بعد فترة قصيرة من تسلم مارك بولاند منصب الرئيس التنفيذي لشركة التجزئة ماركس آند سبنسر في أيار (مايو) 2010، شبَّه الشركة بتحفة فنية من القرن الـ 19.
ورغم أن الإدارة السابقة هي التي بدأت أعمال التجديد، إلا أن طبقات الغبار والدهان التي لا بد من إزالتها للكشف عن الظلال والأشكال بقيت على اللوحة.
#2#
#3#
وقال بولاند، الهولندي المختص بالتسويق، الذي سبق له أن غيَّر وجه وليم موريسون من سلسلة لمحال السوبر ماركت العادية في شمال إنجلترا إلى واحدة من أسرع المتاجر نمواً في بريطانيا: ''لن أغير الصورة، لكن لا بد لي أن ألَمِّع بعض الألوان''.
ومضت ثلاث سنوات ولم يُكشَف النقاب عن الصورة بعد. ولا تزال ماركس آند سبنسر التي تستمر في إغراء المتسوقين بالأطعمة لذوي الدخل العالي، تعاني في سبيل رفع مبيعاتها من الملابس في بريطانيا وتضع حدا للتراجع الناتج في الأرباح. وتعهد بولارد كذلك بتحويل الشركة البريطانية الرئيسة في مجال السلع العامة إلى قوة يحسب لها حساب على الإنترنت وعلى المستوى الدولي.
ومن عدة جوانب، تجسد معاناة ماركس آند سبنسر الوضع الذي يعاني منه التاجر الحديث ذو المحال المتعددة. وفي كثير من البلدان المتقدمة تعاني شركات السوبر ماركت والتجزئة من صعود التسوق عبر الإنترنت، الذي يغري المتسوقين بالبقاء بعيداً عن المحال نفسها والتوجه إلى الأجهزة اللوحية، ويجعل الحجم الكبير للمحال عبئا أكثر منه ميزة. وتضررت ثقة المستهلكين كثيرا بالركود الاقتصادي، في حين أن سوق السلع المتوسطة أو العامة تُسحق بفعل القيمة وظهور مزيد من الشركات ذات السلع الراقية.
لكن بالنسبة للمتسوقين في بريطانيا والأسواق الخارجية، حيث العلامة التجارية معروفة جيداً، ما يحدث لماركس آند سبنسر يحتل أهمية خاصة.
يقول نيل سوندرز، العضو المنتدب لشركة كونلومينو لأبحاث التجزئة: ''ليست هناك شركة تجزئة أخرى تشبهها من حيث مكانتها في المجتمع البريطاني. فبسبب وجودها منذ فترة طويلة، وبسبب وضعها شركة للسلع المتوسطة، أثرت في حياة الناس''.
وبدأت الشركة حياتها عام 1884 في شمال إنجلترا حين فتح مايكل ماركس أول سوق ''كل شيء بقرش''. ثم انتقلت إلى محال في الشوارع العامة، حيث تفرعت إلى فروع للطعام وأخرى للملابس، تبيع للبريطانيين كل شيء من الجوارب إلى الأزياء المدرسية. وكانت أول شركة تجزئة بريطانية تحقق أرباحاً مقدارها مليار جنيه، لكنها تمزقت بفعل معركة الوراثة المريرة في التسعينيات. كذلك تلقت عرضين بالاستحواذ عليها من قبل ملياردير التجزئة، السير فيليب جرين.
وتمتلك الشركة 766 محلاً في بريطانيا و418 محلاً في الخارج، وهي تواجه المنافسة منذ فترة طويلة. لكن في الوقت الحاضر، تماماً في الوقت الذي يقع فيه كثير من زبائنها تحت الضغط، بسبب جمود الأجور وارتفاع التكاليف، علِقت الشركة بين المحال التي تطارد القيمة بكل شراسة، مثل بريمارك، والمحال التي تهتم بالأزياء بصورة خاصة، مثل زارا، التابعة للمجموعة الإسبانية إنديتِكس.
وتقول مورين هِنتون، مديرة الأبحاث والتحليل في فيردِكْت: ''علِقت الشركة في الوسط''.
