كامل الخطي أحد الكتاب والباحثين السعوديين القلائل, الذين لا يفضلون الحضور الإعلامي المكثف, على حساب الجدية في الطرح. الخطي أحد أبناء مدينة القطيف, شرقي السعودية, من أبرز الباحثين المتخصصين في الرصد والتحليل لحركات “اليسار” ولحظات صعودها وهبوطها.
يتنقل في هذا الحوار في سرد تحليلي تاريخي وآني حول المشهد السياسي من زاوية حركات “اليسار” العربية والخليجية والسعودية, ومآزقها التي يراها ثقافية وليست فقط سياسية. ابتداء، هل شكل ما اصطلح عليه "الربيع العربي" وحراك جماهيره صدمة للحركات والأحزاب "اليسارية" عندما وجدت هذه الجماهير تتحرك بعيداً عنها, دون أي طلائع فكرية أو حزبية "يسارية" حقيقية تقوده أو تؤثر فيه؟
عشية انطلاق الهبّات الجماهيرية في 2010 وتصاعد وتيرتها وازدياد زخمها مع بداية 2011 إلى درجة الإطاحة بأنظمة حكم كان يُظنّ بها الاستعصاء على السقوط كنظام الرئيس زين العابدين بن علي في تونس ونظام الرئيس حسني مبارك في مصر ونظام العقيد معمر القذافي في ليبيا, لم يكن هناك فصيل يساري عربي جاهز للتعامل على مستوى الحدث مع هذه المنعطفات الكبرى وهذه الزلازل السياسية, فاليسار العربي بشقيه الماركسي-اللينيني أو التقليدي, والقومي أو اليسار الجديد خسر موقعه التمثيلي ووزنه التعبوي خلال ربع القرن الأخير, والشرائح الاجتماعية التي يرى اليسار أنه كان ممثلها, قد تغيرت. هذا التغيير يعود في جزء منه لحقيقة تفكك الاتحاد السوفياتي وزوال كتلة الدول الاشتراكية من الوجود, وفي جزء آخر, يعود لصعود الإسلام الحركي وتنامي نفوذه الجماهيري, وكذلك لعجز اليسار العربي – التقليدي تحديداً – عن مراجعة النسخة السوفياتية من الماركسية, ومواءمتها لمقتضى الحال في المجتمعات التي كانت ساحات نشاط لهذا الفصيل اليساري أو ذاك. استناداً إلى ما تقدم, أستطيع القول إنه لم تحدث صدمة لليسار, وأنه لم يبق من يمكن أن يُصْدَم بذلك الحراك. لعلك تلحظ أن اليسار العربي عاجز عن الإسهام بجهد لوقف زحف الثورة المضادة, فاليسار العربي جالس على مقعد المتفرج, يتفاعل ولا يفعل. أليس لافتا من وجهة نظرك أن القواعد الشعبية لـ"اليسار" في الستينيات أصبحت اليوم هي القواعد الشعبية للإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي؟ إذا كنت تتفق مع هذا الملمح كيف تقرأه؟
