في سوق السندات حيال طرح مصارف دولية أقرت بالجريمة لسندات دعم رؤوس أموالها دليل على عمق الأزمة الأخلاقية للمنظومة المالية العالمية. ولا يمكن بأي حال من الأحوال عدم التنبؤ بكارثة مالية أخرى تحل على العالم نتاج هذا السلوك الذي يضرب بعرض الحائط كل انتهاكات قوانين مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. لا بد من التعامل الصارم مع المصارف المنتهكة للقوانين الدولية أسوة بالشركات التجارية والأفراد، ودون ذلك لن تأتي الأيام بما فيه خير واستقرار العالم.
إنشرها