Author

هذا ما لدينا فأعطونا ما لديكم

|
مع تزايد نشاط الغرفة التجارية ولجانها المتخصصة في متابعة توظيف الشباب والبنات من خلال ترتيب لقاءات بين الشركات والمؤسسات وطالبي العمل، وإصدار الغرف نتائج هذه الأنشطة بموضوعية وصراحة، تطرق بعض الكتاب لمناقشة هذا الموضوع بتوجيه تهم للغرف أنها تحاول رسم صورة بأن الشباب لا يرغب في العمل بالقطاع الخاص نتيجة عرض وظائف بالآلاف والحضور بالمئات. وهنا أود أن أشير إلى مقالة عبد الحميد العمري المنشورة في صحيفة "الاقتصادية" يوم الإثنين 18 /8 /1435هـ الموافق 16/ 6/ 2014م بعنوان "ماذا تريد أن تقول الغرفة التجارية". منتقدا برامج الغرفة في توظيف السعوديين بحجة أنها تعرض وظائف متدنية وقليلة الأجر، والادعاء بأن ما لاحظته الغرف من تدني الإقبال على تلك الوظائف "أنها محاولة من الغرف لرسم صورة وهمية مؤداها أن الباحثين عن عمل لا يرغبون في الحصول على فرص عمل". أود أن أشكر للكاتب الكريم طرحه وحرصه على أهمية خلق فرص عمل في القطاع الخاص جاذبة للشباب السعودي وهو مسعى نتمنى تحقيقه. مع أن فرص العمل التي وجدت في القطاع الخاص وتم التوظيف عليها بلغت حتى الآن أكثر من 1.670 مليون وظيفة حسب ما أعلنت عنه المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تعمل بالقطاع الخاص بمختلف المستويات المهنية وهذا دليل على أن القطاع الخاص هو الموظف الرئيس في المملكة وتأتي بعده حكومة المملكة بجميع أجهزتها. ولعلي أنطلق في هذا التوضيح من المعلومة المهمة جدا التي أوردها الكاتب والتي ذكر فيها أن 90 في المائة من العمالة في القطاع الخاص تحمل مؤهلات علمية متدنية لا تتجاوز الابتدائية، وهذا بالفعل صحيح فالوظائف التي يرغبها السعوديون المتبقية في سوقنا لا تتجاوز 10 في المائة من كل الوظائف المتوفرة في القطاع الخاص، وأغلبها مشغولة بسعوديين ولهذا فإن 90 في المائة من الوظائف التي تعلنها الغرف هي في إطار الإحلال وبالتالي فإن معظمها سيكون من الوظائف المتدنية لأنها كما أسلفت تشكل 90 في المائة من وظائف القطاع الخاص خاصة أن 95 في المائة من منشآت القطاع الخاص هي منشآت صغيرة ومتوسطة، ولا يوجد لديها إلا مثل هذه الوظائف. وإذا كانت المملكة تشهد سنويا تخريج نحو 250 ألف شاب وشابة وهؤلاء لا يمكن توظيفهم بطريقة الإحلال لأنها أقل مما يتوقعونه كخريجين، فليس مبررا أن لا يتم الإعلان عن تلك الوظائف التي قد توفر فرص عمل للشباب السعوديين غير المؤهلين كل في منطقته وكل حسب مؤهلاته. فقد يكون هناك من هو بحاجة لتلك الوظيفة وعلينا مساعدته. ففي عام 2013م نجح مركز التوظيف بغرفة الرياض في توظيف 7169 شابا وشابة، وهناك آلاف آخرون تم توظيفهم من قبل الغرف الأخرى. ولعلي هنا أؤكد أن كافة مراكز التوظيف في الغرف التجارية تعمل جاهدة على توفير الوظائف لأبنائنا الشباب عبر التواصل مع منشآت القطاع الخاص التي تفاعلت مع مبادرات وزارة العمل ووفرت وظائف لائقة تطرحها مراكز التوظيف بشكل منتظم وتعلن عنها في كافة الوسائل الإعلامية وتوظف من خلالها الآلاف من طالبي العمل سنويا. وقد يكون أكثرهم في ما يسمى بالوظائف المتدنية من بعض الإعلاميين. ونحن نتمنى أن