القواعد الشعبية هي القواعد الشعبية أياً كان محركها, فالقواعد الشعبية هي بطبيعتها قوى تابعة يسهل حشدها وتعبئتها متى ما أدرجت في قاموس الخطاب التعبوي مفردات تشير إلى المطالب المحقة لهذه القواعد الشعبية. ولو رصدنا مصر كمثال, فسنجد أن قوى سياسية كجماعة الإخوان التي التحقت بالثورة الشعبية يوم 28 يناير 2011 وليس يوم 25 يناير, قدمت مطالب الطبقات الشعبية كشفيع لها عند هذه القواعد, ثم بعد أن حكمت, تبين لأصحاب هذه المطالب أن مطالبهم لم تحقق وأن الدولة وهي تحت سيطرة نظام الإخوان تسلط أجهزتها لقمعهم وترهيبهم تماماً كما كانت تفعل إبان عهد النظام الذي ثارت عليه وأطاحت به. والعامل المذهبي هنا لا يحدث فرقا! فالخطاب السياسي لحركة الإصلاح التي كان اسمها "منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية" كان قد لتوسل المطالب العقلانية للشيعة في منطقة القطيف, وحرض المدنيين العزل على التمرد على الدولة وأجهزتها تزامناً مع اقتحام جهيمان العتيبي وجماعته للحرم المكي واحتلاله خلال تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1979 فكانت النتيجة أن سقط عشرات القتلى من الشباب الذين لا ينتمون لهذه المنظمة. هذه التجربة مهدت الأرض أمام "منظمة الثورة" لتجنيد المزيد من الكوادر باعتبار أن الجرح النازف شكل رافعة للسخط وللاستعداد للتضحية والفداء. هذه المنظمة بدأت بالاتصال السياسي بالدولة وأجهزتها منذ بداية التسعينيات, ونتج عن هذا الاتصال عقد اتفاق بينها وبين الدولة, عادت المنظمة وكوادرها بموجبه من الخارج ومنحت الدولة هبات سخية للكوادر القيادية للمنظمة, ومنحتهم المجال لكي يحلوا محل الأنساق التقليدية للوجاهة والزعامة في مجتمعهم المحلي, ولم يكلف أحد من قيادات المنظمة نفسه عناء الاعتذار للناس الذين فقدوا أبناءهم نتيجة تحريض المنظمة لهم رغم مراجعة المنظمة لأطرها النظرية والفكرية وإعادة نظرها في أساليب عملها.
لكن دعني أقول لك شيئاً, تفكك الاتحاد السوفياتي شكل حدثاً حاسماً لليسار عموماً، وليس اليسار العربي استثناء. وبذلك، فقد أصبحت الحصة الكبرى من الخطاب السياسي لليسار العربي - يندرج تحت هذا الاصطلاح، التيار اليساري القومي، والتيار الاشتراكي، والتيار الماركسي - التي كانت مركزة على العدالة الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية الشعبية والأحزاب الثورية، تتبنى الخطاب النيوليبرالي الذي يركز على العولمة والتعددية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني. القوى المُعرَّفَة كيسارية والتي تمتعت بنفوذ وفقدته خلال الربع قرن الأخير فقدت قوتها التمثيلية التي حظيت بها في فترة سابقة، كما أن الناس الذين كان يتصدى اليسار لتمثيلهم قد تغيروا أيضاً. وقد أدرك كثير من اليساريين أنه لم يعد بإمكانهم إعادة تشكيل هويتهم الفكرية والسياسية بعيداً عن الواقع المستجد، وجانب مهم من هذا الواقع، يعود لنمو قوة الحركة الإسلامية. وفي محاولة لمعايشة الواقع السياسي المستجد، تعرضت صفوف اليسار العربي لكثير من التصدعات الفكرية والسياسية.
