بين حنايا موسيقاه المتسللة إلى لشغاف القلب، تعبر هالة ضوئه الشارد، في وسط ضجيج إعلامي، كأنه خط فاصل بين عالمين، ياسر عبد الرحمن الذي تمكن من حجز مقعد له في صفوف الكبار؛ دون أن ينسى ضرب مواعيد غرام مع عشاقه، في تتر كل مسلسل يقوم بتنفيذه؛ على الرغم من قلة ظهوره الإعلامي؛ الذي فضل عليه شيئاً من عزلة اختيارية؛ نتاجها موسيقى تختزل الحياة في نغمة صادرة عن وتر كمانه.
عازف الكمان الذي بدأ رحلته؛ من معهد الموسيقى العربية، طالباً، ثم معيداً فيه، قبل أن تحمله الأقدار على أجنحة الحلم، إلى ألمانيا، ليعود منها حاملاً دكتوراه في الموسيقى في عام 1983. إلا أن ذلك لم يكن كافياً، ليغطي مساحة الحلم الكبير، في عالم يملأه الفراغ، ليبدأ الحالم الكبير، بأولى شخبطاته الإبداعية، على ورق النوتة الموسيقية، ليبدأ صعود السلم من دوري، مي فاصولا سي.
موهبة التأليف الموسيقي؛ التي بدأت تظهر أعراضها على عبد الرحمن؛ منذ منتصف الثمانينيات بعد عدة محاولات منها موسيقى فيلم الإمبراطور للراحل أحمد زكي، ومسلسل الوسية لإسماعيل عبد الحافظ، كانت كفيلة بدق الإيقاع الأول إيذاناً، بدخول عبد الرحمن الحالم، عالم النوتة البيضاء، فيما جاءت موسيقى مسلسل المال والبنون بجزأيه الأول والثاني؛ لترسيخ عنوانا جديدا للموسيقى في مصر، يحمل كامل النكهة المصرية، مطعماً بمذاق عصري لا يختلف عليه ذواقة فن الموسيقى العربية.
الحكايات التي رسمها ياسر عبد الرحمن؛ بموسيقاه؛ رغم كونها جاءت لتتواءم مع حدوتة الفيلم والمسلسل، إلا أنها في كل مرة كانت تقدم لمتذوقي سلم عبد الرحمن الموسيقي، حكاية داخل الحكاية، بدايتها ونهايتها سارحة في خيالات محبي ياسر عبد الرحمن، وهو ما جعل لموسيقاه طعما خاصا، مرتبطا بالنغمة الأولى لكل مقطوعة من مقطوعاته.
الحكايا الموسيقية التي قام بتأليفها عبد الرحمن؛ التي تنوعت بين موسيقى خارجة من رحم الصعيد "الجواني" في مسلسل خالتي صفية والدير، والضوء الشارد ناهيك عن الليل وآخره؛ الذي سكنت ولفترة ليست بالقصيرة تتر مقدمته ونهايته، وأغنياته التي تغنى بها متذوقو موسيقى عبد الرحمن "يا شمس يا منورة غيبي، وكفاية ضيك يا حبيبي، وودي يا ليالي وجيبي، عمرك يا دنيا ما تخلي بي".
فيما جاءت حكايات عبد الرحمن الأخرى، حاملة بين نغماتها موسيقى الحياة، عبر "يا دنيا يا غرامي" للنجمات ليلى علوي وهالة صدقي وإلهام شاهين، إلا أن رومانسية عبد الرحمن تأبى إلا أن تنساب وكأنها أنهار من النغمات؛ في موسيقاه عبر أثير مسلسلي "كلمات" "والأصدقاء، ولم يقف الأمر عند عبد الرحمن عند هذا الحد؛ بل تجاوزه ليشكل جملا موسيقية حاول من خلالها صياغة وتشكيل حلم سياسي، على غرار أحلام ممزقة، وهو ما بدا واضحاً في موسيقى كلاس من فيلمي ناصر 56، وأيام السادات، ناهيك عن فيلم الطريق إلى إيلات.
ياسر عبد الرحمن لم يقف عند بوابة الحدود العربية، الموصدة أبوابها؛ إلا بأذونات وتصاريح؛ حمله على التحليق خارج السرب، ليكون بذلك واحدا ضمن قلة، تسنى لهم العزف ضمن أوركسترا «كيبك» السيمفونى في كندا في عام 2011. وتقديم حفل آخر مع إنسامبل ميونيخ فى ألمانيا.
تقاطع رغبة السفر عند الفنان، اعتبرها عبد الرحمن نوعا من العزلة، وليس كما يعتبره كثيرون رغبة في الوصول للعالمية، التي أصبحت هاجساً عند كثيرين، وهو في رأيه نوع من التفاعل مع آخرين لديهم الرغبة في التعرف على ثقافة جديدة؛ خصوصاً في عالم موسيقى ياسر عبد الرحمن، التي تم تصنيفها على أنها مودرن سيمفوني، فيما حملت تصنيفاً آخر يحمل عنوان موسيقى الشعوب.