نقدم فرص عمل لخريجي الجامعات وكليات التقنية إلا أن هذه الوظائف لا يمكن أن تتوفر إلا من خلال إيجاد اقتصاد قادر على خلق وظائف نوعية وجاذبة للكوادر السعودية، وكل ذلك يتطلب تطوير مشاريع جديدة وشراكات عملاقة مع شركات كبرى ذات عمق استثماري كبير وقوي ولدينا أمثلة عديدة على مثل هذه الشراكات كتلك التي في الجبيل وينبع فحين نجحنا في خلق كيانات كبرى وقوية بفضل الله ثم بدعم الدولة، شهدنا كيف يقبل السعوديون على الوظائف بها. فالسعودة على سبيل المثال في الصناعات البتروكيماوية تجاوزت 75 في المائة، وكذلك في كثير من الصناعات الأخرى، وكذلك في المؤسسات المالية والمصارف بكل فروعها على مستوى المملكة والشركات العملاقة التي تطورها "أرامكو" والقطاع الخاص. وأستطيع أن أؤكد أن كل هذه الشركات العملاقة مكتفية بموظفيها السعوديين ولديها قوائم انتظار كبيرة. إذاً، نحن بحاجة ماسة إلى زيادة مثل هذه المشاريع العملاقة، والشركات الكبيرة مثل ما أعلن عن إحداها أخيرا وهي "شركة الصناعات" التي أنشئت بين "أرامكو" و"سابك" و"الاستثمارات العامة". ولدينا أيضا تجربة مهمة قد تساهم في خلق كيانات كبرى إذا ما طبقت كامل الأوامر الملكية المتعلقة بها من قبل أجهزة الدولة المسؤولة وأولها تجربة "برنامج التوازن الاقتصادي" والذي يفرض على الشركة الفائزة بأي عقد عسكري مع وزارة الدفاع أن تستثمر 30 في المائة من قيمة العقد في مشاريع ذات تقنية عالية في المملكة ومع شركاء من القطاع الخاص، وكانت هذه المبادرة رائعة من وزارة الدفاع في دفع الاستثمار المحلي ونقل التقنية وتعتبر المبادرة الأولى في الشرق الأوسط، والمملكة. وكان ذلك في عام 1984م أي منذ نحو 30 سنة والهدف الأساسي هو الإسهام في نقل التقنية للمملكة، مثل صيانة الطائرات وتصنيع قطع الغيار، وتصنيع بعض أجزاء الطائرات والدبابات أو السيارات المدرعة وغيرها، وكحافز للشركات الأجنبية للمساهمة في المملكة بمزيد من الاستثمارات المدنية والعسكرية. وحتى الآن تم استثمار ما قيمته 21 مليار ريال في 40 مشروعا صناعيا عسكريا ومدنيا فقط، ومن خلالها تم توظيف نحو ثمانية آلاف شاب برواتب مغرية للسعوديين تراوح بين 11 و17 ألف ريال. وما زالت هذه المشاريع تتوسع وشجعت الشركات الأجنبية نفسها بالتوسع في الاستثمار نفسه، وفي استثمارات أخرى لا علاقة لها بالتزامهم بالتوازن مع شركاء آخرين نظرا لاكتشافهم جاذبية سوقنا لمردود مشاريعهم المالية في سوقنا. إن هذه الأرقام التي تحققت في نحو 30 سنة تظهر أن البرنامج لم يحقق هدفه إذ أنه من المفروض أن يلزم كافة الشركات المتعاقدة أن تستثمر مبالغ طائلة تتعدى 21 مليار ريال سنويا والتي تمثل 30 في المائة من قيمة العقود العسكرية الموقعة سنويا وليس استثمار 21 مليارا في 30 سنة وهذا يدل عدم تنفيذ بعض الأوامر السامية من قبل المسؤولين مع أن الأوامر تنص صراحة على عدم الاستثناء. والدليل على جدية قيادتنا بمتابعة هذا الأسلوب الرائع لتوفير استثمارات نوعية وفرص عمل لشبابنا وبناتنا أصدرت حكومتنا وبأمر سامٍ قرارا آخر صدر منذ سنة ونصف بأن تلتزم كل من الحرس الوطني ووزارة الداخلية وكل المؤسسات الأمنية إلى جانب الدفاع بكل أجنحتها