في أحد الجوانب، كثير من اليساريين في بعض الدول، اختاروا الدولة. على الصعيد الفكري، فإنّ الذين اختاروا الدولة من اليساريين، أخذوا في الاعتبار إرث النهضة العربية واهتمامها بالتحديث وبناء الدولة المدنية. على الصعيد السياسي، وعلى الرغم من استمرار غالبية الأنظمة العربية على نهجها التسلطي، إلا أنّ هذا التيار رأى في الدولة الملاذ الأخير للعقلانية التي يمكن بها إبعاد خطر الصعود السياسي للقوى الإسلامية. لكن ماذا عن المقلب الآخر..هناك من تقاطع مع أجندة الحركات الإسلامية ونظَّر لها؟
هذا صحيح, فقد أغرى التأثير الشعبي للقوى الإسلامية، بعض اليساريين، فحاولوا جذبهم إلى جانبهم، وأوضح هذه المحاولات كانت تلك التي جرت أثناء انعقاد المؤتمر القومي- الإسلامي الثاني في بيروت عام ١٩٩٧ الذي قام بتنظيمه مركز دراسات الوحدة العربية. فقد ظن بعض القوميين والاشتراكيين الذين شكلوا هذا التيار، أن بمقدورهم تعريب وعقلنة الإسلاميين. وقد اعتمد هذا التيار اليساري على حقيقة أن بين الإسلاميين نزعات سياسية متعددة، وعليه، فإن تأجيل النقاش حول مسألة علمانية السلطة، كفيل بأن يجعلهم يلتقون - على الأقل - مع بعض الإسلاميين في نقاط كثيرة. كتبت سابقاً عن حالة من الهشاشة لدى المثقف العربي في فهم "اليسار" في بعده الأعمق, كالتفريق بين الشيوعية "الستالينية" والأخرى "اللينينية", أين تتجلى هذه الهشاشة التي تعنيها في نقدك؟
تتجلى هذه الهشاشة أساساً في أن اليسار العربي وبالذات الأحزاب الشيوعية العربية (المُسَفيِته) قد عجزت عن معاجة الاستحقاقات الوطنية والقومية بعيداً عن هيمنة الاتحاد السوفياتي, وربما يكون الإعلان عن قيام الكيان الإسرائيلي والاعتراف به من قبل الأحزاب الشيوعية العربية انسجاماً مع الاعتراف السوفياتي بهذا الكيان, هو أول مأزق نوعي أثر سلبياً في قوة الأحزاب الشيوعية العربية وأوجد بينها وبين جماهيرها هوة أوسع من أن تردم. وفي هذا الشأن يذكر بهاء الدين نوري (تولى الأمانة العامة للحزب الشيوعي العراقي لمدة قصيرة في ستينيات القرن العشرين) بأن الحزب الشيوعي العراقي كان في عام 1959 جاهزاً للسيطرة على حكم العراق وانتزاعه من يد عبد الكريم قاسم, وإن قيادة الحزب ناقشت هذا الأمر واستعدت وأعدت الشارع لهذا التحول, إلا أنها عادت وصرفت النظر بعد أن نهتها القيادة السوفياتية. وفي سورية, حدث انشقاق كبير في صفوف الحزب الشيوعي السوري بقيادة رياض الترك, اتضحت معالم هذا الانشقاق في كانون الأول (ديسمبر) عام 1973 خلال أعمال المؤتمر الرابع للحزب, وكانت المسألة القومية, ونقد النهج الستاليني, والمقاربة الديمقراطية, وأطروحة العمل من خلال المجتمع المدني من ضمن الأسباب الرئيسية لهذا الانشقاق. بينما نجد في أوروبا الغربية أن الماركسيين الأوروبيين الغربيين قدموا رؤى متمايزة جذرياً عن الرؤى السوفياتية, ولتوضيح هذه النقطة سأورد التعريف اللينيني لمن هو الماركسي, وذلك كما ورد في مختارات لينين, وتحديداً في كتاب "الدولة والثورة": الماركسي هو ذلك الذي يعترف بالصراع الطبقي وبدكتاتورية البروليتاريا, وهذا هو المحك لاختبار حقيقة الاعتراف بالماركسية. كلام لينين هذا, لا لبس فيه!
