تسببت الحرب في سورية في مقتل أكثر من 150 ألف شخص، وأجبرت الملايين على الفرار من بلادهم لكنها لم تجلب سوى الغنى لمحمد، مزارع الحشيش الذي يعيش في لبنان بالقرب من الحدود مع سورية في منطقة البقاع اللبنانية، حيث تزدهر أعمال المخدرات وسط الفوضى الإقليمية.
يقول محمد: "بإذن الله سيستمر الوضع هكذا، بإذن لله سيبقى العرب يحاربون بعضهم بعضا إلى الأبد".
خلف بيت محمد المطلية جدرانه باللون الذهبي، الذي يحتوي على كنبات مذهبة، تتفتح براعم نباتات الحشيش المورقة التي يتوقع حصادها في تموز (يوليو) المقبل - ما لم تبدأ قوات الأمن ثانية بحملة لتدمير أكثر محاصيل الوادي ربحاً.
يقول الزرّاع مع استمرار تركيز القوات اللبنانية على احتواء انعكاسات العنف في الجوار، ازداد إنتاج الحشيش بشدة في وادي البقاع، وهو واحد من أكثر مناطق لبنان الريفية فقراً، وحقق أرباحاً قدرت بـ 175 ـ 200 مليون دولار في العام الماضي.
وأصبح البقاع أثناء الحرب الأهلية اللبنانية التي جرت خلال الفترة 1975 - 1990، واحداً من أكبر المناطق المنتجة للأفيون والحشيش في العالم. ومع استمرار العنف السوري الشديد، يقول كثيرون إن عهدا جديدا بدأ لهذه الأعمال.
وفي هذه السنة عمل محمد على زيادة قطعة الأرض المزروعة من 50 دونماً (الدونم ألف متر مربع) إلى أكثر من 200 دونم. ومثل غيره من الذين تمت مقابلتهم، يقول محمد رافضا ذكر اسمه الكامل، إن الحشيش المعالج يحقق دخلاً يبلغ خمسة آلاف دولار للدونم الواحد، ما يعني أنه سيجني مليون دولار. ويضحك، وهو يقول: "لا يمكنك تحقيق هذا المبلغ لو كنتَ تزرع الذهب". ونشطت الحكومة اللبنانية، ولفترة طويلة في تدمير زراعة الحشيش، لكن القوات الأمنية توقفت منذ سنتين عن القيام بذلك، تجنباً لحدوث المزيد من القلاقل في بلد معرض لخطر الانجرار إلى أتون الحرب السورية، حيث تنعكس التوترات الطائفية على الطوائف اللبنانية.
ومع ذلك، يأمل العقيد غسان شمس الدين، رئيس وحدة تطبيق القانون الخاص بالمخدرات في لبنان، أن يتمكن رجاله من السيطرة على الإنتاج مرة أخرى في هذه السنة، إذ استطاعت قوات الأمن إيقاف موجة سيارات مفخخة بالقنابل واشتباكات طائفية. وهو يحث الجيش على إرسال وحدات لمساعدته، خصوصا أن البلد يتمتع بهدوء أكثر من قبل.
ويقول، وهو ينظر إلى إحصاءات تُظهر نمواً حاداً في السنين الأخيرة: "لأننا لم ندمر المحصول في كل سنة، طفحت السوق بالحشيش. في السنة الماضية زرعوا ما لا يقل عن 35 ألف دونم، وهذا يعادل كميات ضخمة من الحشيش. أين يذهب كل هذا؟ إنه يذهب إلى لبنان والخارج".
لكن يبدو أن تقديرات العقيد تقل عن تقديرات حسين، وهو زارع وتاجر قنب، الذي يقول إن أكثر من 50 ألف دونم تمت زراعتها في البقاع هذه السنة. وهو وغيره من الزراع، مسلحون بأسلحة ثقيلة، ومن غير المرجح أن يتخلوا عن محصولهم بسهولة. ويعيش حسين، وهو رجل قصير القامة ذو لحية سوداء، في قصر واسع يطل على الوادي. وداخل هذا القصر يوجد حراس شخصيون يكشطون الحشيش من أوعية معدنية ويلفونها على شكل سجاير. وهم يجلسون قرب غرفة مليئة بقاذفات الصواريخ المحمولة على بنادق آلية وأكياس من الكوكايين.
