أربعة رؤساء أمريكيون نُحِتت تماثيل شبيهة بهم في صخور جبل رشمور، هم جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وأبراهام لينكولن وثيودور روزفلت. وكل واحد منهم يحترمه الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء. ولم يرتفع أي نحت لأي رئيس آخر منذ أن تنحى تيدي روزفلت عن كرسي الرئاسة في عام 1909، بعد فترتين رئاسيتين تقريباً. ولو وضعنا اعتبارات توافر المساحة جانباً، لوجدنا صعوبة في تصور حدوث إجماع على اختيار رئيس آخر غيرهم يمكن نحته إلى جانبهم. الجمهوريون يزدرون فرانكلين روزفلت، وهو ابن عم تيدي روزفلت، وهو الذي قدم لنا ''الصفقة الجديدة'' ـ البرامج الاقتصادية المحلية التي طُبقت وأنهت فترة الكساد في أمريكا في ثلاثينيات القرن الماضي. والديمقراطيون، من جانبهم، ليسوا معجبين برونالد ريغان. هذا يعني أن تيدي روزفلت سيكون على الأرجح آخر وجه يظهر على جبل رشمور.
#2#
وكما تبين لنا دوريس كيرنز جودوين في الكتاب الواسع الجديد عن سيرة تيدي روزفلت، بعنوان ''المنصة الرائعة'' (وهي التسمية التي أطلقها ثيودور روزفلت على البيت الأبيض)، يبدو هذا الرئيس متميزاً ومختلفاً عن غيره. واشنطن وجيفرسون هما قادة الثورة الأمريكية. أما لنكولن فقد أكمل تلك الثورة بعد جيلين من ذلك، عندما هزم العبودية في الجنوب في الحرب الأهلية الأمريكية. وعلى العكس من ذلك، لم يرث روزفلت أي حرب أو حالة طوارىء وطنية تحوم في الأفق. وبالتصميم نفسه أصر تيدي روزفلت على إحداث تحولات في جسده للتغلب على ضعفه الذي بدأ مع طفولته العليلة. واستخدم بطل الحرب هذا البالغ من العمر 42 عاماً، موارده الذاتية ليرفع من شأن رئاسته. وقد عبر عن ذلك بقوله إنه ''استخدم كل أونصة من السلطة الموجودة في منصبه''.
لكن حين ننظر إلى الأمر من موقعنا هذه الأيام، التي حدث فيها الإغلاق المخيف في واشنطن دي سي، فسيكون ذلك كافياً لإسالة لعابك. ربما كانت هذه هي الفكرة. وقد تمكنت جودوين ببراعة من استحضار أحداث تاريخية في اللحظة المناسبة. وسبق لهذه الكاتبة أن فازت بجائزة على كتابها ''فريق المتنافسين'' (2005) الذي أوحى لهوليوود إنتاج فيلم عنه، وهو عبارة عن دراسة لمجلس وزراء أبراهام لينكولن، كما حاز هذا الكتاب إعجاب شخص متنفذ تمثل في كونه أول رئيس أسود لأمريكا. فقد أشار باراك أوباما إلى الكتاب بعد فوزه مباشرة واعتبره مثالاً يحتذى في بناء إدارته الواسعة، وهو الهدف الذي تم نسيانه بهدوء الآن. مع ذلك، اكتسبت جودوين هالة المؤرخ الذي استطاع استيعاب وتصوير روح العصر. وربما فعلت ذلك مرة أخرى.
أما الخاصية التي يربطها أغلب الأمريكيين بتيدي روزفلت فهي حماسه الجارف. فقد جسَّد روزفلت طموحات الأمريكيين في مطلع القرن، سواء كان ذلك من خلال شخصية الجندي الأمريكي ذي الشاربين الذي كان موكلاً بتلة في كوبا ليساعد في هزيمة الإمبرياليين الإسبان، أو ذلك الشخص متعدد المعارف الذي كانت معارفه كافية لأن يكتب كتاباً في كل سنة تقريباً من سنين حياته. ويحبه الجمهوريون لأنه جسَّد الوجود الأمريكي القوي في العالم. فهو من استولى على مضيق بنما من كولومبيا وبنى القناة المعروفه هناك. وفاز بجائزة نوبل للسلام عندما كان في منصبه، لوساطته في إنهاء الحرب الروسية ـ اليابانية في الفترة 1904-1905. وهو الذي ثبّت الحكم الاستعماري الأمريكي في الفلبين ـ كان بسمارك أمريكا. وفي انتخابات الرئاسة التي جرت في 2008، اعتمد جون ماكين، المرشح الجمهوري للرئاسة آنئذ، روزفلت أنموذجاً له في هذه الانتخابات.