ماذا عن أغلبية الأحزاب الشيوعية في دول أوروبا الغربية التي حذفت مبدأ دكتاتورية البروليتاريا من برامجها ونظمها الداخلية وأعلنت ذلك مبكراً, ومنها محاججتان في هذا الشأن قدمهما "جورج مارشيه" أمين عام الحزب الشيوعي الفرنسي أثناء انعقاد جلسات المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي الفرنسي, ونشرت لاحقاً في النشرة الاشتراكية الفرنسية عام 1976 دون أن تحدث انشقاقاً في صفوف الحزب. بالنسبة للشق الفلسفي من علامات اليسار التاريخية يبرز الفيلسوف الإيطالي اليساري أنطونيو غرامشي الذي قدم أطروحة لافتة ترى أن الإصلاح السياسي يأتي في آخر قائمة الأولويات بعد الإصلاح المدني والثقافي والاقتصادي, الممهد بدوره كبنية صلبة للإصلاح السياسي. هل هذه الفكرة الغرامشية, قادمة من خارج صندوق اليسار النمطي التقليدي في رأيك, وهل هي أقرب لليبرالية منها لليسار التقليدي؟
صحيح أن أنطونيو غرامشي يصنف كأحد أهم مفكري القرن العشرين, إلا أن ذلك لا يعني أبداً أن أفكاره خارج النمط التقليدي, فالنمط التقليدي نسبي للغاية, فما هو تقليدي ونمطي في المجتمعات الأوروبية الغربية, يبعد عن مجال تفكيرنا العربي سنوات ضوئية. إذ إن هناك تجمعا قاريا في أوروبا الغربية اسمه "يوروكومينيسم" أو الشيوعية الأوروبية ضم بعض أكبر الأحزاب الشيوعية وأكثرها جماهيرية كالحزب الشيوعي الإيطالي والحزب الشيوعي الإسباني والحزب الشيوعي الفنلندي. هذه جميعها أحزاب نشطت في ظل الأنظمة الرأسمالية المتقدمة. هذا التجمع القاري ظهر إلى حيز الوجود منذ سبعينيات القرن العشرين وكان أحد الأهداف الرئيسة لهذا التجمع هو تطوير نظريات وممارسات التحول الاجتماعي بما يتماشى ويتناسب مع المعطيات الأوروبية الغربية بعيداً عن التأثير السوفياتي, وامتد تأثير هذا التوجه إلى خارج القارة الأوروبية, فقد أثر في "حركة الاشتراكية" في فنزويلا وفي الحزب الشيوعي الياباني والحزب الشيوعي المكسيكي والحزب الشيوعي الأسترالي, بل أن ميخائيل جورباتشوف أشار إلى أن "الشيوعية الأوروبية" مؤثر رئيس في أفكاره حول الإصلاح والشفافية. نماذج المفكرين الأوروبيين الغربيين الذين أسهموا بفاعلية في تأسيس القواعد النظرية القائمة على مقتضى حال مجتمعاتهم الرأسمالية المتطورة, نماذج واضحة وإرثها النظري مؤثر ويدرس إلى اليوم في أرفع المؤسسات الأكاديمية الأوروبية. من هذه النماذج, البريطاني الجنسية والبلجيكي المولد من أصل يهودي بولندي, هو "رالف ميليباند" والد وزير الخارجية البريطاني العمالي الأسبق "ديفيد ميليباند" ووالد زعيم حزب العمال البريطاني منذ عام 2010 "اد ميليباند", بدأ ميليبند في نشر طروجاته ونقوداته للماركسية "المسفيته" منذ عام 1969, ونموذج آخر نجده عند اليوناني "نيكوس بولانتزاس" منذ عام 1968, والمؤثر الأهم في بلورة تيار "الشيوعية الأوروبية" هو الإسباني "سانتياغو كاريللو" الذي كان أميناً عاماً للحزب الشيوعي الإسباني من 1960 حتى 1982. وفي إيطاليا التي هي واحدة من الدول الصناعية الكبرى يتولى منصب رئاسة الجمهورية فيها "جورجيو نابوليتانو" الشيوعي منذ عام 1945 