الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 25 يونيو 2026 | 9 مُحَرَّم 1448
Logo

على شارع هادئ شمالي لندن، يحتضن خلفه حديقة على قمة تلة، يقع منزل أحدث مليونير في بريطانيا. إنه ديميس هاسابيس، عالم الأعصاب البالغ من العمر 37 عاماً، الذي جمع نحو 80 مليون جنيه استرليني عندما باع شركته "ديب مايند" DeepMind المختصة بالذكاء الاصطناعي لشركة جوجل أخيراً، في أكبر صفقة استحواذ لمجموعة التكنولوجيا على شركة أوروبية على الإطلاق.

المنزل، مثل صاحبه، خالٍ من مظاهر التفاخر، وله رواق زجاجي صغير مصقول باللون الأبيض المنقط، يوحي بالاحترام للضواحي الإنجليزية. إنه يناسب رجلاً يخفف من عقله التكنولوجي بمحاولة عدم البروز، وفقاً لأصدقائه وزملائه - وقد عملت شركته بسرية تامة تقريباً قبل أن يجري الاستحواذ عليها من قبل "جوجل".

وفي مقابلة مع "فاينانشال تايمز"، يقول هاسابيس الذي كان في صباه ناجحاً للغاية في مجال ألعاب الكمبيوتر: "لقد كانت عملية تخطيط لمدة 20 عاماً، فكل خطوة قمت باتخاذها في دراستي، وكل شخص قمت بتعيينه للفريق، كانت جميعاً تؤدي إلى ذلك".

وتطوير البرمجيات الذكية التي يمكنها معالجة البيانات المضطربة وغير المهيكلة، كما تفعل تكنولوجيا ديب مايند، يعتبر أولوية بالنسبة لـ "جوجل" التي تعمل على تطوير كل شيء من خلال طرق جديدة في البحث عبر الإنترنت، مثل الروبوتات والسيارات ذاتية القيادة. ويقول مايك لينش، مؤسس مجموعة البرمجيات البريطانية "أوتونومي": "هذا النوع من التكنولوجيا هو الأساس في الحقبة المقبلة من الحوسبة".

وبيعت ديب مايند، البالغة من العمر سنتين، مقابل 400 مليون جنيه مما يشير بأنها أشبه بالحركة الرائعة في مباراة شطرنج مستمرة منذ فترة طويلة – وهو الحقل الذي برع فيه هاسابيس أولاً.

وترعرع هاسابيس، الذي ولد من أم سنغافورية ـ صينية وأب من قبارصة اليونان، قريباً من المكان الذي يعيش فيه الآن مع زوجته وطفليه. وحصل على لقب أستاذ في الشطرنج وهو في عمر 13 عاماً، وأحرز لقب ثاني أفضل لاعب في العالم في فئته العمرية.

والديمقراطية الفكرية لعالم لعبة الشطرنج والوجود المستمر للكبار، ساعداه على غرس الاتزان الذي عمل بدوره على إظهاره صاحب مشاريع. ويعتقد منظم الشطرنج، ستيوارت روبن، الذي يعرف هاسابيس منذ كان في التاسعة: "كان طفلاً صغيراً للغاية، ودائماً لطيفاً للغاية".

لكن هيكله الصغير خيب أمل إصراره الكبير. يقول هاسابيس: "كنت أملك في داخلي منذ صغري خصلة المنافسة الشديدة، التي ظهرت في البداية في لعبة الشطرنج. وسرعان ما وقعت في الحب مع أجهزة الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي والألعاب باعتبارها وسيلة لاستحداث أشياء أكثر إثارة من الحياة اليومية المعتادة".

وعلّم نفسه البرمجة على جهاز كمبيوتر سبكترم، اشتراه في سن الثامنة بمبالغ اكتسبها من بطولات الشطرنج. وعندما كان مراهقاً، أمضى إحدى عطلات الصيف عند صاحب محل لبيع الجرائد في محطة برنت كروس، حيث عكف على قراءة مجلات الكمبيوتر التي لا يستطيع تحمل نفقات شرائها.

وجاءت فرصته السعيدة عندما رآه بيتر مولينو، رئيس ستوديو بولفروج بألعاب الفيديو، بعد أن جاء هاسابيس في المرتبة الثانية في مسابقة لتصميم جديد متفرع عن لعبة "غزاة الفضاء". وفي بولفروج ساعد هاسابيس على تصميم وإطلاق "ثيم بارك"، وهي لعبة محاكاة يمكن للاعبين فيها تصميم وإدارة المتنزهات.