ورغم أنها تظل أكبر شركة تجزئة للملابس في بريطانيا من حيث القيمة، كانت حصتها من سوق الملابس النسائية 16 في المائة في 1997. وتتوقع فيردِكْت أن تبلغ 11.1 في المائة هذا العام.
وسيخضع أداء الشركة في الملابس للتمحيص من قبل جيش من المساهمين الخاصين في اجتماعها السنوي يوم الثلاثاء المقبل.
وفي حين أن مجموعة كبيرة من الشركات تقضم سوق السلع المتوسطة، أصبحت كل من نيكست وجون لويس، وهما من الشركات المنافسة في السلع المتوسطة، خصوماً يحسب لهم حساب.
وفي الوقت الذي كانت فيه الشركة تتعافى مما وصفه السير ستيوارت روز، الرئيس التنفيذي السابق، بـ ''العقد الضائع''، كانت جون لويس، بأنموذجها في ملكية الموظفين للشركة، تتحول بهدوء إلى كنز وطني. وفي السنة الماضية كانت مبيعات جون لويس بارتنرشِب 8.47 مليار جنيه استرليني، ما يجعلها قريبة من مبيعات ماركس آند سبنسر البالغة عشرة مليارات جنيه.
وكانت جون لويس شركة للمتاجر العامة التي تفوح منها رائحة الرطوبة، لكنها انتبهت بسرعة إلى إمكانات الإنترنت. فقد أدى استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية إلى إحداث طفرة ثانية في التسوق على الإنترنت.
ووفقاً لشركة الاستشارات OC&C، تشكل الإنترنت نحو 5 في المائة من إجمالي مبيعات التجزئة في كل من أوروبا والولايات المتحدة، حيث تقود بريطانيا الطريق بنسبة 11 في المائة، بفضل سوقها القوية والمتوسعة في البقالة على الإنترنت.
بالتالي، وضع بولارد تحويل الأقسام غير المختصة بالأطعمة في ماركس آند سبنسر إلى شركة تجزئة على الإنترنت، ووضعها في طليعة مخططه الاستراتيجي بقيمة 2.3 مليار جنيه، حيث تعهد بمضاعفة مبيعات الإنترنت لتصل إلى مليار جنيه بنهاية السنة المالية الحالية.
ويقول روبرت سوانيل، رئيس مجلس إدارة ماركس آند سبنسر: ''إننا ننفذ الآن -ولا أظن أن هذه مبالغة نهائياً- ما يعتبر أكبر تحول جذري في أية شركة تجزئة بريطانية''.
إن إجراءات تقليص عدد مستودعات الشركة من أكثر من 100 إلى ثلاثة مستودعات فقط، وهي عملية بدأها السير ستيوارت، ستُمَكن الشركة من تخفيض أوقات التسليم للمواد غير الغذائية إلى المحال ومتسوقي الإنترنت.
يقول سوانيل: ''بدلاً من قضاء ما بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع في التسليم من السفن إلى المحال، سيكون ذلك ما بين يومين إلى ثلاثة أيام. في الوقت الحاضر، حين تزور الموقع، وتطلب ثلاث قطع مختلفة من الملابس، ربما تأتي من ثلاثة مستودعات مختلفة. بعد ذلك يجب أن تُجمع معاً وترسل إلى الشحن. هذا نظام يفتقر إلى الكفاءة''.
وفي الفترة الأخيرة افتتحت الشركة مركز توزيع مساحته 900 ألف قدم مربع ''نحو 84 ألف متر مربع'' في كاسل دوننجتون -وهي مساحة كبيرة تكفي لاستيعاب 12 طائرة نفاثة من طراز جمبو- وستخصص الشركة ثلثي المساحة لتنفيذ الطلبات التي تأتي عن طريق الإنترنت.
ويقول سوانيل: إن الانتقال من موقع على الإنترنت عُهِد به إلى أمازون، ليصبح موقعاً يدار من قبل ماركس آند سبنسر هو ''أكبر مشروع من نوعه في أوروبا، وسيضعنا مباشرة هناك باعتبارنا أفضل شركة في فئتنا'' في التجارة الإلكترونية.
ويضيف: ''من منظور مجلس الإدارة نود أن يكون الأمر أشبه بمبتكر رقمي في الـ 20 من عمره يجلس في الرواق في الطابق السلفي مثلما يشعر شخص أمام صف من الملابس. هذا شيء يعتبر تغيراً هائلاً''.
ويقول فريزر رامزان، وهو محلل في نومورا، إن التغيير الشامل للبنية التحتية يمكن أن يساعد الشركة على تعزيز هامشها الإجمالي من الأصناف غير الغذائية -هو الفرق بين السعر الذي تبيع به شركة التجزئة وسعر شراء المواد- من 51 في المائة ليكون قريباً من مستوى نيكست وإنديتِكس البالغ 58 - 59 في المائة، ما يولد ملايين الجنيهات من الأرباح الإضافية.
لكن مجموعة متتالية من الرؤساء التنفيذيين - بمن فيهم السير ستيوارت، الذي ''أُنزِل بالمظلة'' في 2004 للوقوف في وجه عرض الاستحواذ الثاني من السير فيليب- استثمروا مليارات الجنيهات في تحديث الشركة.
كذلك يثير صعود الإنترنت أسئلة حول مستقبل المحال القديمة التابعة للشركة. وفقاً لفيردِكت، كان لدى ماركس آند سبنسر محال للملابس تزيد بنسبة 84 في المائة عما لدى نيكست.
ويقول سايمون إيروين، وهو محلل لدى كريدي سويس، إن التغيرات في البنية التحتية ''ستستغرق خمس سنوات ليكون لها أثر فعلي. سيتم تحديد النجاح على أساس المبيعات''.
ويشير بعض المراقبين المتمرسين في شؤون التجزئة إلى أنه في عالم انقلب رأساً على عقب بسبب الإنترنت، يتوقف نجاح أو فشل شركات التجزئة في نهاية المطاف على مبدأ عتيق الطراز تماماً: وهو مدى رغبة الزبائن في شراء منتجاتها.
ويقول سوندرز: ''إن الأمر يشبه الشعار الذي كان سائداً في أيام كلينتون (إنه الاقتصاد أيها الغبي)، ونحن نقول: (إنه المنتَج أيها الغبي)''.
وبالنسبة لماركس آند سبنسر أهم فئة -وهي فئة كانت تعاني في سبيل تنفيذها بالشكل السليم- هي الملابس النسائية.
ووفقا لجون ديكسون، الذي عمل فترة طويلة لدى الشركة ويتولى الآن مسؤولية الأقسام غير الغذائية: ''الملابس النسائية هي المفتاح الذهبي للباب الذهبي''.
والمواد الغذائية التي تشكل أكثر من نصف المبيعات، كان أداؤها جيداً. لكن مبيعات الملابس، الأكثر ربحية، كانت تتراجع في السنتين الماضيتين. ولتحفيز المبيعات أصبحت الشركة تعتمد على ''عقار'' الحسم.
ويهدف بولاند وفريقه الجديد في قسم الملابس، الذي يشتمل على بيليندا إيرل، التي حولت جايجر من شركة أزياء كلاسيكية إلى شركة متطورة للغاية، إلى حقن أزياء جديدة في الملابس النسائية التي تصنعها الشركة. وهم يحاولون كذلك العودة إلى النوعية التي كان يتبناها سايمون ماركس، ابن مايكل ماركس، الذي أصر، وفقاً لما تقوله جودي بيفان في تاريخها عن الشركة على أن ''السلعة الرخيصة ليس من الضروري أن تكون بضاعة رديئة''.
ويشتمل نطاق الملابس النسائية الجديد على فساتين مستوحاة من مصممي أزياء ومخرمة بالدنتيلة حسب التفصيل. وبالنسبة للنوعية، ستكون بلوزة الكشمير برقبة على شكل الحرف V أثقل بنسبة 9 في المائة، لكنها أرخص بأربعة جنيهات.