حتى عام 1991 وهو العام الذي غير فيه الحزب الشيوعي الإيطالي مسماه إلى "حزب اليسار الديمقراطي" وبقي نابوليتانو على عضويته حتى عام 1998 عندما غير "حزب اليسار الديمقراطي" مسماه إلى "ديقراطيو اليسار" وبقى عضواً فيه إلى أن انتخب رئيساً لإيطاليا عام 2006 وأعلن حينها استقلاله, ويعد نابوليتانو من أعمدة السياسة الإيطالية ومن أطول السياسيين الإيطاليين استمراراً في المزاولة إلى درجة أن الإعلام الإيطالي يطلق عليه لقب "الملك جورج", وهو معروف بحرصه الشديد وأمانته على الروح الليبرالية للمجتمع والسياسة في إيطاليا. لننتقل لحركات "اليسار" الخليجية, أين هو مأزقها الحقيقي التاريخي, وأين هي على الخريطة السياسية والثقافية اليوم؟
المأزق الحقيقي للحركات والأحزاب اليسارية في منطقة الخليج يعود لجملة أسباب, من أهمها عجز هذه الحركات والأحزاب عن تكوين قواعد شعبية لها, باستثناء عمان في نهاية ستينيات القرن العشرين حتى أواخر سبعينيات القرن, والبحرين حتى بداية ثمانينيات القرن العشرين. ففي ذروة ازدهار المد التقدمي في المنطقة العربية, استطاعت فصائل يسارية في العراق وسورية ولبنان والأردن وفي الشتات الفلسطيني والسودان وتونس والمغرب, وبدرجة أقل, الجزائر ومصر أن تُكوّن لها قواعد شعبية شكلت أولاً أدوات ضغط سياسي, وثانياً, روافد لإعادة البناء بعد التعرض لضربة منهجية من قبل النظام الحاكم في هذا القطر العربي أو ذاك. وهذا أمر لم يتحقق لأغلبية الفصائل اليسارية في منطقة الخليج, التي بقيت ذات طابع نخبوي. قد يعود السبب وراء هذا العجز إلى عدم وجود التربة الخصبة التي يمكن لمثل هذه الأفكار الازدهار فيها, هذه التربة عادة تكون في أوساط الشرائح الاجتماعية الأكثر حرماناً والأشد فقراً, أو في أوساط الطبقة العاملة الوطنية, وهو ما تفتقر إليه المجتمعات الخليجية منذ بدء الطفرة النفطية وحلول العامل الأجنبي مكان المحلي, أستطيع إضافة عوامل الوفرة المادية والقبلية والتدين التقليدي إلى جملة الأسباب التي حجمت نمو الحركات اليسارية في الخليج واضطرتها للبقاء على نخبويتها.
على صعيد الأفراد الذين احتلوا مواقع قيادية في بعض الفصائل اليسارية في فترات زمنية سابقة, لنأخذ نموذج إسحاق الشيخ يعقوب بشيء من الحذر, فإسحاق مناضل سياسي مخضرم ومثقف بارز وكاتب غزير الإنتاج. بدأ مسيرته النضالية منذ نهاية أربعينيات القرن العشرين مروراً بمشاركته في حركة الإضرابات العمالية عامي 1953 و1956 والتي فر إثرها إلى خارج البلاد إلى حين عودته عام 1975. ينتمي إسحاق الشيخ يعقوب لأسرة كريمة من أصل فارسي ويفصل هذا الجانب في سيرته الذاتية "إني أشم رائحة مريم". يبدو جلياً أنه ولأسباب عرقية, يبغض إسحاق كل الأفكار والتيارات التي لها توجه عروبي ويصف الخطاب القومي بـ "الاستنباح القومي" ويصف أي موقف سياسي ذي بعد قومي بـ "الدبق القومي". كيف لقائد يساري في تنظيم ينشط في بيئة عربية أن يحمل هذا القدر من العداء لمكونات هذه البيئة, وفي الوقت نفسه ينجح في تكوين قاعدة شعبية لأفكاره وأفكار الفصيل السياسي الذي ينتمي إليه؟! حسناً.. لننتقل للشق القومي أو العروبي من الحركات "اليسارية" .. كيف تقرأ العلاقة بين "العروبيين" الخليجيين والإسلام السياسي, بل المتطرف منه مثل حزب الله؟