وحين كان لا يزال في سن الـ 17، ذهب لدراسة علوم الكمبيوتر في جامعة كامبريدج. ويتذكر ديفيد ليفي، المسؤول عن تنظيم مسابقة مايند سبورتس أولمبياد، هاسابيس وهو يركض في الدرج، صعوداً ونزولاً، في قاعة رويال فستيفال هول، ليتمكن من المنافسة في بطولتين في الوقت نفسه. ويقول ليفي: "كان الأمر غير عادي، لكن المرء يتوقع سلوكاً غير عادي من أناس لامعين جداً".

وطوال فترة دراسته الجامعية، أبقى هاسابيس يده في عالم ألعاب الكمبيوتر، وأطلق شركته الخاصة، إلكسير استوديوز، في عام 1998. وكان ذلك هو تقريباً الوقت الذي قدّمه فيه مولينو إلى إيان ليفينغستون، الذي كان آنئذ الرئيس التنفيذي لشركة إيدوس للألعاب. وكان اللقاء فيما يصفه ليفينغستون بـ "نادي السادة النصابين"، وهو تجمع دوري يضم المتحمسين لألعاب الرقعة، يتم في منازل الأعضاء.

يقول ليفينغستون: "كانت لديه طريقة مكيافيلية في اللعب، لكنه على رأس كل ذلك يعتبر رجلاً لطيفاً حقاً". ويضيف: "كان جيداً جداً في الجدال والمنافحة عن رأيه وإبرام التحالفات. إنه محاور جيد جداً ويفهم السلوك البشري".

وذهبت إيدوس تحت قيادة ليفينغستون للاستحواذ على حصة نسبتها 5 في المائة في إلكسير ستوديوز مقابل 600 ألف دولار. لكن تلك التكنولوجيا التي كانت متاحة في ذلك الوقت لا يمكن أن تتطابق مع حجم طموحات هاسابيس، والألعاب التي طورها هناك لم تكن تلك النجاحات التي كان يأمل بها. وبحثاً عن الإلهام، عاد هاسابيس إلى الأوساط الأكاديمية في عام 2005 لدراسة طريقة عمل العقل. وأكمل الدكتوراه في كلية لندن الجامعية، ونشر عشرات الأبحاث، ثم ذهب للعمل في وحدة العلوم العصبية الحاسوبية، غاتسبي، التابعة للجامعة.

وبينما هو في كلية لندن الجامعية، ركز هاسابيس على "قرن آمون" في الدماغ، وهو منطقة بالغة الأهمية للتنقل، واستدعاء الذاكرة، وتخيل الأحداث المستقبلية. كان يعمل بشكل وثيق مع الأستاذة إليانور ماغواير، التي وجدت أن حجم منطقة "قرن آمون" لدى سائقي سيارات الأجرة في لندن أكبر من المعتاد.

وفي شركة ديب مايند، شرع هاسابيس في بناء خوارزميات للأغراض العامة التي بإمكانها أن تتعلم أداء العديد من المهام المختلفة. ومن بين أمور أخرى، استندت البرامج على الأبحاث والنتائج التي تفيد بأن قرن آمون يعزز الذكريات في الدماغ عن طريق تشغيلها بسرعة عالية أثناء النوم.

وفي استعراض لمرونة تكنولوجيا ديب مايند، قام برنامجها بتعلم تشغيل مجموعة متنوعة من ألعاب الكمبيوتر المختلفة، مثل بونج وغزاة الفضاء، وذلك باستخدام بكسلات خام فقط كمدخلات وبدون وجود أي معلومات محددة للعبة.

ولا يزال هاسابيس ينغمس في عشقه للألعاب، على شكل لعبة البوكر، ورافق ابنه الكسندر الذي يبلغ الثامنة من العمر، إلى أولمبياد مايند سبورتس العام الماضي. وقال: "كنتُ دائماً أعتبر أن شغلي الشاغل بممارسة اللعب هو نوع من تدريب العقل في حقول متعددة".

"أعتقد أن أكبر التطورات في العقود المقبلة ستأتي من الحدود بين التخصصات المختلفة، تماماً مثلما تجمع ديب مايند بين علم الأعصاب وتعلُّم الآلات".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية