حليب أطفالنا ملوّث.. ماذا ستفعل وزارة التجارة؟

|
رصدت الهيئة العامة للغذاء والدواء معلومات عن تلوث بعض منتجات بودرة حليب أطفال ''سيميلاك غين بلس'' للأطفال من عمر سنة إلى ثلاث سنوات، المنتجة من قبل شركة فونتيرا النيوزيلندية للألبان لصالح شركة أبوت، بسبب استخدام بروتين مصل الحليب المركز الملوث بيكتيريا الكلوستريديوم بوتولينيوم، وهذه المنتجات تم تصديرها إلى عدد من الدول بما فيها السعودية. وعلى الرغم من جهود الهيئة في عدم فسح المنتجات الملوثة، إلا أن حساسية المنتجات ودورها في النظام الغذائي لمعظم سكان المملكة يدعونا لأن نطالب بإجراءات صارمة تكفل صيانة صحة أطفالنا، وترسخ احترام وتقدير السوق السعودية ومستهلكيها من سكان المملكة. تشير نشرة إحصاءات واردات المملكة والصادرة مطلع هذا الأسبوع من مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات إلى زيادة اعتماد السوق السعودية على منتجات الألبان ومشتقاتها النيوزلندية خلال الأعوام الماضية عندما زادت قيمتها من قرابة 1.3 مليار ريال في 2009 إلى قرابة 2.39 مليار ريال في 2012. كما أن السوق السعودية تستورد 21 سلعة من نيوزلندا تمثل 19 سلعة منها منتجات الألبان ومشتقاتها والسلعتان الباقيتان تشمل اللحوم ومشتقاتها. وإذا نظرنا لمنتجات حليب الأطفال من هذه المنتجات النيوزلندية نجد أنها بلغت قرابة 220 مليون ريال في 2012. كما أن هذه المنتجات تستهدف قرابة 2.6 مليون طفل في المملكة هم الأطفال البالغين من عمر سنة إلى أربع سنوات، حسب إحصاءات التعداد العام للسكان 2010 والصادر كذلك من المصلحة. تقودنا هذه الإحصاءات حول قيمة منتجات الألبان ومشتقاتها النيوزيلندية في السوق السعودية وتطورات الحليب الملوث النيوزيلندي إلى التساؤل عن الإجراءات التي سيتم اتخاذها نحو الشركات النيوزيلندية المصدرة للسوق السعودية بما يضمن أن تكون هذه الإجراءات أنموذجا لردع من تسوّل لها نفسها من الشركات الأجنبية في التعدي على صحة سكان المملكة، بشكل عام، وأطفالنا، بشكل خاص. وقبيل النظر في توقعاتنا من الجهات الرقابية والمتمثلة في الهيئة ووزارة التجارة والصناعة، فإنه من المناسب أن نقلب صفحات التاريخ للتعرف على رد فعل السوق الهندية نحو حالة مشابهة حدثت في الماضي عندما دخلت شركة الوجبات السريعة ''ماكدونالدز'' السوق الهندية في أواخر التسعينيات الميلادية من القرن الماضي. حيث بدأت الشركة أعمالها بافتتاح قرابة 30 فرعا في مختلف المدن الرئيسة الهندية. كان من أول تحديات التسويق التي واجهتها الشركة عزوف المستهلك الهندي عن شراء منتجاتها الشهيرة، كـ ''بيج ماك''، و''ماك تشيكن''، بسبب اعتماد هذه المنتجات على اللحم البقري في سوق تمثل الطائفة الهندوسية 80 في المائة منه وتنظر للبقر على أنها كائنات مقدسة لا تؤكل لحومها. فطورت الشركة وجبة تعتمد على لحم الماعز بدلاً من لحم البقر، وأطلقت عليها اسم ''مهراجا ماك''، لتحل بديلاً عن ''بيج ماك''. كما سعت الشركة إلى إرضاء ذوق المستهلك الهندي بإضافة مزيج من التوابل الهندية الشائعة إلى مكونات كلتا الوجبتين. لم تشفع كل هذه الوجبات الجديدة للشركة في كسب المستهلك الهندي كذلك بسبب وجود شبهات احتواء الزيت النباتي الذي تستخدمه الشركة على مشتقات اللحم البقري. فاتخذت المقاطعة هذه المرة منهجية أكثر فاعلية عندما قام ثلاثة رجال أعمال أمريكيين، من أصل هندي، برفع دعوى قضائية على ''ماكدونالدز'' في عقر دارها، ومدعمة بنتائج مخبرية تثبت احتواء الزيت النباتي على مشتقات من اللحم البقري. ولم تلبث الدعوة طويلا في أروقة المحاكم الأمريكية حتى حكم لمصلحة رجال الأعمال ملزمةً الشركة بدفع غرامة مقدارها عشرة ملايين دولار أمريكي، وإصدار اعتذار رسمي للسوق الهندية تعترف فيه بفشل مصداقيتها مع المستهلك الهندي. لم تتوقف المقاطعة عند النطق بالحكم، بل تطورت لتتخذ أشكالاً هجومية وسياسية مختلفة. حيث انتقلت الأخبار سريعاً من قاعة المحكمة إلى العاصمة الهندية نيودلهي، دافعة مجموعة من المستهلكين الهنود إلى النزول إلى الشارع، ومهاجمة أحد مطاعم الشركة، محدثة أضرارا مادية قدرت بنحو 50 ألف دولار أمريكي. تزامن هذا الهجوم مع اعتصام مجموعة أخرى من المستهلكين الهنود أمام مكتب رئيس الوزراء الهندي، بيهاري وآجيابي، مطالبة بإغلاق جميع مطاعم الشركة في السوق الهندية. تقودنا تجربة السوق الهندية مع تجاوزات شركة ماكدونالد الأمريكية نحو النظر في ردة فعل عدد من الدول التي استقبلت منتجات الحليب النيوزيلندي. فهذه الصين قد أوقفت استيراد مسحوق الحليب من نيوزيلندا وأستراليا بعد اكتشاف البكتيريا حسب تصريح وزير التجارة النيوزيلندي أمس الأول. وروسيا كذلك أوقفت استيراد وتداول منتجات شركة فونتيرا النيوزيلندية، وتايلاند قررت سحب منتجات فونتيرا المستوردة منذ أيار (مايو). وفي نيوزيلندا نفسها تم سحب بعض أنواع حليب الأطفال المشتبه بتلوثه. مجموعة من ردود الأفعال الدولية نحو المنتج ذاته تدعونا إلى أن نطالب وزارة التجارة والصناعة بالقيام بإجراءات صارمة نحو منتجات شركات الألبان ومشتقاتها النيوزيلندية تكفل صيانة صحة أطفالنا، وترسخ الاحترام والتقدير الممنوح من هذه الشركات نحو السوق السعودية ومستهلكيها من سكان المملكة. إجراءات تأخذ في الحسبان توفير بدائل على وجه السرعة من أسواق دولية جديدة لتغطية الطلب المحلي ولضبط الأسعار في مستويات ما قبل تنفيذ هذه الإجراءات.
إنشرها