تفكك الاتحاد السوفياتي شكل حدثاً حاسماً لليسار عموماً, وليس اليسار العربي ولا اليسار الخليجي استثناءات سلمت من تأثير هذا الحدث المفصلي. أدى هذا الحدث إلى حدوث انشطارات مركبة في صفوف اليسار بكل أطيافه, وربما كانت الفصائل اليسارية الأقرب للنهج السوفياتي هي الأكثر تضرراً جراء هذا الحدث. ولكن اليسار القومي وعلى الرغم من المسافة التي كانت تفصله عن النهج السوفياتي, قد أصيب بأضرار كتلك التي أصابت الفصائل الأقرب للنهج السوفياتي. رشحت عن الانشطارات "يسارات" بعضها اختار الدولة – رغم المآخذ على تسلطها - بما هي عقلانية وبما هي حارس على القيم المدنية, وبعضها حاول ولا يزال النأي بنفسه عن الدولة وعن فصائل الإسلام السياسي ويسعى لإيجاد مقاربات واقعية لقضايا الاجتماع والسياسة, وبعضها وجد في تأييده ودعمه لفصائل الإسلام السياسي, استمراراً في أداء دوره المعارض للأنظمة الحاكمة. هذا النوع الأخير, منه يساريون عروبيون, ومنه يساريون تقليديون. من السهل إلقاء كل اللوم على المتحولين, والاكتفاء بذلك, ولكني أجدها فرصة سانحة للتذكير بالتجربة العمانية التي تلت إسدال الستار على سنين من أحداث ثورة ظفار. فبعد أن وضعت الحرب بين متمردي ظفار المسلحين وبين القوات السلطانية العمانية, قامت الدولة – المنتصرة - في عمان, بمبادرة, احتوت من خلالها عشرات الكفاءات التي كانت تنشط في صفوف الثورة, ووظفتهم في مختلف أجهزتها واستفادت منهم ومن خبراتهم ومؤهلاتهم. وهذا دور يمكن لباقي أنظمة الخليج القيام به, خصوصاً أن الحرب الباردة قد انتهت منذ عقود, والإيمان بالقيم المدنية الحديثة قد يشكل الأرضية التي تلتقي عليها الأنظمة مع أصحاب الكفاءات من اليساريين من كل الأطياف, ما عدا أولئك الذين ينتهجون العنف أو يدعمون من يتخذ العنف منهجاً. في المشهد الخليجي والسعودي تحديداً, يظهر الدكتور عزمي بشارة لدى مجاميع شبابية كملهم تنظيري للمفاهيم "العروبية", سؤالي من شقين .. الأول: إذا كان للفكر العروبي حضور حقيقي في المشهد السعودي لماذا لم ينتج رموزه المحلية وتراثه الفكري التراكمي؟ الشق الثاني: هل "القومية" تصلح كبديل سياسي يملك برنامجه السياسي الواضح والواقعي؟
لدي شك في سلامة إدراك من يعتقد بأن عزمي بشارة يستحق المكانة التي يشغلها في وجدان بعض العروبيين, فالشواهد التي أظهرت مدى قوة العُرى الرابطة بين قطر وإسرائيل, تجعلنا نسأل عن المنطق وراء اختيار عزمي بشارة لقطر كملجأ يحتمي فيه دوناً عن سائر الأقطار التي لا تربطها بإسرائيل أية علائق, خصوصاً أن التهمة التي تواجه عزمي بشارة كمواطن إسرائيلي, هي الاتصال بجهة عدوة, وهذه تهمة في غاية الخطورة, وإذا ثبتت جدية إسرائيل في توجيهها لعزمي بشارة, فما الذي يمنع الذراع الاستخباراتية الإسرائيلية الطويلة من أن تطول عزمي بشارة في ملجئه القطري, وهي الذراع التي سبق لها أن طالت عبد الرؤوف المبحوح في إمارة دبي وهي الأفضل من حيث الحصانة الأمنية؟!