والديمقراطيون يحبون روزفلت لأنه كان أول رئيس أمريكي يتصدى لكبار رجال الصناعة الأمريكيين. فبعد جيل من أباطرة المال الأقوياء، من قبيل كارنيجي وفاندربيلت، بدأنا نجد قائداً ذكياً قادراً على مواجهتهم وتفكيك إمبراطورية روكفلر النفطية، ونظم السكك الحديدية، وتقليص حجم جيه بي مورجان الأسطوري وأعطاه مكانه الصحيح. وإضافة لمكافحته الاحتكار، وسع روزفلت بشكل ملموس الحماية الفيدرالية للأراضي الشاسعة غير المأهولة من البلاد. ولولا روزفلت لتم تجريد جراند كانيون من المعادن الموجودة فيه. وكان أول رئيس أمريكي يدعو مثقفاً أسود ـ هو بوكر تي واشنطن ـ للعشاء في البيت الأبيض. وكان رد الفعل على ذلك وحشياً، إذ قال بين تيلمان، السيناتور الديمقراطي عن ولاية ساوث كارولينا، وهو يعقب على تلك الدعوة: ''سيصبح من الضروري بعد أن قام الرئيس روزفلت باستضافة ذلك العبد الأسود أن نقتل ألف عبد أسود من الجنوب قبل أن يتعلموا مكانهم الصحيح''. وأكثر من كل ذلك، كان ثيودور روزفلت هو الحل لمشكلة الحركة التقدمية مع التفرقة المستحكمة في ذلك العصر الذهبي. وبالنسبة لمعاصريه من الأجانب، كان روزفلت شخصية عظيمة. ففي اللحظة التي أوشكت فيها الإمبراطورية البريطانية على التراجع، أشارت عزيمة روزفلت غير العادية إلى قدوم عصر جديد. لقد امتلك قدرات أوباما على جذب الجماهير. وعندما قام بجولة في أوروبا بعد سنة من مغادرته البيت الأبيض، اصطف عشرات الآلاف من الناس في شوارع باريس ولندن ومدن أخرى ليشاهدوا الجندي الآتي من كتيبة المشاة القساة في الجيش الأمريكي. وحتى أعداءه، خصوصاً مارك حنا، الذي عزله روزفلت لأنه كان تجسيداً لماكينة الفساد عند الجمهوريين، لم يستطع سوى إبداء الإعجاب بثيودور روزفلت، بعدما وصفه مرة بـ ''ذلك الكاوبوي اللعين''.
ويُعتبر كتاب ''المنصة الرائعة'' أكثر من سيرة ذاتية. فهو وصف لأكثر الرؤساء الأمريكيين اجتهاداً وتصميماً في الولايات المتحدة، فضلا عن اعتباره من بين أكثر من دعموا الصحافة الأمريكية في عصرها الذهبي. فمنذ بداية عمله أدرك فائدة أن يكون له حلفاء في الوسط الإعلامي. وفي الوقت الذي أصبح فيه رئيساً عام 1902، كانت رؤية هؤلاء تظهر بشكل رئيس في مجلة ''ماكلور'' الأسطورية التي ضمت أكثر الصحافيين موهبة في الولايات المتحدة. ومن أولئك الكتاب الذين كانوا من الأوفياء والأصدقاء الخلص للرئيس الشاب، لينكولن ستيفنز الذي سجل تاريخ بارونات السكك الحديدية، وإيدا تاربيل التي شرَّحت شركة ستاندارد أويل، وري بيكر مكتشف أحوال مصانع اللحوم التي كانت ترتع فيها الجرذان في شيكاغو.
كان أسلوبهم دقيقاً جداً وعنيفاً وبلا مواربة مع لمحة شبيهة بحماس حركة المسيحين البروتستانت الاجتماعيين، التي اعتنقها روزفلت فيما بعد. وقال سام ماكلور، رئيس تحرير المجلة، إن ''حيوية الديمقراطية'' تعتمد على ''معرفة الناس بالأسئلة المعقدة''. واستطاعت حلقات كشف الحقائق التي نشرتها مجلة ''ماكلور'' تغيير سياسات أمة ـ تحت قيادة روزفلت. ويعزى الفضل لابن عمه، فرانكلين روزفلت، في احتضان عصر الإذاعة بالراديو من خلال برنامج ''دردشات أمام المدفأة'' في الثلاثينيات. وفعل ثيودور الشيء نفسه بالإعلام في عصره.
