يأتي كتاب "تاريخ علم الفلك القديم والكلاسيكي", لمؤلفه جان بيار فردي كتجربة مبدعة في تبسيط تاريخ هذا الحقل العلمي العميق والمتشعب, الذي أثر بحسب باحثين متخصصين في إعادة النظر لمفاهيم عديدة ليست متصلة فقط بعلوم السماء, بل والحداثة الفكرية والفلسفية على الأرض أيضاً. الكتاب من إصدار مركز دراسات الوحدة العربية, ومترجم من قبل الدكتورة ريما بركة.
في مقدمة المؤلف للطبعة العربية الصادرة في عام 2007 يبدأ "فردي" بقوله: "يقال إن علم الفلك يأتي من الرعيان فيها, وإن الكلدانيين قد اخترعوا هذا العلم لنا من سهولهم الحارة ذات السماء الصافية على الدوام. صحيح أن الآثار الأكثر قدماً لدراسة السماء تأتينا من ألواح بابلية, لكن الحقيقة لا بد أنها كانت أقل رعوية وأكثر تعقيداً. فالهبان والفلاسفة سرعان ما تدخلوا في الأمر, وغالباً ما حجبت الرياح الرملية الآتية من الصحارى المجاورة أفق السهول الكلدانية. هذه الظروف مزعجة بالنسبة لعلم الفلك هذا, وهو الذي كان يهتم, في بداياته, بشروق النجوم وغروبها أكثر من اهتمامه بها عند بلوغها كبد السماء".
المؤلف في هذا الكتاب لا يناقش أو يعالج موضوع "الميثولوجيات" المتعلقة بنشأة الكون، بل يتعلق بطريقة تفكير أخرى. ويستقرئ في بحثه علاقة الحضارات القديمة بالنجوم والسماء وفهمها.
وسنجد في هذا الكتاب الذي يأتي في 222 صفحة من القطع المتوسط, فصلاً مخصصاً لعلم الفلك في القرون الوسطى الذي بحسب المؤلف "غالباً ما أهمل, وذلك على الأقل من أجل الاعتراف بفضل علماء الفلك العرب الذين قاموا بأكثر من المحافظة على الرسالة اليونانية, وكذلك بأكثر من نقلها إلى الحضارة الأوروبية".
وفي سياق متصل, طرح الباحث المغربي أستاذ مادة الفلسفة محسن محمدي ورقة بحثية لافتة, تشرح كيف أن "الثورة" الفلكية على المتوارث والمعروف, أدت إلى "ثورة" حداثية أخرى لدى فلاسفة عصر التنوير.
يقول محمدي: "لقد عرفت المعرفة البشرية طريقها الآمن نحو العلمية بالمعنى الحديث، بدءاً من الثورة الفلكية التي أقامها نيكولا كوبيرنيك (1473- 1543)، الذي يعد بحق فاتحة ذلك الانقلاب المدوي الذي فصل القديم عن الحديث، فهو من يرجع له الفضل في وضع اللمسة الأولى للكوسمولوجيا الجديدة القائمة على مركزية الشمس عوض مركزية الأرض؛ فالأرض الثابتة ـ مركز الكون ـ أصبحت تدور معلقة في السماء، فهي غادرت مكانها السافل إلى الأبد نحو الأعلى، وهو ما غير نظرتنا للكون، بشكل جارح ومربك، فلم يعد العالم مقسما إلى قسمين عالم سفلي؛ حيث النقص والرذيلة، وعالم علوي؛ حيث الكمال والثبات، كما تشكل مع الفلك اليوناني، بل أصبح العالم موحدا، والتراتب في مهب الريح. فتصدع الكوسمولوجيا التراتبية القديمة مهد الطريق إلى تكسير التراتب الاجتماعي، وإلى ثورة سياسية في عصر الأنوار".
ويضيف: "ومن جهة أخرى أحدثت "الكوبيرنيكية" انقلابا على مستوى المنهج في رؤية العالم. فالعالم كما نراه أصبح لا يقدم الحقيقة، فهو ينتقل إلى حواسنا بشكل مزيف، حيث تخدعنا الشمس كل يوم، كما أن الأرض التي تبدو للعين ثابتة هي في حركة دائمة، باختصار نبهتنا الكوبيرنيكية إلى أن حواسنا المستخدمة كنوافذ على العالم تشهد زورا، مما يجعل الشك مطلبا ضروريا، لأن الحقيقة أصبحت مهددة، مما يعني إلزامية إعادة النظر ومسح الطاولة والبناء من جديد؛ فالعقل يجب أن يخرج من السذاجة والقبول بالحقائق دون تمحيص أو تدقيق، بعبارة أدق على العقل أن يتحرك، وهو حذر ويقظ ومسلح بالمنهج الذي يمنعه من الخداع؛ فالحقيقة ليست جاهزة، بل تصنع، ولا يمكن لها أن تخرج إلا من رحم الشك، والشك ليس هزيمة للعقل، بل محرك دائم له لكيلا يتقاعس".
وبالعودة لكتاب "تاريخ علم الفلك القديم والكلاسيكي", فهو خلال فصوله يعرض لوحة عامة لتاريخ هذا العلم بكل قواعده الأساسية التي يرتكز عليها علم الفلك الحديث, كما يركز على الاكتشافات المتوالية التي شهدها علم الفلك في تاريخه الطويل, ويقدم أبرز العلماء الذين طوروا دراسة الأجرام السماوية, وأحدثوا انقلابات عظيمة في رصد السماء وتحديد بنياتها وقوانينها.
ولا ينسى مؤلف الكتاب أن يربط تطور هذا العلم بعلوم الرياضيات التي كانت أساس عدد كبير من الاكتشافات الفلكية.