يبدو أننا استوردنا الفكر العروبي واستهلكنا شعاراته دون أن نسهم في إنتاجه, كما استوردنا سائر الأشياء والأفكار واستهلكناها دون أن نسهم في عمليات إنتاجها, وذلك مقابل تصديرنا للنفط. لذا, لا وجه للاستغراب من عدم وجود رموز "عروبية" محلية سعودية وتراث فكري عروبي منتج محلياً. هذا يجيب عن جزء من الشق الثاني لسؤالك. أما الجزء الآخر من الشق الثاني فجوابي عنه هو أن الفكر القومي قد أصابه تطور نوعي, وصدرت عنه نسخ ما بعد حداثية لا ترى في الوحدة العربية الحلم الذي توجه جميع الجهود من أجل إدراكه على أرض الواقع, وإنما ترى التكتل القائم على المشتركات الحقيقية والمتخيلة والمصالح الإقليمية والمجتمع المدني وتوسيع المشاركة السياسية ونشر ثقافة الحقوق, هي مرتكزات النهضة القومية المتوخاة والمرجوة, مع إصلاح وتطوير الدولة الوطنية والحفاظ عليها كحاضنة للنمو. الفكرة القومية الكلاسيكية السابقة في الظهور والتبلور على البعث والتيار الناصري, لا تحتوي على معاني العدل الاجتماعي وتنمية الحالة المدنية, ولم تلتفت لقضايا الحقوق والمشاركة السياسية, وإنما كانت تنطلق من عقيدة الفداء القومي برومانسيتها العقائدية الشوفينية, وقد ضمت في صفوفها الإقطاعي إلى جانب العامل المطحون! سؤال أخير.."النشطاء" أو "الحقوقيون" في السعودية هل يمكن إدراجهم تحت خانة "اليسار" بأي حال من الأحوال؟
من يُعرّف نفسه كيساري, لا يمتلك أحد الحق في نزع هذا التعريف عنه, وهذا ينسحب على "النشطاء والحقوقيين". لكن بما أن "النشطاء والحقوقيين" يتخذون من المجال العام ساحات لأنشطتهم, فيحق لنا أن نتوقف أمام اسم كل "ناشط" وكل "حقوقي" ونسائل ماضيه ونسائله عن كنه "نشاطه" وعن طبيعة "الحقوق" التي يتصدى للدفاع عنها. شأنه في ذلك, شأن كل الشخصيات العامة. من يرفض المساءلة وهو يزاول مهاماً عامة, يحق لنا أن نطلب منه أن يستقيل من مهامه وإن كانت تطوعية وإن كان يعلن عن طبيعتها غير الربحية. هذه المقدمة تقود إلى ملاحظة أن عدداً من "النشطاء" و"الحقوقيين" هم أصحاب ماض إسلامي حركي يحاولون التعمية عليه متوسلين بـ "ستايل" جديد ورطانة ما بعد الحداثية, وملاحظة أخرى هي أن ظهور وانتشار هذه النماذج أصبح يحاكي ظهور النباتات الموسمية في كثافته وطفيليتها أحياناً, والسبب في ذلك, هو أن التحلي بصفة "ناشطا" أو "حقوقيا" تمنح صاحبها درجة من الوجاهة, وتوفر له حضوراً اجتماعياً وإعلامياً على درجة معقولة من الكثافة.