وقال ريتشارد هوفستادتر، المؤرخ للتاريخ السياسي الأمريكي: ''تميزت العقلية التقدمية بالعقلية الصحافية''. وكان روزفلت يشجع الصحافيين على التحري عن احتكار معين، ثم يستفيد بعد ذلك من شعبيتهم ليدفع الكونجرس للعمل. لكن مثل هذه المناورات غير واردة في هذه الأيام ومن الصعب تخيل شخصيات لها صلابة مماثلة لصلابة روزفلت. كتب ويليام ألين وايت، وهو من الكتّاب المؤثرين في عصر روزفلت: ''لم أعرف رجلاً مثله أبداً، ولن أعرف رجالاً مثله مرة أخرى أبداً''.
لكن مثل علاقات العشق العظيمة، فقدت هذه العلاقة ألقها. تغير روزفلت وتغيرت الصحافة معه، وفي كلتا الحالتين كان التغير نحو الأسوأ. الأساليب الشاملة للصحافيين التقدميين تركت مكانها وحلت محلها ''الصحافة الصفراء'' الأكثر شعبية ذات التوجهات التجارية التي انتعشت على انتقاد الأغنياء. ووصف روزفلت هذه الصحف بصحف ''الفضائحيين''، وقد استوحي هذا الاسم من واحدة من شخصيات قصة بونيان ''تقدم الحاج''، التي يحمل فيها هذا الشخص دائماً مشطاً يمشط به الأرض، ويحملق دائماً للأسفل. وبالنسبة إلى روزفلت كان ذلك هو الشخص ''الذي يرفض باستمرار في هذه الحياة رؤية أي شيء رفيع أبداً، ويصر على تثبيت عينه على ما هو سيئ أو مهين''.
وعلى الرغم من التعظيم الذي حازه، كان من المحتم أن تتراخى في النهاية قبضته على الواقع. وعلى الرغم من نبذه فكرة توليه الرئاسة لفترة ثالثة ومساعدته حليفه ويليام هوارد تافت ليخلفه في المنصب، إلا أن روزفلت استمر في الاعتقاد بأنه الخادم الوحيد ''للوطنية الجديدة''. وبسبب فشله عام 1012 في إبعاد صديقه السابق عن الترشح عن الحزب الجمهوري، انشق روزفلت عن حزبه ليشكل حزباً ثالثاً، وهو حزب بول موز Bull Moose، وهو الانشقاق الذي تسبب في تجزئة أصوات الناخبين الجمهوريين ومكن وودرو ويلسون، المرشح الديمقراطي، من دخول البيت الأبيض. وقال أحد الوفود الانتخابية بعد أن مزق روزفلت وتافت بعضهما بعضا: ''السؤال الآن هو أي جثة ستحصل على زهور أكثر''.
توفي روزفلت شبه مفطور القلب عام 1919 وعمره 60 عاماً. وقد عاش ليرى الرئيس ويلسون وهو يعزز إصلاحاته، بتأسيس بنك الاحتياطي الفيدرالي ونظام ضرائب الدخل التصاعدية. لكن ''نظام الغنائم'' في الحزب الجمهوري القائم على منح الوظائف لمناصريه بعد الفوز في الانتخابات عاد مرة أخرى للحياة، وهو النظام الذي كرهه روزفلت، وبادله الحزب الكراهية نفسها. وبعد ذلك بقرن غرق حزب روزفلت مرة أخرى في أوحال الحرب الأهلية وهناك رئيس ديمقراطي في البيت الأبيض، لكن هنا تنتهي أوجه التشابه. لقد كتبت جودوين كتاباً جيداً آخر حول واحد من أعظم الشخصيات الأمريكية. وكما هو الحال دائماً مع كتب التراجم التي من هذا القبيل، سيبحث القراء عن دروس معاصرة. ومن الصعب أحياناً مقاومة الإغراء المتمثل في رفع زعماء الأمس إلى مصاف العمالقة. لكن في حالة روزفلت – خصوصاً بالصورة التي نراه عليها من خلال قلم المؤلف – يكاد يكون هذا الإغراء في محله. فقد صاغ روزفلت عصراً جديداً وليس هناك رئيس اليوم، سواءً أوباما أو أي شخص آخر، لديه أمل كبير في محاكاة ذلك.
الكاتب محرر الشؤون الأمريكية في ''فاينانشيال تايمز''، ومؤلف كتاب ''آن الأوان للبدء في التفكير: أمريكا وشبح التراجع'' Time to Start Thinking: America and the Spectre of Decline - Little, Brown