البحرية والجوية والبرية، وكذلك كل العقود المدنية الموقعة مع شركات أجنبية مثل "مشاريع المترو هذه الأيام والتي ستبلغ تكلفتها نحو 300 مليار ريال على مستوى المملكة" أن تستثمر 40 في المائة من قيمة العقود متى بلغت قيمتها 400 مليون ريال أو أكثر في مشاريع مجدية تتم الموافقة عليها من لجنة التوازن. وتوقعاتي أنه لو طبقت هذه الأوامر السامية بحذافيرها، فإن العقود المدنية والعسكرية التي سيطبق عليها ستتعدى 150 مليار ريال سنويا، أي أن المبالغ المهيأة للاستثمار في السعودية سنويا 50 مليار ريال. وأمنيتي أن تلتزم وزارة المالية بما ألزمها الأمر الملكي بأن تلتزم هذه الشركات الأجنبية صراحة في العقد بالتزامها بالتوازن الاقتصادي بنسبة 30 في المائة حسب الأمر الملكي الأول دون أي صلاحية للاستثناء حسب ما نص عليه الأمر السامي وألا يدفع للشركة الدفعة النهائية وهي 10 في المائة إلا بعد إحضار شهادة من لجنة التوازن بأنها فعلا استثمرت بما التزمت به وإذا كان هناك استثناءات فليعلن للعموم أننا على قناعة أن قيادتنا وحسب تجاربنا الشخصية معهم لا تقبل ولا تفضل أي استثناء. ولو تم تطبيق الأمر السامي بحذافيره لأنشئت المئات من المصانع وشركات التقنية، مماثلة لما أنشئت حتى الآن وخلقت آلاف الوظائف التي تليق بالشباب السعودي، ولتحقق هدف تنويع مصادر الدخل لبلدنا، ولأصبحت بلدنا في مصاف الدول المتقدمة. لذا أتمنى من وزير الاقتصاد والتخطيط والأجهزة الرقابية ووزارة المالية وقبل كل ذلك وزارة الدفاع والداخلية والحرس الوطني الحرص على تطبيق الأمر السامي بحذافيره وعدم تحقيق طلبات الشركات أو وكلائهم بالاستثناء خاصة أن جميع الدول تتنافس للحصول على نصيب من عقودنا كما تظهر زيارات رؤسائهم ووزاراتهم المستمرة. فالعقد شريعة المتعاقدين، وأن يكون التزام هذه الشركات مثل التزام الشركات الأجنبية مع الدول الأخرى مثل: تركيا، الإمارات، الكويت. إن تجاهل الالتزام بالأوامر الملكية وكثرة الاستثناءات وكذلك عدم وجود جهاز متخصص للمتابعة والمراقبة وعدم وجود جهاز آخر متخصص لتطوير أفكار مشاريع تعرض على الشركات الأجنبية الملتزمة بالتوازن ومساعدتها على تنفيذ هذه المشاريع، إلى جانب ذلك مع الأسف ضعف الدور الرقابي للجنة المتخصصة وهي لجنة التوازن الاقتصادي برئاسة معالي وزير الاقتصاد والتخطيط وعضوية وكلاء أكثر الوزارات كل ذلك أدى إلى فقدان الاستفادة من برامج التوازن الاقتصادي وأهدافه الرائعة في خلق فرص عمل ذات نوعية عالية وتنويع الاقتصاد الوطني. وكذلك لدينا التجربة الثانية وهي الأوامر السامية المهمة في مساعدة زيادة الاستثمار الأجنبي وخلق الكيانات الاقتصادية الكبيرة فيما لو طبقت هذه الأوامر بشكل كامل وهي الأوامر المتعلقة بإلزام جميع الأجهزة الحكومية والشركات الحكومية باستخدام المنتجات الوطنية في كل مشاريع الدولة لتشجيع الصناعة المحلية ونقل التقنية، حتى لو كان الفرق في السعر بين المستورد والمنتج المحلي 10 في المائة. وهذا الإجراء متبع في جميع أنحاء العالم وهذا يؤدي للانتقال السريع للاستثمارات الأجنبية للمملكة، حيث يرغب الموردون الأجانب في المشاركة في توريد منتجاتهم لعملية البناء