لكن دعنا ننبه على شيء أخير, اليسار في السعودية هش في العموم، وفقد قوة تأثيره وقوته التمثيلية منذ النصف الأول من ستينيات القرن العشرين . وعانى اليسار في السعودية - رغم محدودية تأثيره - عدة ضربات منهجية عمقت من حالة ضعفه حتى زالت هياكله التنظيمية من الوجود قبل منتصف تسعينيات القرن العشرين. رغم محدودية أو انعدام تأثير اليسار في السعودية في مجريات السياسة تحديداً، إلا أن لليسار بصمة واضحة في تكوين الوعي الفني والأدبي والمعرفي عموماً. عدم قدرة اليسار على النمو وممارسة التأثير السياسي في السعودية، لها أسباب وجيهة، ليس هذا سياق عرضها ومناقشتها. أصاب اليسار في السعودية ما أصاب اليسار عموماً، وتصدعت صفوف اليسار في السعودية كما تصدعت صفوف اليسار عموماً. رشحت عن هذه التصدعات مشارب فكرية مختلفة، وقد مثل هذه المشارب واختلافها أشخاص لهم تأثير غير متساو في بروزه وانتشاره؛ ولكنهم، ومن خلال ما يكتبون وينشرون في الصحف والمجلات ومختلف وسائل الإعلام، يشكلون نماذج واضحة لاختلاف المصير والمآل. الأبرز منهم قد تبنى مفهوم الدولة بوضعها الراهن وكل مآخذه عليها، باعتبارها أرحم من (القوى الظلامية)، وبعضهم يغازل الدولة بحذر، فيثني على ما يراه إيجابي، وقد يمارس نقداً رقيقاً لأوجه القصور في أداء أجهزة الدولة، لكنه يحاذر من تأييد القوى الإسلامية الصاعدة باعتبارها تهديدا حقيقيا لوجوده وحيثياته الفكرية والمجتمعية وقيمه الحداثية وما بعد الحداثية؛ هذا النوع من اليساريين نجده في صف اليساريين من أصل شيعي أكثر من أن نجده في صف اليساريين من أصل سني؛ فاليساريون من أصل سني، نلحظهم أكثر في النوع الأول الذي اختار الدولة كما هي. اليساريون من النوعين الأول والثاني، أغلبهم يصدرون عن خلفية ماركسية - لينينية محافظة سياسياً، أو بكلامٍ آخر: غير راديكالية.
حيث يوجد نوع ثالث من اليساريين في السعودية يصدرون عن خلفية يسارية - قومية، وهؤلاء أكثر راديكالية من النوعين الأول والثاني، ومن هؤلاء من أبدى الدعم والتأييد لـ "لصحوة"، بعضهم على أساس جهوي، وبعضهم على أساس قبلي، وبعضهم على أساس من عداء متجذر لمبدأ الحكم الملكي . هذا النوع الثالث من اليساريين لا يكاد يلحظ له وجود في صف اليساريين من أصل شيعي.
ما أسلفته من شرح لمشهد تصدع اليسار في السعودية، لا يعني بأي حال القطعية في التصنيف؛ فهناك من اليساريين من أصل شيعي من يمد يده - لفصيل واحد على الأقل - للمصافحة الودودة الدافئة مع الإسلام السياسي الشيعي سعياً للحفاظ على مكانة اجتماعية يخشى فقدها إن اسْتُهْدِف من قبلهم في سمعته!
الخلاصة هي أن اليسار في السعودية لم يكن كتلة واحدة، كما هو الآن ليس كتلة واحدة، وهذا يستدعي التفريق بين يساري وآخر في الموقف من الوضع الراهن، وهذا يستدعي أيضاً تجنب التعميم في حال رصدنا ليساري يؤيد الإسلام السياسي؛ فاليساري المؤيد للإسلام السياسي يمثل التيار الذي ينتمي إليه، ولا يمثل كل اليسار. وكما أسلفت في حالة تعريف تيارات عربية لذاتها باليسارية، فهذا ينطبق على اليساريين في السعودية أيضاً؛ فإذا عرّف أحد هويته الفكرية كيساري، لا يحق لنا شجب واستنكار تعريفه لنفسه، وإنما نميز أنّ موقفه لا ينسحب على مجمل اليسار، وكذلك موقفنا يجب ألا يكون تعميمياً على مجمل اليسار.

