لا للتعيين .. نعم للانتخاب

|
بينما تتقدم مؤسسات المجتمع المدني خطوة وتتراجع خطوتين، وبينما يترقب الشارع السعودي بملل تطورا طبيعيا لهذه المؤسسات وإبعاد الهيمنة الحكومية عنها، تأتي الأخبار المحبطة من وزارة التجارة والصناعة بعدما رفعت توصية بإلغاء انتخابات هيئة المهندسين واستبدالها بالتعيين. تصوروا بدلاً من خطة لتوسيع دائرة المؤسسات المستقلة عن عباءة الحكومة، وبدلاً من العمل على ترسيخ ثقافة الانتخاب بين المواطنين، نفاجأ بمن يصر على مبدأ للخلف در، بالتعيين. وزيرنا النشط الدكتور توفيق الربيعة أراد أن يجد حلاً للمشكلات التي لا تنتهي في مجلس إدارة هيئة المهندسين، وبالتالي استخدم أسهل الحلول، لا أفضلها، بل ربما الأسوأ والأخير ضمن قائمة طويلة من الخيارات المتاحة أمام معاليه، لعل أبسط هذه الحلول تفعيل القضاء وإحالة أي مخالفات للجهة القانونية التي تفصل فيها، أو استخدام صلاحيات حل المجلس الحالي والدعوة لانتخابات جديدة، هناك جملة من الحلول قبل أن نصل إلى إلغاء الانتخابات في إحدى مؤسسات المجتمع المدني القليلة التي تفعل هذا المبدأ، وهو أمر بالتأكيد ستكون له انعكاساته السلبية القاسية على تجربة انتخابية ما زالت في المهد. هنا كان على الوزير الربيعة أن يأخذ بيد هذه التجربة ويسقيها ويرعاها حتى يجني المجتمع ثمرتها، مهما كانت المصاعب التي واجهها ويواجهها. لو أن كل مسؤول حكومي استخدم صلاحياته في إلغاء انتخابات جهة ما لإيقاف فساد مزعوم أو أخطاء كارثية أو صراع على الكرسي، لما وجدنا جهة واحدة منتخبة في البلاد بأكملها، ولأعدنا كل هذه الجهات تحت السيطرة الحكومية، بدءاً من الأندية الرياضية والأندية الثقافية مروراً بالغرف التجارية وهيئة الصحفيين وانتهاء بالمجالس البلدية. على المسؤول الحكومي القناعة أولاً بأن إدارة هذه الهيئات من قبل مجالس منتخبة ترفع الحمل عن كاهل الحكومة. كل المؤسسات والهيئات المنتخبة تجلب الصداع في البداية ثم سرعان ما تدار بطريقة أفضل من المعينة، صحيح أن المرحلة قد تطول قبل الوصول إلى تلك النتيجة، لكن البدء والمضي ببطء أفضل ألف مرة من الركون إلى قرار التعيين إلى ما لا نهاية. لعل ما يفرح في كل هذه الزوبعة لتوصية إلغاء الانتخاب وإقرار التعيين، موقف مجلس الشورى الموقر. رفض المقترح باعتباره يكرس هيمنة القطاع الحكومي على هيئة المهندسين ويحولها إلى جهاز حكومي. قد يقول قائل إن موقف "الشورى" طبيعي ويتفق مع كون المجلس يمثل المواطنين، وبالتالي لا يمكن أن يميل باتجاه التعيين أكثر من الانتخاب، أو هكذا نتوقع، غير أن بعض أعضاء المجلس الفاضلين، أحياناً، يفاجئوننا بقنابل صوتية لا يمكن التنبؤ بها. ألم يرفع عضو المجلس الدكتور عبد العزيز العطيشان الصوت عالياً عن الانتخاب والتعيين وغيرهما من الأمور الغريبة، وهو الذي أقسم عند التعيين بأن يؤدي "أعماله بالصدق والأمانة والإخلاص والعدل"؟ والأمانة، كما أراها، تقتضي علمه جيداً بأن "الشورى" استشاري ولم يقل أحد إنه منتخب. يحق لكل السعوديين أن يقولوا كلام العضو الغاضب نفسه وربما أكثر منه، باستثناء أعضاء "الشورى" الموقرين، فقد تم تعيينهم ووافقوا على عضويتهم في مجلس "يبدون الرأي" من تحت قبته في السياسات العامة للدولة التي تحال إليهم من قبل رئيس مجلس الوزراء، كما نصت المادة الـ 15 من نظام المجلس. فلماذا تلك المزايدة التي ارتدت على صاحبها؟
إنشرها