ياسر عبد الرحمن العازف المحترف، وهو ما بدا واضحاً في طلب بعض الأوركسترات العالمية، له كعازف كلاسيكي، رغم الطعم الشعبي الذي يتسلل إلى بعض مقطوعاته، وطعم عزفه الذي قال عنه "مختلف؛ كوني أنتمي إلى ثقافة مختلفة، عنهم والصوت يخرج من كماني بشكل غير تقليدي"، في واحد من حواراته القليلة والنادرة جداً.
ثقافة الأوركسترا التي تبدو غريبة وجديدة على مجتمعاتنا؛ إلا أنها حاضرة وبقوة عندما يتعلق الأمر بموسيقى ياسر عبد الرحمن، ليست فقط على صعيد الداخل، بل تجاوزها عندما تم تقديمه عبر عادل إسكندر وزوجته، المصريين المقيمين في كندا، ليقدما أول أوركسترا لموسيقى عبد الرحمن من خلال المهرجان المصري الكندي، ثم تقديمه في ألمانيا عبر بوابة الفنان عادل شلبي في كونسرفتوار ميونيخ.
مزاجية الفنان التي تحكم في كثير من الأوقات مدى الجاهزية للعمل، حرمت متذوقي الموسيقى أنغام عبد الرحمن على مدى أربعة أعوام متواصلة؛ بعد مقطوعة أيام السادات؛ التي لم تكن حسب تعبير عبد الرحمن بداية الوصول للعالمية، كما صنفت في وسائل الإعلام، بل كانت موسيقى فيلم "المواطن مصري" الذي تم عرضه في مهرجان موسكو، ليأتي الانبهار بموسيقى السادات بعد ذلك في لندن.
الموسيقى التي يتعامل معها عبد الرحمن؛ "بمنطق الهاوي والمحب للموسيقى"، كما قال، وليست فرضا أو واجبا أؤديه، "لازم أكون حابب أشتغل". معتبراً أن وجوده على صعيد التأليف الموسيقي في فترة معينة رهن "لحالتي المزاجية".
الدراما الموسيقية، التي أوصلت ياسر عبد الرحمن إلى مصاف، المحترفين، التي تتطلب العمل بحرفية شديدة كما وصفها، إلا أنها لم تمنعه من وصف كثير من الأعمال بالضعيفة؛ بسبب دخول من لا يجيد دوزنة الأوتار، داخل مربع اللعبة الدرامية، ومن غير العارفين بدوران السلم الموسيقي!
وبين التقليد لجمل عبد الرحمن الموسيقية، والوقوع في فخ سرقة تلك الجمل، يبدو أن أوتار الحالم الكبير أكثر شدة ودوزنة من سواها، الأمر الذي قال عنه "هواة السرقة حرقوا أنفسهم ولا داعي للكلام عنهم كثيراً"، تاركاً للمقلدين حرية الحفاظ على شخصياتهم الموسيقية. قدرات ياسر عبد الرحمن، لم تقف عند حدود الجمل الموسيقية، بل سبقتها محاولات لحنية في بداية التسعينيات؛ لم يكتب لها الانتشار الواسع، لحنان ماضي وإيمان الطوخي، منى عبد الغني وعلي الحجار؛ "التلحين كان يشغلني لفترة. ووجدت نفسي أكثر في الموسيقى التصويرية حيث لا وجود لكلمة أو صوت يقيدك".
إلا أن ذلك لم يقف عائقاً خصوصا "أننا كشعب نميل أكثر إلى الأغنية" ناهيك عن كون عبد الرحمن لا يختلف فيما هو إنساني، عن الآخرين وربما بحساسية أكثر "أحب أن أجد كلمة تعبر عن موقف مررت به"؛ وهو ما حمله على التلحين لصوتين يختلفان؛ في القيمة الفنية ناهيك عن الشكل والمضمون، من خلال فيلم خيانة مشروعة؛ عبر صوت آمال ماهر، وفيلم البيبي دول، من خلال روبي!
الأمر الذي وصفه هو نفسه من باب الإنصاف بقوله "لا مقارنة بين الصوتين، الثانية تم توظيفها بشكل ملائم، ناهيك عن كونها لم تكن تقدم شيئاً مبتذلاً". وعلى الرغم من حفلات الأوركسترا التي تخلو مقاعدها؛ إلا من صفير ريح متسللة عبر أبواب القاعة، ومقاعد تمتلئ بكامل طاقتها، للمطربين، يظل ياسر عبد الرحمن أحد الأرقام القليلة الصعبة؛ في عالم تعلو فيه الأصوات بالغناء، فيما تتسلل أنغام ياسر عبد الرحمن، خلسة لتدفئ القلوب من برد الأيام.