العملاقة في سوقنا. اليوم لدينا نحو 6.400 مصنع سعودي في كل القطاعات، باستثمارات تعدت 800 مليار ريال ويعمل بها نحو 200 ألف عامل، وكل عامل صناعي يوفر ثلاث فرص عمل أخرى، وإنني على يقين أنه لو طبق هذا الأمر الملكي بوضوح لتعدت مصانعنا 12 ألف مصنع وباستثمارات تتعدى تريليوني ريال ومبيعات تتعدى 800 مليار ريال، وأهمها لتوافرت فرص عمل أخرى تتعدى المائة ألف فرصة عمل مباشرة، السعوديون يمثلون ما لا يقل عن 40 في المائة في مثل هذه المشاريع ذات التقنية العالية. والمبادرة الثالثة التي ستوفر فرص العمل التي يتوقعها الجميع من كتابنا وهي بالآلاف وهي مناسبة لكل السعوديين خريجي الجامعات العلمية أو الأدبية وكذلك مراكز التدريب المهني أو حتى خريجي الابتدائية وهي عقود الصيانة والتشغيل في مشاريع الدولة وهي منتشرة في جميع أنحاء المملكة. وهنا مطالبتنا أن يفرض نسبة 20 في المائة سعودة لعقود الصيانة والتشغيل الحكومية وعلى أجهزة الدولة أن تحدد مسمى الوظيفة للسعودي والراتب والمزايا الأخرى في كل عقد يطرح لكي يأخذها المقاول بالاعتبار ويلزمه وإلا فالجهة الحكومية توظف وتخصم على المقاول غرامة. وهذه وظائف دائمة ومماثلة لوظائف الدولة المرغوبة من قبل الشباب من حيث الاستدامة لانتقالهم من مقاول لآخر في نفس الموقع وأكثرهم بالقرب من أهاليهم لأن هذه العقود منتشرة في كل المناطق وهذا الأسلوب الرائع مطبق في "أرامكو" حيث حققت 60 في المائة سعوديين وفي "الهيئة الملكية" حققت 50 في المائة وفي الموانئ حققت 45 في المائة سعوديين، كلها في عقود الصيانة والتشغيل. نحن هنا نتحدث عن 200 ألف وظيفة ستتوفر على مستوى المملكة وقد أمر الأمير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد وزير الدفاع معالي وزير العمل بالرفع لسموه عن خطة اعتماد مثل هذا البرنامج خلال ثلاثة أشهر فشكرا لسموه على تبنيه هذه المبادرة. ولقد أكد لنا معالي نائب وزير العمل أن الدراسة الأولية أثبتت جدوى هذه المبادرة الرائعة من سمو الأمير سلمان أطال الله في عمره. لهذا أختم بأننا متفقون مع الكاتب الكريم على أهمية توفير فرص عمل ذات مردود مالي جيد من خلال خلق كيانات جديدة كبيرة لأن الإحلال الحاصل الآن لا يخلق فرص عمل جديدة للسعوديين ومع كل هذا فليس من الحق أن نحجب أي فرصة عمل متوفرة مهما كان مستواها. وقبل أن أختم مداخلتي أود أن أؤكد على كل الكتاب المهتمين بفرص العمل لشبابنا بأن يتابعوا ويحللوا كل الأوامر السامية وكل الأفكار الخلاقة التي قدمتها قيادتنا لخلق فرص عمل ذات نوعية ومقبولة للشباب ويتابعوا بأسلوبهم البحثي والاستخباري عن مدى تطبيقها من قبل البيروقراطيين والأسباب التي تدفع هؤلاء البيروقراطيين لمخالفة الأوامر السامية. إن دور الإعلام الاقتصادي دور قيادي في متابعة خلق مثل هذه الفرص وفي متابعة أي عقد يوقع بالبلايين ومتابعة تنفيذ هذه الأوامر بشكل واضح ومدى التزام الشركات الأجنبية بتوفير فرص عمل للسعوديين. وكل ذلك لن يمنعنا في الغرف من مواصلة عرض وظائف متدنية كما يعتقد بعض الكتاب لشبابنا وبناتنا متى حققت تطلعاتهم. والله الموفق.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها