سلبية رجال الأعمال .. لنعمل صورة فوتوغرافية جديدة

|
لنتأمل تلك الصورة الفوتوغرافية القديمة التي وردت في كتاب ''تاريخ مكة .. دراسات في السياسة والعلم والاجتماع والعمران'' لأحمد السباعي -رحمه الله- التي يفوق عمرها 80 عاما لمجموعة من تجار مدينة جدة مجتمعين في الشارع التجاري العريق ''شارع قابل'' في صورة فوتوغرافية معبرة عن أعضاء مجتمع المال والأعمال في مدينة جدة خلال تلك الحقبة الزمنية الذي كان يقوم بالدور ذاته الذي تقوم به اليوم الغرفة التجارية الصناعية في جدة. يقف في هذه الصورة الفوتوغرافية القديمة في الصف الأعلى من اليمين لليسار الدرير، وحسين نصيف، ومصطفى ناظر، ومحمد الطويل، وأحمد باغفار، وعثمان باعثمان. ويقف في الصف الأسفل من اليمين لليسار محمد الفضل، ومحمد نصيف، وسليمان قابل، وعبد الرحمن باناجة، والطفل علي عبد الله رضا، وعبد الله علي رضا، ومحمد صالح باناجة، وعلي العماري - رحمهم الله - جميعاً. فعلى الرغم من الملاحظات المعبرة عند مقارنة هذه الصورة الفوتوغرافية مع القائمة الحالية لأعضاء مجلس الغرفة التجارية الصناعية في جدة والبعد الملحوظ في التغيّر في موازين التأثير التجاري بين الماضي والحاضر مع بقاء الجهود محصورة في الحدود الجغرافية لمدينة جدة، إلا أن هذه الحالة ليست فريدة في المجتمع التجاري لمدينة جدة. فإن الملاحظة ذاتها نستطيع أن نستخرجها عند مقارنة صور فوتوغرافية شبيهة لأعضاء المجتمع التجاري السابق في مدن المملكة الأخرى ومقارنتها بأعضاء مجلس الغرفة التجارية الصناعية في هذه المدن. وذات الملاحظة ستتكرر عند إعادة المحاولة على باقي مدن دول مجلس التعاون الخليجي، من الكويت إلى البحرين مرورا بالدوحة وأبو ظبي ودبي حتى مسقط. فـ 25 من قائمة كبار رجال الأعمال في الدول العربية هم من رجال أعمال دول مجلس التعاون الخليجي. ومعظم رساميل التجارة البينية العربية تعود لرجال أعمال دول مجلس التعاون الخليجي. وعدد كبير من العائلات التجارية في دول مجلس التعاون الخليجي تتربع على مجالس إدارات عدد كبير من الكيانات التجارية العربية. وعلى الرغم من جميع هذه الإحصاءات التي توافينا بها قوائم إعلامية مختلفة بين الفينة والأخرى، إلا أن مشاركة رجال الأعمال دول مجلس التعاون الخليجي في العملية التنموية الوطنية الخليجية لا تعد متواضعة فحسب، لكنها بدأت بالتراجع مقارنة بمستوى المشاركة خلال الطفرة الاقتصادية الخليجية منتصف السبعينيات الميلادية من القرن الماضي. هذا جزء من نتائج خلصت إليها دراسة حديثة صدرت الشهر الماضي من برنامج التنمية، والحوكمة، والعولمة الذي يحتضنه قسم الدراسات السياسية بكلية لندن للاقتصاديين بتمويل مالي مقدم من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي منذ 2007 حتى 2016. يهدف البرنامج إلى إثراء أدبيات التنمية الخليجية من خلال إجراء العديد من الدراسات والندوات والحوارات الفكرية في مجال التنمية الخليجية. وصدرت الدراسة لمجموعة من الباحثين بالبرنامج كأحد هذه المناشط بهدف تقييم دور القطاع الخاص الخليجي في أداء دوره التنموي المنوط به من قبل الخطط التنموية الوطنية الخليجية. عديدة هي الفوائد عندما ننظر إلى نتائج الدراسة للتعرف على الدور التنموي المنتظر من القطاع الخاص الخليجي، آخذين في الاعتبار التباين بين دور القطاع الحكومي وشقيقه الخاص في العملية التنموية الخليجية بين ما هو وارد في الخطط التنموية الوطنية الخليجية وبين ما نشاهده على أرض الواقع. حيث اتسمت عملية التنمية الخليجية منذ نشأتها قبل عدة عقود مضت وحتى اليوم بأخذ القطاع الحكومي زمام المبادرة وتحمّل مخاطر الاستثمار على الرغم من الإحلال التدريجي للقطاع الخاص محل القطاع الحكومي في أداء هذا الدور حسبما رسمته الخطط التنموية الوطنية الخليجية. واعتمدت الدراسة على مراجعة تاريخية لمجموعة من الإحصاءات التنموية الصادرة من مؤسسات خليجية ودولية مختلفة كمؤسسات النقد الخليجية والبنك الدولي. كما اعتمدت الدراسة على إجراء مقابلات مختلفة مع مجموعة من السياسيين ورجال الأعمال الخليجيين لاستقصاء وجهة نظرهم عن تساؤلات الدراسة. ثم دمجت هذه المعلومات مع ما نشر مسبقا في أدبيات التنمية الخليجية بهدف الوصول إلى صورة أكثر واقعية حول دور القطاع الخاص في العملية التنموية الخليجية وأبرز الآفاق والتحديات. ثم تناولت الدراسة نقاش النتائج من خلال محورين رئيسين. المحور الأول الاقتصاد التنموي من خلال تناول دور القطاع الخاص في خلق وظائف في سوق العمل، واستثمار الحوافز الحكومية المتاحة، وتطوير اقتصاد المعرفة، وتوثيق العلاقة مع القطاع الحكومي، والمشاركة في وضع السياسات الوطنية العامة. وتناول المحور الثاني الاقتصاد السياسي من خلال تناول الدور التاريخي لرجال الأعمال في دعم الحكم المحلي، وتطوير المجتمع المدني، ونشر الحياة الديمقراطية في دول مجلس التعاون الخليجي. من ضمن نتائج الدراسة أن القطاع الخاص اعتمد على استيراد أيدي عاملة منخفضة التكلفة لتعظيم عوائده دون المشاركة في تطوير الأيدي العاملة الوطنية. بل حتى بعد أن شهدت الصادرات الخليجية تطورا نوعيا في خواصها الفنية، ما دعا إلى تطوير الأيدي العاملة المستوردة، قام القطاع الخاص باستيراد الأيدي العاملة من دول عربية مجاورة مع بعض من المحاولات الخجولة نحو تطوير الأيدي العاملة الوطنية. من النتائج كذلك أن العائد التنموي للمجتمع لا يبرر حجم الحوافز الحكومية في عناصر الإنتاج المختلفة التي حصل عليها القطاع الخاص. ومن النتائج كذلك أن مساهمة القطاع الخاص في تطوير السياسات العامة الوطنية لم تتعد حدود الدفاع عن مصالحه أمام التوجهات الحكومية نحو تطوير العملية التنموية الخليجية. مجموعة من النتائج تدعونا للتساؤل: هل نعمل صورة فوتوغرافية جديدة لمجتمع أعمال الخليج؟
إنشرها