ومن المؤكد أن المتسوقين يطالبون بنوعية جيدة وأزياء أكثر. وتقول آن ماونت، 84 سنة، من مارجيت في كنت، وهي تتسوق في متجر ماركس آند سبنسر في كانتربيري: إن نوعية المنسوجات تراجعت، في حين أن مقاسات الكارديجان والأحذية غير متناسقة: ''أنا الآن غير راغبة نهائياً في ماركس آند سبنسر''.
وهناك متسوقة أخرى شعرت بغيظ كبير من اضطراب مقاسات حمالات الصدر إلى درجة أنها كتبت إلى الشركة تقول: ''شعرت بالحنق'' وأضافت أن الملابس ''عتيقة'' وأن زارا تعطي ملابس أفضل، حتى بالنسبة للزبائن الأكبر سناً.
وأزياء الخريف الجديدة لن ترسَل إلى المحال إلا في هذا الشهر، لكن بعض المتسوقين في كانتربيري يلاحظون منذ الآن وجود فرق.
ومن التحديات التي تواجه ماركس آند سبنسر هي الفوز بمزيد من المتسوقين الأصغر سناً -تأتي نسبة 54 في المائة من مبيعات الملابس من المتسوقين الذين تبلغ أعمارهم 55 سنة فأكثر- دون حرمان زبائنها الأساسيين مثل السيدة ماونت، التي تشتكي من أن الملابس هي للأصغر سناً بكثير.
وتقول لورا ديفيز، 44 سنة، إن بعض المواد، مثل البلوزة الزرقاء المزينة بأجزاء صغيرة من الترتر اللامع، تشابه المواد المعروضة في المحال الراقية، لكنها تباع بجزء من سعرها.
وإذا استطاعت الأزياء الجديدة خلال الأشهر الستة إلى الـ 12 المقبلة تبديد هذه المخاوف وتشجيع المتسوقين مثل الموجودين في محل كانتربيري على شراء المزيد من المحال مباشرة دون حسومات كبيرة، فلن تكون جهود بولاند في التجديد قد ذهبت أدراج الرياح.
لكن إذا لم يحدث ذلك، من الممكن أن يبدأ المساهمون بطرح الأسئلة حول عملية التحديث ذاتها - وقيادة بولاند للشركة.
ويصر سوانيل على أن الرئيس التنفيذي يحظى بدعم ''لا لبس فيه من ''المجلس. لكن ديفيد كومينج، رئيس الأسهم في ستاندرد لايف، وهي واحدة من أكبر عشرة مساهمين، يقول: ''إذا لم يكن هناك أي تحسن بحلول هذا الوقت من العام المقبل، من الواضح أن فريق الإدارة سيكون تحت الضغط''.
وبالمقابل، يقول مصرفيون: إن شركة الأسهم الخاصة أو صندوق الثروة السيادية يمكنهما محاولة القيام بهذه المهمة لهم. ويمكن لماركس آند سبنسر أن تجد نفسها على قائمة تسوق الشركات مرة أخرى، على الرغم من أنه حين تكون تكلفتها نحو 11 مليار جنيه استرليي لن تكون رخيصة. والفصل بين الأقسام الغذائية وغير الغذائية هو خيار آخر، على الرغم من أن هذا من شأنه أن يكون أمراً يتطلب الحذق والمهارة، على اعتبار أن 40 في المائة من الزبائن يستخدمون كلا القطاعين. ومنذ فترة طويلة كانت هناك أفكار للاندماج مع جي سينزبري، لكن لأن تلك الشركة أنشأت قسماً كبيراً للمواد غير الغذائية، ربما يكون قد فات الأوان على ذلك. بدلاً من ذلك، بعد سلسلة من عمليات إعادة تجديد الملابس، ربما يكون الوقت قد حان لجلب علامات تجارية من الخارج، لكنها وسيلة يتحاشاها بولاند حتى الآن.
ولأن الكثير يتوقف على عمليات التجديد، يصر سوانيل على أنها ''ليست عملية تركز على جانب واحد فقط''.
لكن وفقا لكومينج: ''هناك على المحك ما هو أكثر من مواسم البيع المعتاد في فصلي الخريف والربيع''.



