قالت دراسة حديثة إن نحو 80 في المائة من جرائم العمالة الوافدة تعود إلى أسباب اقتصادية، أبرزها البطالة، وعدم التزام أصحاب العمل بدفع الرواتب في مواعيدها، وممارسة بعض العمالة أعمالا عند غير أصحاب العمل الذين تعود لصالحهم تلك التأشيرات التي قدموا بها.
وأضافت أن العُمّال غير المرتبطين بأعمال ثابتة، والطمع بالحصول على الثروة في صورة غير نظامية؛ من أسباب تزايد حالات الجريمة بين بعض العمالة الوافدة.
وصدرت الدراسة من كرسي الأمير مشعل بن ماجد للتستّر التجاري في جامعة الملك عبد العزيز، وأعدّها الدكتور فاروق الخطيب.
وأنواع التأشيرات التي قدم بها الوافدون، ممّن شملتهم عيّنة الدراسة الأمنية عن مرتكبي الجرائم؛ هي تأشيرة العمل بنسبة 50.7 في المائة، ثم تأشيرة العمرة بنسبة 25.8 في المائة، ثم بقية التأشيرات.
وأكدت الدراسة أن معظم البحوث الأمنية انتهت لضرورة توفير عمالة وطنية، وإحلالها بدلا من بعض العمالة الوافدة؛ على أن يكون هناك تدريب وتأهيل يجعل منها عمالة بديلة وليست مجرد تفضيل.
وقالت إن السوق يحتاج لأيدٍ عاملة ملتزمة بالعمل وقيمه، ولديها استعداد للوفاء بمتطلبات الفرص الوظيفية الموجودة في المنشآت الصغيرة والمتوسطة؛ التي تعاني من مشكلات العمالة الوافدة، ولا تستطيع الاعتماد كليا على أي بديل غير قادر على الأداء الجيد.
وأضافت، أن الواقع يشير إلى وجود عمالة سائبة تبحث عن فرص عمل، ويتحول وجودها الجماعي إلى "بؤرة للجريمة" في بعض المدن الرئيسة مثل جدة؛ حيث تتركز الكثافة السكانية وتوجد الأحياء العشوائية، وتتوافر فرص الإيواء للهرب من أصحاب العمل والجهات الأمنية.
وتابعت: إذا كان هناك دور حقيقي لبعض أصحاب العمل في إيجاد الجريمة عبر إهمالهم للعمالة على كفالتهم؛ فإن ذلك غير مفعّل من الناحية النظامية، كما أن آليات تتبع تلك العمالة المخالفة للنظام لا يحقق الغرض منه، وهو ترحيل الحالات الخطرة التي تعمل عند غير كفلائها، أو حتى الاستدلال على أماكن وجودها.
وشدّدت على أن "من أخطر مصادر تغذية البطالة" في جدة هو تجارة التأشيرات، واستقدام عمالة دون وجود حاجة؛ بهدف تحقيق الأرباح من استقدامها، وتركها سائبة تبحث عن فرص عمل مؤهلة لها في معظم الأحيان.
ومن المخاطر أيضا، وفقا للدراسة، مشكلة عدم التصريح للمرافقين بالعمل رسميا، ومحاولاتهم الدؤوبة للعمل لزيادة دخل من يرافقونه؛ حتى لو كان في ذلك مخالفة للأنظمة، وسهولة تعديل مهن العمل دون ضوابط؛ إضافة لمشكلة عدم ترخيص العمل لمواليد الوافدين الذين ولدوا في الأراضي السعودية.
وأشارت أيضا إلى مشكلة المتخلّفين بعد أداء مناسك الحج والعمرة، واختيارهم جدة كمدينة كبيرة نشطة، فيها كثير من فرص العمل يمكن "الاختباء فيها أو التواري عن أعين الفضلاء من رجال الأمن، وسهولة نقل الكفالة وتكرارها".
وأيضا تسكّع بعض من العمالة الوافدة بالقرب من مراكز الجوازات وإدارة الوافدين بحثا عن فرص لضبطهم والقبض عليهم وترحيلهم على حساب الدولة، ووقوع الأسواق تحت سيطرة واحتكار فئات بذاتها.