وهو يقول بصوت عال: "الحكومة لن تجرؤ على القدوم إلى هنا لأنها بحاجة للقلق حول سورية، وإذا جاءت فستفتح جبهة جديدة كاملة".
وحسين من الجيل الثالث من عائلة تزرع الحشيش. وهو يقول وهو يتقاذف خمسة هواتف جوالة بين يديه يستخدمها لإبرام الصفقات المحلية والدولية: "الناس يعودون ثانية للعب هذه اللعبة، إنهم جائعون، وهم يروننا ونحن نزداد سمنة، ويريدون أن يكونوا جزءاً من هذا".
وفي أواخر التسعينيات، نجح الرئيس السوري السابق حافظ الأسد الذي حافظت قواته على وجود لها في لبنان، في القضاء على زراعة الحشيش. ومنذ موته عام 2000، زادت زراعة الحشيش بالتدريج، ثم ازدهر الإنتاج مرة أخرى بعد ثورة عام 2011 ضد الأسد الابن، وهي الثورة التي انزلقت لتصبح حرباً أهلية. وتشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن لبنان كان رابع دولة مصدرة للحشيش في العالم عام 2011، قبل الفوضى الحالية. وقالت مجلة "ذي مانثلي" اللبنانية في تقرير نشرته في نيسان (أبريل) الماضي، إن المتاجرة بالمخدرات ازدادت بنسبة 22 في المائة في السنتين الماضيتين.
وجميع قطع الأراضي المزروعة بالحشيش، المحيطة بقرية حسين، تمتد بين رقع من الحقول المزروعة بالقمح والبطاطا. ودفع تزايد زراعة الحشيش وصعوبة الاعتراض على زراعته ببعض السياسيين، ومنهم رجل الدولة البارز وليد جنبلاط، لمناقشة إباحته قانونياً. ويعارض زراع البقاع هذا الاقتراح خوفاً من أن يقلل من أرباحهم.
ويقول سكان محليون إن عرض إباحة استخدام المخدرات قانونياً يهدف إلى إضعاف حزب الله، وهو المليشيا الشيعية والحركة السياسية التي تعتبر واحدة من أقوى القوات في لبنان، التي تساعد حالياً الأسد في القتال ضد الثوار في سورية.
كان وادي البقاع لفترة طويلة، واحداً من أقوى معاقل حزب الله، لكن زراع الحشيش يقولون إن تأثيره يضعف عندما تزداد زراعة الحشيش.
ويقول حسين، تاجر الحشيش، إن حزب الله يرغب في إبقاء الناس فقراء حتى ينضموا إليه للحصول على 500 دولار في الشهر، أو أي شيء آخر لقاء القتال لصالحه. والآن يقول بعض الرجال هنا، لماذا نذهب لنموت في سورية؟ لماذا لا نعيش حياة طيبة ونحن نزرع الحشيش؟".
وسواء كانت حجته هذه صحيحة أم خاطئة، فقد استطاع الزراع الكبار الحصول على ولاء السكان المحليين. وطوال النهار يتقاطر رجال ونساء إلى بيت حسين لطلب المال والمساعدة. وكذلك يقدم محمد منحاً مماثلة.
ويقول غامزاً بعينه: "آخذُ الحصة الأولى والثانية من المحصول – وهما أفضل الأجزاء. ثم أعطي الفقراء الدفعتين الثالثة والرابعة. جميع زراع الحشيش يصبحون كرماء".
الأرباح من إنتاج الحشيش في المناطق الريفية في لبنان في السنة الماضية بلغت 200 مليون دولار. وزاد تهريبه في السنتين الماضيتين، وفقاً لمجلة "ذي مانثلي"، بنسبة 22 في المائة. ومعدل الربح من زراعة دونم الحشيش للزراع اللبنانيين، حسب قول أحدهم يبلغ خمسة آلاف دولار.