واستشهدت الدراسة بسيطرة الفئة السودانية على تجارة الأسمنت، والفئة البنغالية على تجارة الخضراوات والفاكهة وتجارة التجزئة، والفئة اليمنية على مهن الصيانة المنزلية.
وتابعت: "أخيرا هناك مشكلة تمادي المُعقِّبين السعوديين في إنهاء أي مشكلة للوافد الأجنبي تخص إقامته غير النظامية أو عمله المتستر عليه أو حقوقه المحجوبة عند كفيله أو عند الآخرين بطرق ملتوية أو غير مشروعة، نظير دفع الوافد الأجنبي رسوما أو مبالغ أكبر للحصول على مثل هذه التجاوزات".
وبالتتبع التاريخي لظاهرة المتخلّفين والمخالفين لأنظمة الإقامة والعمرة، تجد الدراسة أنها من الظواهر المزمنة التي يعاني منها المجتمع السعودي منذ عقود. وقالت: رغم تطور المحاولات التنظيمية المتعددة التي تبذلها الجهات ذات العلاقة بهذا الشأن، إلا أن المشكلة لا تزال مستمرة في النمو عاما بعد آخر، بسبب عوامل اجتماعية واقتصادية وتنظيمية، إضافة للزيادة السنوية في أعداد الحجاج وفتح باب العمرة على مصراعيه طول أيام السنة.
وأوضح بالقول: "مع تزايد أعداد المتخلفين عاما بعد عام خلال شهر رمضان وموسم الحج، أصبحت هذه المشكلة على درجة كبيرة من التعقيد، خاصة أن التقارير الأمنية تؤكد يوميا ارتكاب هذه الفئة من المتخلفين لجرائم متعددة تهدد أمن الفرد والمجتمع".
وشدّدت على أن ظاهرة التسول من أبرز المشكلات الاجتماعية المرتبطة بمشكلة التخلف، وتعد هدفا رئيسا للبعض من المتخلفين، كاشفة عن وجود شركات مهمتها المتاجرة بأجساد الأطفال في المشاعر المقدسة في مهنة التسول، يتكفل بها فئات من الأفارقة بكل ما يتعلق بهم من استخراج الجوازات وتأمين الحجوزات.
إضافة إلى توفير حافلات خاصة لاستقبال القادمين وتوزيع نقاط عملهم ومناطق التسول بإعاقاتهم بأشكال لا إنسانية مختلفة، وهم يعيشون في منازل عشوائية فوق سفوح الجبال، ويعملون في البيع والشراء وحمل الأمتعة، إضافة إلى تفشي ظاهرة افتراش الكباري والأماكن العامة.
وأشارت إلى وجود تقارير رسمية تؤكد أن من أسباب افتراش الحجاج والمعتمرين للطرق والممرات هو ارتفاع نسبة المتخلفين سواء بعد رمضان أو بعد الحج، ولهذا أصبحت ظاهرة الافتراش سواء في الحرم المكي أو المدني من المشكلات التي تؤرق رجال الأمن والمواطنين، لارتباطها بجوانب سلبية وغير حضارية وتشوه مظهر الأماكن المقدسة.
ودعت الدراسة لتصميم استراتيجية أمنية وقائية للتعامل مع أسباب ودوافع الهجرة غير الشرعية والبطالة والتستر والتخلف؛ بحيث يمكن توحيد كل الجهود التي يجب أن تبذل في نطاق الوقاية والحد منها، في إطار سياسة عامة من أجل التخطيط التنموي الشامل للمجتمع.
وأكدت أن السلطات الأمنية والقضائية لا يقع عليهما بمفردهما مقاومة الجريمة؛ فالمجتمع كله يتحمل هذه المسؤولية، عبر اتخاذ الإجراءات الوقائية الضرورية، لأن الجريمة نتاج خلل في جانب من جوانب النظام الاجتماعي، ولا يمكن أن تعالج السلطات الأمنية مشكلة البطالة وحدها، لأن مهمة هذه السلطات تبدأ بعد وقوع الجريمة في الغالب، ولم يكن لها دور فيما قبل ذلك.

